- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4184
على واشنطن أن تستفيد من مساعي أوكرانيا للتواصل مع الشرق الأوسط
من خلال تقديم الخبرة والتكنولوجيا العسكرية لدول الخليج، أتاحت كييف للحكومة الأمريكية فرصة فريدة لمواجهة إيران وروسيا مع تعزيز أمن شركائها وقواتها المنتشرة في المنطقة.
وفقاً للتقارير، أرسلت الحكومة الأوكرانية هذا الأسبوع خبراء عسكريين إلى قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتبادل الخبرات وبحث آفاق التعاون الدفاعي في ظل الحرب مع إيران وما بعدها. وبالفعل، أسفرت الحرب الروسية في أوكرانيا على مدى السنوات الأربع الماضية عن نتيجة ربما كانت غير متوقعة: فقد أصبحت البلاد الآن رائدة عالمياً في عمليات الطائرات المسيرة ومكافحة الطائرات المسيرة. وتعمل كييف على تسويق هذه الخبرة بمهارة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط - وهو تطور مهم لمصالح الولايات المتحدة يمكن أن يجلب شريكاً أوروبياً رئيسياً إلى شبكة العلاقات الأمريكية بعيداً عن الحيز التقليدي للمخاوف الأمنية الأوروبية. وإذا كانت أوكرانيا تأمل في تحقيق تحسن ملموس في علاقتها مع إدارة ترامب، فإن اغتنام هذا النوع من الفرص العسكرية والتجارية والدبلوماسية يكتسب أهمية حاسمة.
رصيد لا مثيل له لمواجهة الطائرات المسيرة طيار الإيرانية والروسية
لم يضيع الرئيس فولوديمير زيلينسكي أي وقت حتى الآن - فعندما اندلعت الحرب مع إيران، سرعان ما اقترح على دول الخليج استبدال بعض صواريخ الدفاع الجوي الخاصة بها بأنظمة اعتراض الطائرات المسيرة الأوكرانية. وفي غضون أيام، تلقى مصنعو الطائرات المسيرة طيار الأوكرانيون طلبات من دول الخليج، وهم الآن مستعدون لتصدير أنظمة اعتراض وبانتظار موافقة الحكومة. كما أن المملكة العربية السعودية مستعدة لشراء طلبية كبيرة من معدات الدفاع الجوي الأوكرانية.
وبالفعل، تثبت كييف أنها رصيد لا مثيل له في البيئة الأمنية الحالية. فبصفتها الحكومة الوحيدة في العالم التي تمتلك نظاماً يُنتج بكميات كبيرة، ومثبت الفعالية في القتال، ومصمماً خصيصاً لمواجهة هجمات الطائرات المسيرة الإيرانية والروسية الجماعية، تحتل أوكرانيا موقعاً فريداً لدعم المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية العاجلة في الشرق الأوسط. وكما أشار زيلينسكي في بيان صدر في 4 آذار/مارس، “يمتلك جيشنا القدرات اللازمة، سيعمل الخبراء الأوكرانيون في الميدان، كما أن المفاوضات جارية بالفعل بشأن ذلك. نحن مستعدون للمساعدة في حماية الأرواح وحماية المدنيين".
وبعد وقت قصير من بدء الحرب، أطلقت إيران موجات كبيرة من طائرات "شاهد" المسيرة وذخائر أخرى ضد دول الخليج. وقد استخدمت روسيا عشرات الآلاف من هذه الطائرات المسيرة ذات التصميم الإيراني ضد أوكرانيا منذ عام 2022، لذلك فإن خبرة كييف الطويلة في الدفاع ضدها يمكن أن تكون مفيدة للغاية لحكومات الخليج. ومن المهم أيضاً أن أنظمة الاعتراض الأوكرانية المعتمدة على الطائرات المسيرة توفر بديلاً أقل تكلفة من صواريخ "باتريوت" الأمريكية.
على الرغم من الانخفاض العام في الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة في الأيام الأخيرة، فإن هذه الاحتياجات الدفاعية ستستمر خلال الحرب الحالية وما بعدها. وما لم ينهار النظام في طهران تماماً، ستحتاج دول الخليج إلى المعدات المناسبة لهزيمة الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه مثل "شاهد" بشكل فعال (وبتكلفة معقولة)، بالإضافة إلى أفراد مدربين يعرفون كيفية استخدام هذه الأنظمة. ويجب أن تقترن التكتيكات المثبتة لمواجهة الطائرات المسيرة بالقدرة التكنولوجية على إسقاط هذه الأسلحة، وأوكرانيا تمتلك كليهما.
عندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022، واجهت سريعاً عدة مشكلات رئيسية: الاستنزاف السريع للذخائر الدقيقة، وعدم القدرة على تحقيق التفوق الجوي، والانزلاق إلى حرب استنزاف مكلفة. لذلك سعت إلى إيجاد وسيلة منخفضة التكلفة لضرب البنية التحتية الأوكرانية بوتيرة مرتفعة. وقد ساعدت إيران في حل هذه المشكلة عندما ظهرت كمورد رئيسي لطائرات "شاهد" المسيرة، ثم طورت روسيا هذه التكنولوجيا من خلال تحويلها إلى طائرة "جيران". وفي نهاية المطاف، وسع البلدان هذا التعاون في مجال الطائرات المسيرة ليشمل نقل التكنولوجيا على نطاق أوسع والتصنيع المرخص.
ونتيجة لذلك، اضطرت أوكرانيا إلى إيجاد طرق لاعتراض وتشويش وإسقاط وإجراء هندسة عكسية لآلاف الطائرات الروسية/الإيرانية المسيرة على مدى سنوات، وبشكل يومي، وبتكلفة منخفضة. وكان من نتائج هذا الجهد ظهور جيل كامل من المشغلين والمهندسين الفنيين الذين يمتلكون خبرة عملية في استخدام الطائرات المسيرة والدفاع ضدها. ولا تمتلك أي دولة اليوم الكم نفسه من البيانات القتالية والخبرة البشرية التي تمتلكها أوكرانيا في هذا المجال.
ومن الصعب تجاهل المفارقة هنا، فقد صممت إيران طائرات مسيرة فعالة ونقلتها إلى روسيا؛ وطورت موسكو هذه التكنولوجيا؛ واضطرت أوكرانيا إلى تطوير قدرات متقدمة لمكافحة الطائرات المسيرة رداً على ذلك؛ والآن تبيع كييف هذه الأنظمة الدفاعية لأعداء إيران الإقليميين.
توصيات سياسية
يُبرز طرح زيلينسكي الترابط العميق بين ساحتي أوروبا والشرق الأوسط، لا سيما في ظل استمرار الشراكة بين روسيا وإيران، وتقوم وفقاً للتقارير بتزويدها بدعم غير مباشر خلال الحرب عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية. كما أشار بعض المراقبين إلى أن موسكو تزود طهران بطائرات مسيرة إضافية، ولكن بغض النظر عما إذا ثبتت صحة هذه التكهنات، فمن المرجح أن يستمر تعاونهما العسكري وربما يتوسع، خاصة إذا توقفت الحرب في أوكرانيا.
لقد خلقت الأزمة الحالية لحظة فريدة تحتاج فيها أوكرانيا ودول الخليج إلى بعضهما البعض، إذ يمكن لكييف أن تقدم لهما خيارات دفاعية لا يمكن لأي طرف آخر تقديمها، بينما يمكن لقادة الخليج المساعدة في تلبية حاجة أوكرانيا الملحة إلى التمويل، كشكل من أشكال المساعدة لهذا البلد الذي مزقته الحرب. ومع ذلك، يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يدركوا أن هذه الحالة تمثل قاعدة استراتيجية تتجاوز بكثير مجرد المكاسب المؤقتة للصفقات قصيرة الأجل. فإذا اغتنمت إدارة ترامب هذه اللحظة، فإنها لن تيسر فقط قيام شراكة دائمة بين أوكرانيا ودول الخليج، بل ستبدأ أيضاً عملية طويلة الأمد لتقويض نفوذ روسيا الذي غالباً ما يزعزع استقرار هذه الحكومات. وعلى وجه التحديد، يجب على واشنطن إعطاء الأولوية للخطوات التالية:
القيام بدور المنظم من خلال دعوة الأوكرانيين إلى المقرات العسكرية الإقليمية. نظراً لدورها الرائد في التدريبات العسكرية الإقليمية المهمة التي تشارك فيها العديد من دول الخليج، يمكن للولايات المتحدة إنشاء سلسلة تدريبات أخرى تركز على التصدي للتهديدات الجوية، ثم دعوة أوكرانيا لإرسال خبراء تقنيين أو تقديم تدريب في هذا المجال. وسيشكل هذا بطبيعة الحال فرصة لإظهار قدرات الولايات المتحدة وأوكرانيا في مجال مكافحة الطائرات المسيرة، مع مناقشة التكتيكات والتقنيات المهمة والتحديات التدريبية مع الشركاء الخليجيين.
تم تصميم مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) التابع للقيادة المركزية الأمريكية، ومقره في قطر، لاستضافة شركاء متنوعين على مستويات تصنيف متعددة ودعم المهام الفريدة. ويمكن لهذا الإطار الخاص بالتعاون وتخطيط المهام أن يدمج الأوكرانيين بسهولة إذا وافقت واشنطن على ضمهم. وبالمثل، يمكن للخبراء الأوكرانيين الانضمام إلى مقرات قيادة الدفاع الجوي الأمريكية لتقديم الخبرة الفنية أو إجراء تبادلات بين مجموعات العمل لمراجعة التخطيط الجاري للدفاع ضد الطائرات المسيرة في الخليج.
كما ينبغي للمسؤولين الأمريكيين تشجيع مجلس التعاون الخليجي على النظر في قبول الأوكرانيين في الفعاليات والمنتديات ذات الصلة؛ فعلى سبيل المثال، يمكنهم القيام بأدوار الخبراء الفنيين في القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون الخليجي في الرياض. ومن شأن مثل هذه الترتيبات أن تمكن كلاً من الولايات المتحدة وشركاء الخليج من الاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها كييف بشق الأنفس في بناء شبكة من الأنظمة لمواجهة التهديدات الجوية بشكل موثوق.
تشجيع مزيد من المشاركة الدبلوماسية والاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي مع أوكرانيا. نظراً لشراكاتها الواسعة مع دول الخليج، فإن إدارة ترامب في وضع جيد لطلب منح أوكرانيا مكانة أكثر بروزاً في المنتديات الاقتصادية والطاقة الإقليمية مثل الحوار الاستراتيجي لمجلس التعاون الخليجي. وقد يشمل ذلك منح كييف صفة مراقب أو مشاركة أكبر في فعاليات المعارض الإقليمية لمجلس التعاون الخليجي. ويمكن لواشنطن أيضاً تيسير المناقشات التجارية الإقليمية مع أوكرانيا، لا سيما في مجالي الأغذية والطاقة.
ورغم أن موسكو قد رسخت دوراً قيادياً فعلياً في كارتل "أوبك+"، يمكن للمسؤولين الأمريكيين تقليص بروز روسيا في قطاع الطاقة بالشرق الأوسط من خلال إشراك أوكرانيا في مناقشات حول البدائل مثل الطاقة النووية (حيث تتمتع كييف بخبرة واسعة)، والهيدروجين الأخضر، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وتقنيات تخزين الطاقة المبتكرة. وقد يؤدي تعزيز العلاقات مع كييف بدوره إلى منح دول الخليج أسباباً عملية للاستثمار في مستقبل أوكرانيا، مما قد يرجح كفة الميزان ويقلل من اهتمامها بالبقاء على الحياد في الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا.
إطلاق حملة إعلامية مؤيدة لأوكرانيا في المنطقة. على مدى السنوات القليلة الماضية، أدركت كييف أهمية التفاعل مع ما يُسمى "الجنوب العالمي"، بما في ذلك الشرق الأوسط. وكانت المنطقة مترددة (في أحسن الأحوال) في ردها على غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 - إذ لم تنضم إلى العقوبات الغربية ولم تساعد بشكل ملموس في عزل موسكو.
ومع استمرار الأوكرانيين في إظهار إبداعهم في حل المشكلات المهمة باستخدام التكنولوجيا الفعالة والخبرة المثبتة، ينبغي على الولايات المتحدة المساعدة في تسليط الضوء على هذه النجاحات في جميع أنحاء المنطقة، مع التأكيد على أن كييف يمكن أن تكون بديلاً قابلاً للتطبيق لموسكو في المجال العسكري والقطاعات الأخرى. وإلى جانب تقليص سوق روسيا لتصدير الأسلحة، يمكن أن تضع هذه الجهود الأساس لخلق بدائل عملية لنفوذ موسكو في المنطقة وتقليل مخاوف دول الخليج من إثارة عداء الكرملين.