- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4164
ماذا لو لم توجه الولايات المتحدة ضربة لإيران؟
بصرف النظر عما قد يصرح به الرئيس ترامب عن إمكانية التوصل إلى "اتفاق جيد" مع إيران، فإن الامتناع عن القيام بعمل عسكري بعد أسابيع من التحذيرات الأمريكية الشديدة من شأنه أن يقنع طهران بأنها قادرة على بث الرعب في نفوس الحكومات الأخرى.
إلى جانب التحليلات المهمة المتعلقة بخيارات توجيه الضربة والعواقب المحتملة في حالة قيام الولايات المتحدة بمهاجمة إيران مرة أخرى، يجدر أيضاً التفكير في الآثار التي قد تنشأ في حالة امتناع الولايات المتحدة عن توجيه ضربة. ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل التقارير المتنوعة التي تفيد بأن المحادثات المتعددة الأطراف المقرر عقدها في إسطنبول في السادس من شباط/فبراير، قد تركز بشكل حصري على القضايا النووية بدلاً من مجموعة واسعة من القضايا الأخرى التي تشكل محور سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران. وتشمل هذه القضايا مخاوف حقوق الإنسان التي دفعت الرئيس ترامب إلى توجيه تهديدات بتوجيه ضربات عسكرية، وصولاً إلى مخاوف الولايات المتحدة الأمنية طويلة الأمد بشأن انتشار الصواريخ وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
بصرف النظر عن التطورات، تشير ممارسات ترامب السابقة بقوة إلى أنه سيُسارع إلى ادعاء النجاح وربطه مباشرة بتهديداته باستخدام القوة. ومع ذلك، ستواجه الإدارة تحديات كبيرة في تصوير أي خطوات متواضعة تنشأ عن الجولة الجديدة من المحادثات على أنها انتصار للولايات المتحدة. ومن المرجح أن يوازن الشعب الإيراني وقادة النظام والمراقبون في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بين هذه الادعاءات والتصور القائل بأن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو إسقاط الجمهورية الإسلامية، وهو أمر من غير المرجح أن يحدث في المستقبل القريب. لذلك، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يتوقعوا اتساع نطاق الشكوك بشأن ما إذا كانت طهران -أو واشنطن في هذه الحالة - ستلتزم بتنفيذ أي اتفاق نووي مبدئي قد يتم التوصل إليه في الأيام المقبلة.
الخوف من قدرات إيران
لدى طهران أسباب وجيهة للاعتقاد بأنها قادرة على بث الرعب في نفوس الحكومات الأخرى. خلال الشهر الماضي، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لن تهاجم إيران في الوقت الحالي، أكدت العديد من الحكومات الأخرى في المنطقة - بما في ذلك مصر وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية - دعم موقف القدس في حث الولايات المتحدة على عدم شن هجوم الآن. كما استبعدت الرياض والإمارات العربية المتحدة علناً استخدام مجالهما الجوي أو أراضيهما لأي عمل عسكري هجومي ضد إيران، على عكس صمتهما العلني قبل حرب الاثني عشر يوماً التي اندلعت الصيف الماضي، حيث لم تستخدم واشنطن مرافق في أي من البلدين لتلك الحملة، بناءً على طلبهما حسبما ورد. وفى هذا السياق، كانت صحيفة "نيويورك تايمز" محقة عندما كتبت أن "المسؤولين الإسرائيليين والعرب يخشون أن ترد إيران بضرب بلدانهم". بعبارة أخرى، إذا اختارت الولايات المتحدة عدم توجيه ضربة لإيران، فسيكون من المنطقي أن تستنتج الاخيرة أن قدرتها العسكرية، وخصوصاً صواريخها، كانت عاملاً مهماً في هذا القرار.
وبالفعل، لقيت تحذيرات الحلفاء من مخاطر شن هجوم آخر ترحيباً ملحوظاً في طهران. وعلى عكس التصورات الأمريكية، أعلن المسؤولون الإيرانيون على جميع المستويات وبصوت عالٍ ومتكرر أن إجراءاتهم الانتقامية ألحقت أضراراً جسيمة خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً. وعلى الرغم من أن كثيراً من هذه التصريحات قد تكون مبالغاً فيها إلى حد ما، فإن أحد حججهم الرئيسة لا يمكن إنكارها، وهي أن إيران لم تطلب أبداً وقف القتال العام الماضي، وأن وقف الحرب كان قراراً اتخذته الطرف الآخر. علاوة على ذلك، فإن المسؤولين الإيرانيين محقون في ملاحظة أن إسرائيل لم تكشف أبداً عن المدى الكامل للأضرار الناجمة عن الضربات الصاروخية الإيرانية، جزئياً لإخفاء هذه التفاصيل عن طهران. وما اعترفت به إسرائيل هو أن اثنتين من تلك الضربات وحدهما - على معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا - كلفا مئات الملايين من الدولارات أو أكثر لإصلاحهما. بالإضافة إلى ذلك، أفادت التقارير أن أصحاب المنازل الإسرائيليين قدموا مطالبات بقيمة 1.5 مليار دولار تعويضاً عن الأضرار الناجمة عن هجمات حزيران/يونيو.
ويبدو أن إيران تعتقد أيضاً أن ترسانتها من الصواريخ أفضل حالاً من مخزون الولايات المتحدة وإسرائيل من أنظمة الصواريخ المضادة، على الرغم من اعترافها بالأضرار الجسيمة التي لحقت بقاذفات صواريخها. ووفقاً لتحليلات إسرائيلية مختلفة كُشف عنها بشكل خاص، قُدّر أن إيران فقدت ما يصل إلى 80 في المائة من أنظمة الدفاع الجوي الخاصة بها وقت وقف إطلاق النار الصيف الماضي، وأكثر من ثلثي منصات الإطلاق الخاصة بها؛ وتشير هذه التقييمات أيضاً إلى أن الضربات الإسرائيلية دمرت عدداً من الصواريخ أكبر بكثير من عدد الصواريخ التي تمكنت إيران من إطلاقها.
لكن الأهم من ذلك هو أن النظام الإيراني احتفظ ربما بنصف مخزونه من الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل. وبشكل عام، فإن العديد من مخزوناته المتبقية من الصواريخ هي أنظمة قصيرة المدى غير مناسبة لضرب إسرائيل، لكنها قادرة على الوصول إلى أهداف في الدول المجاورة، بما في ذلك المنشآت التي تستخدمها الولايات المتحدة. ويُقدّر أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً في استعادة إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، على الرغم من أن ادعاءاتها بأن الإنتاج أعلى مما كان عليه قبل الحرب غير مرجحة.
على الجانب الآخر، أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها ما يقرب من 100–150 صاروخاً من صواريخ اعتراضية من طراز THAAD (نظام الدفاع الجوي الصاروخي) خلال الحرب - وهو رقم كبير بالنظر إلى أن المخزون العالمي الإجمالي لهذه الذخائر التي يتراوح بين 500 و600 صاروخ، وأن الإنتاج السنوي بطيء جداً بشكل عام. على سبيل المثال، تم إنتاج 11 صاروخاً فقط من طراز THAAD في عام 2023. كما حذر البنتاغون مراراً وتكراراً من أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت أقل بكثير مما هو مطلوب لأغراض دفاعية في ظل البيئة الحالية للتهديدات العالمية. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تنشر معلومات عن مخزونها من الصواريخ المضادة للصواريخ، فإن التقديرات من مصادر موثوقة تشير إلى أنه أصغر بكثير مما كان عليه قبل الحرب.
وبشكل أعم، فإن تحذيرات الحلفاء بشأن قدرات إيران الانتقامية - بما في ذلك من إسرائيل -تكشف الكثير عن كيفية نظر المنطقة إلى التوازن الحالي للقوى. وعلى الرغم من أن واشنطن معجبة بشدة بالطريقة التي فازت بها إسرائيل في المعركة الافتتاحية في حزيران/يونيو الماضي، بما في ذلك قتل العديد من كبار المسؤولين العسكريين والنوويين الإيرانيين؛ والعمل دون عوائق كبيرة في المجال الجوي الإيراني، فإن هذا ليس كل شيء. ومع ذلك، تُظهر مناشدات المنطقة لواشنطن قلقاً واضحاً بشأن ما يمكن أن تفعله إيران في جولات القتال المستقبلية.
خيبة أمل الشعب الإيراني
حتى بعد المذابح التي ارتكبها النظام ضد المتظاهرين في 8 و9 كانون الثاني/يناير، حث الرئيس ترامب الإيرانيين على مواصلة المسيرات. وفي 13 كانون الثاني/يناير، نشر تغريدة قال فيها: "أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج - استولوا على مؤسساتكم. المساعدة في طريقها إليكم". كما حذر من أن من يقفون وراء "القتل العشوائي... سيدفعون ثمناً باهظاً"، مدعياً أن "يوم الحساب والقصاص قادم".
في ضوء مثل هذه التصريحات، ليس من المستغرب أن العديد من الإيرانيين الذين يكرهون النظام - خاصة بعد المذابح الأخيرة التي ارتكبها - لا يأملون فحسب، بل يتوقعون بالفعل أن تهاجم الولايات المتحدة. وهناك حالة من التوتر داخل الجمهورية الإسلامية، كما يتضح من الشائعات المنتشرة بأن هجوماً أجنبياً كان وراء الانفجارات العرضية الأخيرة في مواقع مختلفة (وهو أمر شائع الآن نظراً لسوء إدارة البلاد وتدهور البنية التحتية). كما تنتشر التكهنات بأن الولايات المتحدة تعتزم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث تحذر مصادر النظام بشدة من العواقب الوخيمة لأي محاولة من هذا القبيل، بينما تعرب الأصوات الشعبية عن أملها في أن يحدث ذلك.
إذا لم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراء بعد كل هذه التحذيرات والوعود والشائعات، فسيشعر الكثيرون في إيران بخيبة أمل شديدة. وقد يقارن بعض المعلقين الغربيين هذا الوضع بعام 1991 (عندما كان يُنظر إلى واشنطن على أنها تشجع العراقيين على الإطاحة بصدام حسين) أو عام 1956 (عندما حث المسؤولون الأمريكيون بشكل غير مباشر المجريين على مقاومة الاحتلال السوفيتي). ولكن المقارنة الأكثر وضوحاً بالنسبة للعديد من الإيرانيين ستكون عام 2009، عندما لم تفعل الولايات المتحدة سوى القليل نسبياً لتشجيع حركة الاحتجاج الجماهيرية التي أشعلتها الانتخابات الرئاسية المزورة للنظام. حتى المدنيون الذين ليسوا على دراية كبيرة بالسوابق التاريخية سيشعرون على الأرجح بخيبة أمل واستياء لأن كلمات ترامب لم تؤد إلى أفعال، في حين أن النظام سيصور بلا شك تراجع الولايات المتحدة على أنه "دليل" على أن واشنطن تقبل الجذور العميقة للجمهورية الإسلامية.
ما مدى أهمية ذلك؟
يجب أن تستند المناقشات الأمريكية حول الخطوة التالية إلى فهم واقعي لكيفية نظر صانعي القرار في إيران وبقية دول الشرق الأوسط إلى نتائج استخدام أمريكا للقوة في السابق. في حين أن واشنطن قد ترى الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً كارثة كاملة لإيران، فإن الرسائل الصادرة عن إسرائيل وحكومات أخرى تشير إلى أنها لا تزال تحترم ما يمكن أن تفعله إيران عسكرياً.
وبالطبع، فإن هذا العامل المتعلق بالتصور هو مجرد عنصر واحد من بين عدة عناصر يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ قرار أمريكي بشأن العمل العسكري، وليس بالضرورة العنصر الأهم. على سبيل المثال، إذا كان المستشارون الأمريكيون لا يعتقدون أن الضربة ستحقق الكثير في هذا الوقت، فمن الأفضل تحمل تكاليف السمعة الناتجة عن عدم الهجوم بدلاً من تحمل العواقب الأسوأ المحتملة لشن ضربات ضعيفة أو عديمة التأثير. إذا قرر الرئيس ترامب عدم شن هجوم، يمكن لإدارته أن تحد من الضرر الذي يلحق بمصداقية الجيش الأمريكي من خلال تسليط الضوء على جوانب استمرار ضعف إيران. كما يمكنها معالجة خيبة أمل الشعب الإيراني من خلال اتخاذ خطوات واضحة لدعم المتظاهرين، مثل اتخاذ تدابير أقوى لمساعدتهم على التواصل رغم قطع التيار الكهربائي وقمع النظام.
في كثير من النواحي، تنشأ المشاكل المحتملة نتيجة التصريحات الصاخبة لإدارة ترامب حول ما إذا كانت ستتخذ أي إجراء، ولماذا. النهج المعتاد لمثل هذه الضربات يقوم على الصمت المسبق مع تحذير الخصم خلف الكواليس بأن الهجوم وشيك ما لم تتحقق شروط محددة. ومع ذلك، لا يروق هذا الأسلوب دائماً للسياسيين الأمريكيين. عندما كتب ترامب أن "الوقت ينفد... الهجوم التالي سيكون أسوأ بكثير"، كان مجرد أحدث رئيس في سلسلة من الرؤساء الأمريكيين الذين أصدروا إنذارات نهائية جريئة علناً لخصومهم - كان آخرهم الرئيس أوباما، الذي أصر في عام 2013 على أن بشار الأسد "يجب أن يرحل" وحذر في عام 2015 من أن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية "سيتجاوز الخط الأحمر". وعلى الرغم من نصائح المستشارين والمحللين بعدم اتباع مثل هذا النهج، غالباً ما يتجاهل السياسيون الأمريكيون هذه الاحتياطات. ومع ذلك، يكمن التحدي الحالي في تشكيل ردود الفعل المحتملة على عدم تحرك الجيش الأمريكي بطريقة تُبرز أن واشنطن لا تزال الطرف الأقوى، بينما تظل إيران الطرف الأضعف.