- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4173
عملية الغضب الملحمي وزئير الأسد: من سيناريوهات الحرب إلى ما بعدها في إيران
يقيّم عدد من خبراء معهد واشنطن التداعيات الفورية للضربات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران، بما في ذلك مستقبل النظام بعد الخسائر القيادية الكبرى، وردود الفعل داخل إيران ولبنان، وانعكاساتها على دول الخليج، إضافةً إلى ملامح الدبلوماسية المحتملة عقب توقف القتال وغيرها من التطورات.
الأهداف الإسرائيلية الأمريكية والتنسيق العسكري
بقلم: آساف أوريون
تعكس التصريحات التي أدلى بها الرئيس ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن العمليات التي انطلقت نهاية الأسبوع الماضي – والمُشفَّرة بـ"الغضب الملحمي" أمريكياً و"الأسد الزائر" إسرائيلياً – تنسيقاً وثيقاً بين الجانبين، وإن اتسمت في الوقت ذاته ببعض الاختلافات. فقد استحضر كلاهما الإرث الدموي للنظام الإيراني، وأكدا العزم على حرمانه من امتلاك أسلحة نووية، ودعوا إلى إسقاطه دون الالتزام الصريح بتحقيق ذلك مباشرةً.
وأعلن الرئيس ترامب أن هدفه المحوري هو الدفاع عن الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن العملية ستكون حملةً واسعةً ومطوّلة تستهدف تدمير صواريخ إيران وأسطولها البحري، ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي في أي وقت، وتحييد وكلائها الإرهابيين في المنطقة. كما دعا أجهزة الأمن والشرطة في النظام إلى الاستسلام، وحثّ الشعب الإيراني على استلام السلطة حين تنتهي العملية.
في المقابل، أعلن نتنياهو أن الهدف الرئيسي للحملة هو إزالة التهديد الوجودي الذي يتهدد إسرائيل، مؤكداً أنها ستُهيئ الظروف للشعب الإيراني كي يتخلص من الاستبداد. واللافت أن ترامب وصف الحملة باعتبارها عملية أمريكية دون أن يذكر إسرائيل شريكاً فيها، بينما وصفها نتنياهو بأنها عملية مشتركة وأعرب عن امتنانه لترامب على قيادته التاريخية. على الصعيد العسكري، يتعاون الحليفان تعاوناً وثيقاً للغاية، إذ تقاسما الأهداف والقطاعات والمهام وما سواها. وقد قدّمت إسرائيل استخبارات بالغة الأهمية، ونفّذت ضربات للتصفية استهدفت كبار المسؤولين الإيرانيين، وأدّت دوراً محورياً في تعطيل منظومات الدفاع الجوي لإيران لضمان السيطرة الجوية للجيشين المتحالفين. وقد ضربت القوات الإسرائيلية مئات الأهداف في غرب إيران ووسطها، في حين تتولى القوات الأمريكية على ما يبدو ضرب سائر أرجاء البلاد وتدمير الأسطول الإيراني. ويُظهر مقطع مصوّر للجيش الإسرائيلي عمليات استهداف لقواذف الصواريخ الباليستية متوسطة المدى.
وبالتوازي مع ذلك، يجري تنفيذ جهد مشترك للدفاع الجوي لحماية القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، تسبّبت مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في أضرار متصاعدة لدى الأعداء، لا سيما في الجانب المادي، فضلاً عن بعض الإصابات البشرية. وقد تُسهم جهود التصدي الفعّالة لهذه الأنظمة في الحفاظ على مخزون الحلفاء من الاعتراضات الدفاعية المحدودة. وإجمالاً، تُتيح مختلف عناصر هذه الحملة المشتركة المُبهرة تحقيق التفوق العسكري والاستراتيجي للحلفاء على النظام الإيراني، وتعظيم التآزر بين نقاط القوة النسبية للجيشين الإسرائيلي والأمريكي.
الرد العسكري الإيراني الإقليمي والقيود الاستراتيجية
بقلم: مايكل آيزنشتات
في الأسابيع الأخيرة، هدّد مسؤولون إيرانيون بالرد على أي هجوم أمريكي محتمل بكل الوسائل المتاحة، وضرب القواعد الأمريكية في كافة أنحاء المنطقة، وخوض حرب مطوّلة ومكلفة. وفي الرد على الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة نهاية الأسبوع الماضي، نفّذت طهران ما توعّدت به: إذ أطلقت مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على قواعد أمريكية في البحرين والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإقليم كردستان العراق. وأفاد الجيش الأمريكي بسقوط ثلاثة جنود أمريكيين حتى الآن وجرح خمسة آخرين. كما أطلقت إيران عشرات الصواريخ على أهداف متعددة في إسرائيل.
وإلى جانب المنشآت العسكرية، استهدفت الضربات الإيرانية المضادة مواقع مدنية في عدة دول، شملت مبانٍ سكنية في البحرين وإسرائيل، وفنادق في الإمارات، ومطارات دولية في الكويت والإمارات وأربيل. وقد يعكس هذا النهجُ استراتيجيةَ إيجاد شرخ داخل التحالف بهدف دفع الحلفاء العرب لواشنطن نحو الضغط لوقف الحرب. بيد أن ضربات إيران يبدو أنها أفضت إلى نتيجة عكسية، حيث أدانت كلٌّ من مجلس التعاون الخليجي والأردن وسوريا هذه الهجمات علناً، وأكدت حقها في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
تكشف هذه الإجراءات عن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية الأشمل وما قد تنطوي عليه من قيود. فبتوزيع جهدها على منظومة واسعة من الأهداف في دول متعددة، يبدو أن النظام على استعداد للتفريط في الأثر المادي لضرباته مقابل تعظيم وقعها النفسي، ليوجّه رسالة مفادها أن لا أحد من حلفاء الولايات المتحدة في مأمن. غير أن هذه الاستراتيجية يبدو أنها ارتدّت على طهران بالضرر – وإن ظل غير محسوم ما إذا كان ذلك سيُحدث أثراً ملموساً في مجرى الحرب. ويبدو أن النظام قد نسي أحد أهم دروس حرب الخليج في ثمانينيات القرن الماضي: لا يمكنه الصمود في نزاع مطوّل أمام خصوم أوفر موارداً حين تُصلّب أفعاله عزيمة الخصم، وتزيد عزلة إيران دولياً، وتستنزف أصوله المحدودة – الصواريخ والمسيّرات في هذه الحالة – التي لا يستطيع تعويضها بسهولة.
ردود الفعل الشعبية الإيرانية ومستقبل حركة الاحتجاج
بقلم: هولي داغريس
على الرغم من أن قطع الإنترنت الذي فرضه النظام لحظة اندلاع الهجوم جعل استيعاب الأحداث الميدانية بصورة واضحة أمراً عسيراً، فإن مقاطع مصوّرة عديدة نُشرت قبيل انقطاع الاتصال أظهرت إيرانيين من مختلف الأعمار يحتفلون بالضربات. وفي احتفاء الناس عوضاً عن اختبائهم خوفاً، دلالة بالغة على ما أحدثته الجمهورية الإسلامية في نفوس المواطنين على مدى سبعة وأربعين عاماً. واستمرت ردود الفعل تلك في أعقاب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، حين انتشرت تسجيلات عبر الإنترنت بواسطة "ستارلينك" تُوثّق احتفالات شعبية في مدن إيرانية عديدة.
وهذه الاستجابة ليست مفاجئة في ضوء حجم المجازر التي ارتكبها النظام في الأسابيع الأخيرة. وقد طالب كثير من الإيرانيين، في مقدمتهم المحامية الحقوقية البارزة "نسرين سوتوده"، المجتمعَ الدولي بتطبيق مبدأ "مسؤولية الحماية" والتدخل في مواجهة النظام. وقد منحهم وعد الرئيس ترامب قبيل الحرب بأن "العون في الطريق" بصيص أمل، وإن ظل مبهماً كيف سيشعر هؤلاء الإيرانيون على المدى البعيد إن سقط كثير من المدنيين في خضم الأحداث، أو إذا ما نجحت بقايا النظام في النهوض من الرماد وإعادة السيطرة.
في المرحلة الراهنة، يفتقر غالبية السكان إلى الحماية من وطأة الأعمال العدائية الجارية وإلى المعلومات الكافية عنها. فكما كشفت حرب حزيران/يونيو 2025، لا صفارات إنذار تحذرهم من الهجمات الوشيكة، ولا ملاجئ تؤويهم. وأولئك الذين يمتلكون الإمكانات ماضون في النزوح من العاصمة نحو الشمال، فيما يعاني التشويش قنواتَ الفضائيات الإقليمية منذ أيام مما يُعسّر وصول المعلومات الضرورية لمواكبة التطورات. والأبرز من ذلك أن المادة 111 من الدستور الإيراني قد استُدعيت الآن: وهي تنص على تشكيل مجلس من ثلاثة أشخاص – الرئيس ورئيس القضاء وأحد رجال الدين من مجلس صون الدستور – لتولّي مهام المرشد الأعلى مؤقتاً عند وفاته. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يزال هؤلاء أحياء. وما دام هؤلاء وسائر رجال الدين في منأى عن الخطر، فبإمكان الجمهورية الإسلامية الصمود – في الأمد المنظور على الأقل.
آليات صنع القرار في النظام بعد خامنئي
بقلم: پاتريك كلاوسون
في أعقاب مقتل خامنئي، ستجد الجمهورية الإسلامية نفسها أمام تحدي الحفاظ على استمرارية الحكم. فقد ظل المرشد الأعلى لعقود طويلة يدير القرارات بشكل مباشر عبر طاقم يتجاوز خمسة آلاف موظف، يشمل الملفات الأمنية والتعيينات والشؤون الثقافية والاقتصادية وغيرها. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما آثر البقاء في الظل والاتكاء على آراء مجلس الأمن القومي الأعلى ذي النفوذ الواسع، فإنه كان في نهاية المطاف صاحب القرار في أدق المسائل وأعقدها، ويظل غامضاً كيف ستسير هذه العملية من دونه.
حين رحل آخر مرشد أعلى، لم تكن الأحكام الدستورية المتعلقة بصلاحية مجلس خبراء القيادة في انتخاب مرشد جديد سوى غطاء شكلي لقرارات اتُّخذت فعلياً في غرف مغلقة بين نفر من كبار المسؤولين. بيد أنه لا وجود اليوم لمن يقبض على زمام الأمور ويضطلع بهذا الدور. وقد أرسى المسؤولون بعض ركائز الاستمرارية على مر السنين، كتحديد خلفاء محتملين للمناصب الكبرى وتفويض السلطات الأدنى صلاحية التصرف باستقلالية في حال انقطاع التواصل مع طهران. كذلك يُقال إن خامنئي قد رشّح ثلاثة مرشحين لخلافته، وإن ظل وزن ذلك في قرارات الخلافة الفعلية مجهولاً.
ما بات واضحاً هو أن طيفاً واسعاً من الشخصيات النافذة سيسارع إلى التنافس على النفوذ حتى وهي تحاول التملّص من الضربات العسكرية. ولو افترضنا أن النظام نجا وعيّن مرشداً أعلى جديداً، فلن يحظى أي فرد في هذا المنصب بالقدر ذاته من الهيبة التي أُسبغت على خامنئي. (ولنتذكر أنه حتى خامنئي نفسه احتاج إلى ما يزيد على عقد كامل لتوطيد سلطته الفعلية منذ توليه المنصب عام 1989م.) والميل الغريزي لدى بعض الشخصيات النافذة، لا سيما في الحرس الثوري الإسلامي (الحرس الثوري)، هو السيطرة على مقاليد الأمور، مع إسناد دور هامشي للمرشد الأعلى القادم.
على الصعيد الخارجي، إذا ظل الساعون على نهج خامنئي في السلطة، فقد يكون الهدف الذي أعلنه ترامب بإجبار طهران على "الاستسلام" هدفاً عسير المنال. ولعل أبلغ دليل على ذلك تصريحات خامنئي الأخيرة بأن تقديم التنازلات لواشنطن لن يزيدها إلا جرأةً على "ابتلاع" إيران، وحثّه شعبه على استحضار الموروث التاريخي لكربلاء، حين اختار الإمام الحسين المبجّل وصحبه القلّة الاستشهاد في المعركة عوضاً عن الإذعان. في المقابل، قد يميل بعض الشخصيات الإيرانية الوازنة بالقدر ذاته نحو السعي لتسوية مع الولايات المتحدة تبعاً لتطور الأحداث. والتحدي الذي يواجه واشنطن هو تقدير ما إذا كان أولئك المقترحون لمثل هذه التسوية يمتلكون القدرة والصلاحية الكافيتين لإتمامها.
مأزق حزب الله
بقلم: حنين غدار
كان رد فعل حزب الله الفوري أمس هو إدانة "العدوان" الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والتعبير عن تضامنه الكامل مع الجمهورية الإسلامية، والدفاع عن حق طهران في تطوير قدرات نووية سلمية وأنظمة صواريخ دفاعية، دون أن يتوعد بالانتقام أو يعد بتقديم دعم عسكري في البداية. غير أن الأمين العام "نعيم قاسم" أدلى اليوم بتصريحات تحمل نبرة مغايرة أكثر تصعيداً وتلمح إلى الاستعداد للانتقام: "سنقوم بواجبنا في مواجهة العدوان، واثقين بنصر الله وتوفيقه ودعمه... ومهما كانت التضحيات، لن نتخلى عن ساحة الشرف والمقاومة ومواجهة الطغيان الأمريكي والإجرام الصهيوني."
إذا أقدم قادة حزب الله فعلاً على الدخول في الحرب، فهذا يعني على الأرجح أنهم خلصوا إلى أن النظام الإيراني -راعيهم الخارجي الأول - يواجه انهياراً وشيكاً وأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه. بيد أنهم يدركون أيضاً أن أي رد عسكري ضد إسرائيل أو السفارة الأمريكية في لبنان أو أهداف مماثلة هو: (1) محكوم عليه بالفشل في الغالب، و(2) كفيل بجرّ تصعيد إسرائيلي مدمّر على البنية التحتية المتبقية للحزب.
ولا تزيد هذه المعضلات إلا تعقيداً مع استمرار القتال. فقد أفاد مسؤول رفيع في حزب الله الأسبوع الماضي بأن الحزب لن يتدخل عسكرياً في حال اقتصرت الضربات الأمريكية على إيران وبقيت "محدودة"، إلا أن الاستهداف المباشر للمرشد الأعلى سيمثّل "خطاً أحمر". وفي ضوء مقتل خامنئي وتصريح قاسم الجديد، قد يعتزم الحزب الوفاء بهذا التحذير، في حين أوضحت إسرائيل أن ردها سيكون حازماً إذا أقدم الحزب على ذلك.
من جهة أولى، يعلم قادة حزب الله أن التغيير في إيران قد يعني نهاية نفوذهم في لبنان نظراً لما يرتكزون عليه من تمويل وغيره من أوجه الدعم الإيراني. ومن جهة ثانية، يدركون جيداً محدودية قدراتهم العسكرية بعد أكثر من عامين من الضربات الإسرائيلية المتواصلة. فإطلاق بضعة صواريخ على إسرائيل لن ينقذ النظام الإيراني، لكنه سيمنح تل أبيب مبرراً مثالياً لا لضرب بنيته التحتية العسكرية بقوة أشد فحسب، بل لاستهداف قيادته السياسية أيضاً.
في الوقت الراهن، تدور حسابات حزب الله حول محورين: (1) هل يستطيع تحمّل خسارة ما تبقى من أسلحته، لا سيما إذا عجزت إيران عن إعادة تزويده؟ (2) هل يستطيع تحمّل المزيد من إثارة حاضنته الشعبية الأساسية – مجتمع الشيعة في لبنان – بإشعال فتيل التصعيد الإسرائيلي في وقت لا يزال فيه كثيرون منهم نازحين جراء المعارك السابقة؟ فبدون الدعم الإيراني المستدام، لا يستطيع حزب الله المجازفة بفقدان تأييد هذه الحاضنة وثقلها الانتخابي الحيوي قبيل الانتخابات البرلمانية المصيرية المقررة في أيار/مايو. والسؤال المطروح: هل ستطغى هذه الاعتبارات على الخطوط الحمراء السابقة وأحدث تصريحات "المقاومة"؟
الوساطة العُمانية ودول الخليج
بقلم: أبريل لونغلي ألي
انطلق الهجوم الحالي على إيران بعد ساعات قليلة فحسب من زيارة وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي واشنطن ناشداً الإبقاء على المسار الدبلوماسي. وكما جرت العادة، كانت عُمان أداةً فاعلة في تيسير المحادثات الأخيرة، وقد أكد البوسعيدي في مسعاه الأخير أن "صفقة السلام في متناول اليد" لضمان عدم حصول طهران على المواد النووية اللازمة لصنع سلاح. وفي أعقاب اندلاع الأعمال العدائية، أعرب عن استيائه الشديد، مطالباً الولايات المتحدة بـ"عدم الانجرار بشكل أعمق"، وواصفاً ما جرى بأنه "ليس حربكم" – في إيحاء ضمني بأن إسرائيل هي التي جرّت واشنطن إلى النزاع.
وتاريخياً، دأبت عُمان على دعم كل حوار أو تسوية تصرف شبح الصراع، وربما لا يتبدّل هذا الموقف على الرغم من المعارك الدائرة. فمن المرجح أن مسقط ستبقى مستعدة لتيسير محادثات جديدة متى هيّأ الطرفان أنفسهما لاستئناف التواصل. ففي نهاية المطاف، ليست هذه المرة الأولى التي تُعصف فيها الحرب بمساعي الوساطة، فقد اندلعت الحملة العسكرية ضد إيران في حزيران/يونيو 2025 قُبيل انعقاد الجولة السادسة من المفاوضات المقررة في مسقط، ومع ذلك عاد الوسطاء العُمانيون إلى العمل فور استعداد الأطراف. أما الآن، فقد أُسدل الستار على المسار الدبلوماسي ومنحت الكلمة للسلاح.
وثمة فارق محتمل الأهمية في هذه الجولة، إذ تتكبد عُمان تبعات مباشرة وغير مباشرة لهذا القتال على الرغم من علاقاتها الوثيقة بطهران وانعدام وجود قواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيها. فقد أطلقت إيران طائرة مسيّرة أصابت منشآت السكن في ميناء الدقم العُماني على بحر العرب. وقد تنعكس على مسقط أيضاً تداعيات الضربات الكثيفة التي تطال سائر دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها الهجمات على القواعد الأمريكية في قطر والإمارات والبحرين والكويت، وما بدا صواريخ استهدفت الرياض والمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، مما قد ينبئ بمحاولة لضرب البنية التحتية النفطية الحيوية. وقد هزّت صور الصواريخ والمسيّرات وهي تضرب أهدافاً مدنية سمعةَ الخليج بوصفه جزيرة استقرار. وفي الفترة السابقة للضربات، سعى قادة دول الخليج إلى البقاء خارج دائرة الصراع بدعم الدبلوماسية علناً، وبالإعلان عن رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيهم أو أجوائهم منصةً للهجوم. غير أنهم باتوا يواجهون خطر الانزلاق إلى قلبه على الرغم من ذلك.
آفاق الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب
بقلم: ريتشارد نيفيو
قبيل هجمات نهاية الأسبوع الماضي، كان من العسير رسم مسار واضح نحو اتفاق دبلوماسي مع إيران. فقد شكّل تردد النظام في التعامل مع واشنطن في أعقاب انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م عائقاً رئيسياً، إلى جانب التقدم التقني في القدرات الإيرانية، وتداعيات حرب حزيران/يونيو 2025، والقمع الوحشي الذي مارسه النظام ضد المحتجين هذا العام. وفي الوقت الذي اتسعت فيه المطالب الأمريكية، تصاعد الشعور بالهشاشة لدى طهران مما جعلها في غاية الإحجام عن تقديم تنازلات في المحاور الأمنية الجوهرية الخارجية والداخلية.
ولن تُحسّن الضربات العسكرية الراهنة حظوظ التوصل إلى اتفاق موثوق وطويل الأمد مع الجمهورية الإسلامية حتى لو انتهى الأمر بهدنة. بل تُشير تقارير إسرائيلية إلى أن إدارة ترامب ربما استغلت الجولة الأخيرة من المفاوضات غطاءً للهجوم القادم – وهو ما قد يُلقي بظلاله المعوِّقة على الدبلوماسية الأمريكية مع إيران وسائر الأطراف طوال فترة ولاية الرئيس.
ولذلك، فإن أوفر الفرص لإبرام اتفاق ستتاح مع نظام خلف في طهران. وإن كان نطاق مثل هذا الاتفاق لا يزال في دائرة التخمين في خضم الأعمال العدائية الجارية، فإن المطالب التي سيحملها المفاوضون الأمريكيون والإسرائيليون إلى طاولة المفاوضات تبدو جلية: لا برنامج نووي ذا شأن، ولا برنامج صواريخ تهديدي، ووقف الدعم لمجموعات الوكالة الخارجية. والسؤال المطروح: من سيجلس في الجانب الآخر من الطاولة؟ على الأرجح، لن يكون قيادة ديمقراطية موالية للغرب، بل جنتة يقودها فعلياً الحرس الثوري. بيد أن بالإمكان تصوّر مثل هذا النظام وهو يسعى إلى تقليص تورطاته الخارجية مرحلياً في سبيل الحفاظ على سلطته الداخلية. وقد يقبل الرئيس ترامب بهذا النوع من التسوية، قياساً على ما بدا أنه تقبّله بشأن الوضع القائم في فنزويلا عقب إطاحة قائدها.