- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4225
موجة الاحتجاجات في سوريا: اختبار صعب للحكم
ينبغي على واشنطن ألا تنظر إلى السخط الشعبي الأخير بوصفه دليلاً على فشل عملية الانتقال في سوريا، بل أن تتعامل معه باعتباره فرصة للمساعدة في ضمان عدم تكرار دمشق أخطاء الحكومات السابقة.
منذ بداية العام، شارك عمال النقل والمزارعون والممرضون والمعلمون والمحامون وطلاب الجامعات وموظفو البلديات، إلى جانب فئات أخرى من المواطنين، في أشكال متنوعة من الاحتجاجات العامة في معظم المحافظات السورية. وقد تركزت مطالبهم على تخفيف حدة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، ومعالجة ما يعدونه ظلماً في الأجور، فضلاً عن أوجه القصور في الإدارة والحكم. غير أن فهم دلالات هذه الموجة الاحتجاجية بالنسبة لعملية الانتقال في سوريا ولسياسة الولايات المتحدة تجاهها يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الاحتجاجات الفردية، والتركيز على العوامل والظروف الهيكلية التي تقف وراءها وتحفز استمرارها.
وكما يوضح التاريخ الحديث للبلاد، فإن هذه الظروف ليست جديدة. فخريطة الاحتجاجات في عام 2026 تتقاطع مع خطوط الصدع التاريخية التي غذت الصراع السياسي في سوريا على مدى قرن من الزمن، بما في ذلك التوترات بين المركز والأطراف، والصدمات الاقتصادية، والتوتر بين المجتمع المدني المهني وهيمنة الدولة، وصعوبة تحقيق التوازن بين التحرير الاقتصادي والاستقرار السياسي. وتجد الحكومة الناشئة نفسها اليوم أمام تحديات متزامنة تتمثل في إدارة الاقتصاد، والتعامل مع دوائر انتخابية متنافسة، وترسيخ سلطتها، وبناء مؤسسات الدولة من جديد، وذلك في وقت تواجه فيه تكاليف إعادة إعمار ما بعد الحرب، التي تقدر 216 مليار دولار. وتعد هذه المهمة بالغة الصعوبة حتى بالنسبة لدولة تتمتع بخبرة مؤسسية واسعة وموارد كبيرة.
وبهذا المعنى، فإن الاحتجاجات لا تمثل تطوراً مفاجئاً، بل تُعد نتيجة متوقعة لمرحلة انتقالية معقدة بعد الحرب، تتعارض مع توقعات شعب كان يأمل في رؤية تقدّم ملموس عقب سقوط نظام بشار الأسد في وقت قصير. كما سلّط هذا السخط الشعبي الضوء على مجموعة من نقاط الضعف الهيكلية في منظومة الحكم السورية، وهي مشكلات قد تُشكّل على المدى المتوسط تهديداً للاستقرار يفوق في خطورته الاحتجاجات نفسها.
ما لا تعنيه الاحتجاجات
موجة الاحتجاجات الحالية ليست حركة معارضة منظمة، ولا حملة يقودها موالون للنظام السابق بهدف زعزعة استقرار السلطة الجديدة، كما أنها لا تشكل مؤشراً على اقتراب سوريا من الانهيار. بل إنها تعكس حيوية مجتمعية ورغبة في مساءلة الحكومة الجديدة عبر إحدى القنوات القليلة المتاحة حالياً، وهي الاحتجاجات العامة. فالغالبية العظمى من المتظاهرين تنتمي إلى الحاضنة الاجتماعية للحكومة ضمن الأغلبية العربية السنية في سوريا. ويشمل ذلك سائقين يرفعون علم الثورة أثناء احتجاجهم على السياسات الجمركية، ومزارعين في الرقة يطالبون بالاعتراف بدورهم الأساسي في الأمن الغذائي من خلال اعتصامات حملت اسم "سنابل الكرامة"، وممرضات يطالبن بالمساواة في الأجور مع الأطباء الذين يعملون إلى جانبهن. وهؤلاء لا يقفون في مواجهة النظام الانتقالي، بل يعدون من أصحاب المصلحة في نجاحه، ولذلك يطالبون بمشاركة أوسع في صنع القرار وبمكاسب ملموسة تعكس تطلعاتهم.
وفي الوقت الراهن، تتعامل الحكومة مع هذه الاحتجاجات بقدر من التسامح، وتبدي في بعض الحالات استعداداً لتقديم تنازلات أو الاستجابة لبعض المطالب. ويعد ذلك تحولاً نوعياً مقارنة بأسلوب تعامل دمشق مع الاحتجاجات خلال العقود الخمسة الماضية، وإن كان هذا معياراً متدنياً في حد ذاته. أما الخطر الحقيقي في المستقبل، فلا يتمثل في انهيار مفاجئ أو انقسام حاد، بل في عملية تآكل تدريجية. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد تجد الحكومة نفسها عاجزة عن تحقيق تحسن اقتصادي ملموس، مع ميل متزايد إلى تركيز السلطة، بما يجعل تصحيح المسار أكثر صعوبة، ويحول الاستجابة إلى معالجة ظرفية لكل أزمة على حدة، ويؤدي في النهاية إلى تآكل قاعدتها الشعبية مع تراجع صبر الجمهور.
ما هي أسباب الاحتجاجات؟
تناولت مظاهرات هذا العام قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية.
- تكلفة المعيشة والسياسة الاقتصادية: تُعد هذه القضايا الأكثر انتشاراً واستمراراً، لأنها تمس مختلف المناطق والطبقات الاجتماعية. فارتفاع فواتير الوقود والكهرباء يؤثر على الأسر الحضرية، بينما يؤثر تفاوت أسعار القمح على المجتمعات الزراعية، كما ينعكس خفض دعم الخبز على أصحاب الأعمال الصغيرة، إلى جانب تداعيات اقتصادية أوسع.
- حقوق العمال والمهنيين: تعكس هذه الاحتجاجات قوة عاملة اكتسبت قدراً أكبر من الجرأة في مرحلة ما بعد الأسد، وأصبحت تتعامل مع الدولة بوصفها شريكاً تفاوضياً لأول مرة. وبدلاً من المطالبة بتغيير شامل، ركزت على انتقاد قرارات تنظيمية محددة مثل الفصل التعسفي، وقيود حمولة البضائع، والتدخل السياسي في الهياكل النقابية.
- المعتقلون والمختفون: غالباً ما تكون هذه الاحتجاجات ذات طابع عائلي وإنساني أكثر من كونها سياسية، إذ تتركز مطالبها على الحصول على معلومات، وإجراء محاكمات، والإفراج عن المحتجزين. وتتركز في مناطق الشرق، مثل دير الزور والحسكة، وتشمل فئتين أساسيتين: محتجزين لدى “قوات سوريا الديمقراطية”، وأفراد من “قوات سوريا الديمقراطية” لدى الحكومة. كما ظهرت احتجاجات في دمشق ضد احتجاز إسرائيل لسوريين على الحدود الجنوبية الغربية، ما يشير إلى أن قضية المعتقلين تحمل بعداً وطنياً أوسع. كذلك اتهم متظاهرون الحكومة بعدم الكشف عن مصير العديد ممن "اختفوا" في عهد النظام السابق.
- الأراضي والتهجير وحقوق الملكية: تُعد هذه القضايا الأكثر تعقيداً من الناحية الهيكلية، نظراً لتداخل مطالبات متنافسة بين مجتمعات محلية مختلفة، وأحياناً بين سوريين وجهات فاعلة خارجية. فعلى سبيل المثال، يسعى سكان في السويداء شُرّدوا بفعل العنف الطائفي إلى العودة إلى منازلهم، بينما يواجه مزارعون في القنيطرة إشكاليات مرتبطة بالرهون العقارية، في حين أدى إنشاء قاعدة عسكرية تركية في منطقة جبل عقيل إلى تهجير عدد من العائلات.
- الحكم والحقوق والانتقال السياسي. هذه القضايا هي الأكثر حساسية سياسياً. في تدمر، على سبيل المثال، اندلعت مظاهرات بسبب الإفراج غير المبرر عن شخصية سابقة في النظام، بينما اعترض محامون في حلب على التدخل السياسي في نقابتهم؛ وفي كلتا الحالتين، كانت الاحتجاجات تتعلق أساساً بما إذا كانت الحكومة الجديدة ستختلف هيكلياً عن نظام الأسد.
ما يربط هذه المواضيع ببعضها البعض ويميز الموجة الحالية عن دورات الاحتجاج السابقة هو طابعها غير الأيديولوجي والموزع أفقياً. على عكس القومية العربية ضد الانتداب الفرنسي، والاشتراكية وإعادة توزيع الأراضي في حقبة ما بعد الاستقلال، والمطالبات الليبرالية والإسلامية ضد نظام البعث في السبعينيات والثمانينيات، ودفع ثورة 2011 نحو التحرر من الحكم الشمولي، فإن احتجاجات هذا العام لا تحركها رؤية موحدة وتحويلية. بل هي منظمة حول قضايا منفصلة مثل تلك الموصوفة أعلاه.
سياسة الحكومة ورد فعلها
على مدى الأشهر القليلة الماضية، ظل نمط استجابة الحكومة إلى حد كبير دون تغيير. فهي تبدأ أولاً بإصدار قرارات سياسية كبرى تدرك مسبقاً أنها ستكون مثيرة للجدل، لكنها تعتبرها ضرورية لتأسيس الدولة الجديدة. ومن بين هذه القرارات زيادة بنسبة 800 في المئة في تعرفة الكهرباء، وتحديد سعر شراء القمح عند نحو 330 دولاراً للطن رغم مطالبة المزارعين بحوالي 550 دولاراً، إضافة إلى زيادات في الرواتب طُبقت بشكل غير متكافئ داخل بعض الوزارات. وعندما يرفض المواطنون هذه السياسات، يدافع المسؤولون عنها علناً، أو يقدمون تنازلات جزئية إذا بدا أن الضغوط لا يمكن تجاهلها، كما حدث عندما أضاف الرئيس أحمد الشرع مكافأة لتسليم القمح رفعت السعر الفعلي إلى نحو 400 دولار للطن. وفي حالات أخرى، تتراجع الحكومة بهدوء عن بعض الإجراءات عندما تصبح الضغوط العامة شديدة.
وتعكس بعض هذه السياسات قيوداً مالية حقيقية، وليس مجرد تجاهل لاحتياجات الجمهور. فزيادة تعريفة الكهرباء كانت محاولة للانتقال نحو نموذج تسعير أكثر استدامة في قطاع عانى طويلاً من التشوهات بسبب الدعم. كما أن سعر القمح يعكس حدود القدرة المالية للحكومة على الدفع على نطاق واسع. أما زيادات الرواتب، رغم محدوديتها، فتمثل محاولة أولى لإعادة هيكلة سلم الأجور في القطاع العام الذي أبقاه الأسد عمداً عند مستويات الكفاف.
ومع ذلك، كانت طريقة التنفيذ مشكوكاً فيها. ففيما يتعلق بمسألة الرواتب، على سبيل المثال، وصف وزير المالية محمد يسر برنيه الإجراء علناً بأنه الخطوة الأولى في خطة إعادة هيكلة تدريجية. ومع ذلك، تم تطبيقه عبر سلسلة من الإعلانات المفاجئة دون أي تشاور مسبق، وأدى تطبيقه غير المتكافئ داخل المؤسسات نفسها إلى تحويل الإصلاح الموجه إلى محرك للمظالم. في الواقع، لا تكمن المشكلة دائماً فيما تفعله الحكومة، بل في طريقة التنفيذ.
حتى الآن، صور المسؤولون السوريون الاحتجاجات على أنها دليل على حريات جديدة، بينما كانوا يأملون في سريرتهم ألا تتحول إلى قوة سياسية منسقة. لكن هل سيصمد هذا النهج المتسامح إذا بدأت الاحتجاجات الاقتصادية في الترابط عبر القطاعات أو اكتسبت تنسيقاً سياسياً أكثر وضوحاً؟ قد يساعد هذا القلق في تفسير سبب إظهار التعديل الوزاري الأخير قدرًا أكبر من الاستمرارية والاعتماد على شبكات "حكومة الإنقاذ" المرتبطة سابقًا بالشرع، إذ قد ترى دمشق أنها بحاجة إلى تعزيز التماسك الداخلي وترسيخ الثقة بين أركانها لمواجهة التحديات المقبلة.
التداعيات السياسية
الاحتجاجات الموثقة أعلاه هي النتيجة الحتمية لعجز الحكم المستمر في دولة تمر بمرحلة انتقالية، ولا سيما التركيز المفرط في صنع القرار، وضعف الشفافية المالية، والافتقار إلى آليات التشاور. لا ينتج عن التحرير الاقتصادي دون حماية للمجتمعات الضعيفة الاستقرار، بل يخلق الظروف المواتية للأزمة التالية. لذلك، تواجه الحكومة معضلة كبيرة، فهي بحاجة إلى التحرير الاقتصادي وتوطيد السلطة، لكن كل خطوة في هذين الاتجاهين تنطوي على خطر إبعاد القواعد الشعبية التي منحتها الشرعية بعد سقوط الأسد.
وسط هذه التحديات، يظل المضي قدماً في تعميق التفاعل الاقتصادي بين الولايات المتحدة وسوريا هو الخطوة التالية المناسبة، تماماً كما كان قرار واشنطن السابق برفع عقوبات قانون قيصر هو السياسة الصحيحة. يتمتع المسؤولون الأمريكيون بإمكانية وصول كبيرة إلى كبار المسؤولين السوريين، بمن فيهم المسؤولون عن السياسة الاقتصادية، ويجب عليهم استغلال هذه القنوات للتواصل - بشكل خاص ومتواصل - بشأن الخطوات التي ينبغي أن تتخذها دمشق لتعديل عملية بناء الدولة وتخفيف مخاطر تفاقم الاضطرابات العامة، بما في ذلك:
• شفافية ملموسة في الميزانية.
• عمليات تشاورية قبل الإعلان عن القرارات الاقتصادية الكبرى.
• حماية واضحة للاحتجاج السلمي باعتباره قناة مشروعة للتعبير عن المظالم.
• تقدم جوهري في مجال الحكم الشامل بدلاً من مجرد لفتات رمزية.
فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، يتمتع الرئيس الشرع بسلطة تعيين ثلث أعضاء البرلمان القادم، مما يمنحه أداة قوية محتملة لتعزيز الشمولية في دولة طالما عانت من انقسامات عميقة ومتعددة. كما ينبغي على واشنطن حث حلفائها في أوروبا ودول الخليج واليابان وتركيا على المساعدة في تلبية هذه المطالب.
وفي الوقت نفسه، ينبغي للحكومة الأمريكية أن تعلن رسمياً أن سوريا لم تعد مصنفة كدولة راعية للإرهاب، استناداً إلى شهادة "التغيير الجوهري " الصادرة عن الرئيس ترامب. ورغم أن هذه الخطوة وحدها لن تحل العقدة المستعصية المتمثلة في القيود المؤسسية في سوريا، فإنها قد تخفف بعض مخاوف الشركات الدولية المتعلقة بالامتثال والمخاطر، مما يجعل المستثمرين أقل تردداً في دخول الاقتصاد السوري. ومع ذلك، لا يزال يتعين على المسؤولين الأمريكيين تذكير دمشق بأنه ما دامت مؤسساتها غير متوافقة مع المعايير التجارية والمالية الدولية، فسيظل هناك سقف لحجم الاستثمارات المحتملة.
أما بالنسبة للتحديات الإنسانية الجسيمة التي تواجهها البلاد، فإذا لم ترغب إدارة ترامب في المساهمة بأموال أمريكية في هذا القطاع، فيمكنها على الأقل التعاون مع الهيئات الدولية أو حثها على المشاركة في جهود إعادة الإعمار. ففي نيسان /أبريل، على سبيل المثال، تعهد البنك الدولي بتقديم 225 مليون دولار للمساعدة في استعادة خدمات الصحة والمياه في سوريا.
على أي حال، الحقيقة هي أن السوريين ما زالوا يتعاملون مع دولتهم الجديدة بدلاً من رفضها. لذا، ينبغي على واشنطن ألا تتعامل مع اللحظة الحالية على أنها علامة على فشل عملية الانتقال، بل كفرصة للمساعدة في ضمان ألا تكرر دمشق أخطاء الحكومات السورية السابقة على مدار القرن الماضي.