- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4208
لماذا يصعب إسقاط النظام الملاحي الإيراني في هرمز
أعادت طهران رسم قواعد الملاحة في مضيق هرمز، وتمسك بزمام المبادرة رغم الضغط الأمريكي. ولا ينبغي للأطراف المعنية أن تتوقع انعكاس هذا التحول بسرعة، حتى لو وضعت الحرب أوزارها في القريب العاجل.
في الثامن والعشرين من نيسان/أبريل، أفلحت ناقلة نفط خام يابانية الملكية بنمية الجنسية في عبور مضيق هرمز بسلام، وهي تحمل على متنها نحو مليوني برميل شُحنت من محطة الجعيمة السعودية في مطلع آذار/مارس. وبهذا، أنهت ناقلة «إيديميتسو مارو» (IMO 9334210) احتجازاً دام قرابة شهرَين في الخليج العربي. غير أن أكثر من مئة وخمسين ناقلة أخرى لا تزال رابضةً هناك في ظل القبضة الإيرانية المحكمة على المضيق. وعبور هذه الناقلة، إلى جانب عدد محدود من السفن غير الإيرانية خلال الأسبوع المنصرم، لا يعكس تحولاً في موقف النظام الإيراني؛ فعمليات العبور لا تزال مشروطة بالنظام الملاحي الجديد الذي تفرضه طهران وتُكيّفه مع مجريات الحرب، بما في ذلك الحصار البحري الأمريكي الراهن لموانئها. والتحكم في حركة هذه الناقلات —ولا سيما ناقلات النفط— يبقى الورقة الأقوى في يد النظام الإيراني الذي سيواصل توظيفها أداةً للضغط وإسقاط النفوذ.
واقع الملاحة في مضيق هرمز
لا تزال السفن التجارية تفتقر إلى ضمانات الإبحار الآمن عبر هرمز، خاصةً تلك التي ترفض سلوك المسارات الجديدة التي فرضتها إيران عبر مياهها الإقليمية بدلاً من المياه الدولية. وبعض السفن تمكّن من الخروج والدخول بعد أن تواصلت دولها مع طهران مباشرةً، كالهند واليابان وباكستان. لكن حتى هذه الترتيبات الثنائية لم تكن موثوقة دائماً؛ فمنذ الثامن عشر من نيسان/أبريل، حين أعادت إيران فرض رقابتها المشددة على حركة العبور، عجزت السفن المرتبطة بالبلدَين عن مغادرة المضيق. وهذه الدول —كالعراق وسواه من المستوردين والمصدرين— تعتمد اعتماداً كبيراً على مسار هرمز لأمنها الطاقوي، ما يجعل أي إعاقة لحركة الملاحة فيه ذات تداعيات بالغة.
آخر ناقلة باكستانية الجنسية رُصدت مغادرةً للمضيق قبيل حملة الإغلاق كانت «شالامار» (IMO 9336842)؛ دخلت المنطقة في الثاني عشر من نيسان/أبريل —اليوم ذاته الذي أُخفقت فيه محادثات إسلام آباد بين واشنطن وطهران— وشحنت في جزيرة داس الإماراتية قبل أن تغادر في الرابع عشر منه. في المقابل، بقيت الناقلة «خيرپور» (IMO 9594872) أسيرةً للقيود؛ فهي التي دخلت الخليج في اليوم ذاته وشحنت في ميناء الأحمدي الكويتي، لكنها عجزت عن المغادرة في الثامن عشر من أبريل واضطُرت للعودة، ولم يُفرج عنها إلا في الثلاثين منه.
وحتى لحظة انطلاق «خيرپور»، كانت الناقلة المالطية «أجيوس فانوريوس الأول» (IMO 9759824) لا تزال عالقةً في منطقة رمادية؛ إذ دخلت في الخامس عشر من أبريل وشحنت نحو مليوني برميل من النفط البصري العراقي. ورغم أن السفن العاملة مع بغداد كان يُفترض أنها مُستثناة من هذه القيود، فإن بيانات الشحن لا تؤكد ذلك على أرض الواقع. وكانت صادرات العراق النفطية الجنوبية عبر هرمز تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يومياً قبيل الحرب، قبل أن تتوقف كلياً.
على صعيد آخر، تعرضت ناقلتان هنديتان على الأقل لهجمات حين حاولتا العبور في الثامن عشر من أبريل. فقد أطلقت زوارق الحرس الثوري الإيراني النار على الناقلة العملاقة «سانمار هيرالد» (IMO 9330563) المحملة بنحو مليوني برميل من النفط البصري، فاضطرت إلى الانسحاب. ونيودلهي أبدت «قلقاً بالغاً» وطالبت طهران بتيسير مرور السفن الهندية، غير أنه حتى الثلاثين من أبريل لم يُرصد أي مؤشر على مغادرة «سانمار هيرالد» للخليج حيث لا تزال محتجزة مع سفن هندية أخرى. (للاطلاع على مزيد من التفاصيل، تابع الخريطة التفاعلية ومتتبع الهجمات الصادرَين عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.)
والمثير للاهتمام أن ناقلة واحدة على الأقل غير هندية نجحت في شحن بضاعة خليجية وتوصيلها إلى مصفاة هندية رغم القيود. فقد توجهت الناقلة الليبيرية «جياولونج» (IMO 9379208)، التابعة للشركة اليونانية «ديناكوم»، نحو المضيق في التاسع عشر من أبريل بعد إطفاء نظام تحديد الهوية الآلي (AIS)، وشحنت في جزيرة زركو الإماراتية قبل مغادرتها في الرابع والعشرين منه ونظامها لا يزال مُعطلاً. وأفادت بيانات «كبلر» و«مارين ترافيك» بوصول شحنتها إلى مصفاة جامنغار الهندية في السادس والعشرين من أبريل. وفي السياق ذاته، تمكّنت ما لا يقل عن ست ناقلات لـ«ديناكوم» من الدخول إلى المنطقة والخروج منها منذ اندلاع الحرب، وإن ظل الغموض يكتنف الكيفية التي أفلحت بها في التنقل وسط المخاطر الأمنية الجسيمة، وما إذا كان إطفاء الـ AIS عاملاً مُيسِّراً —مع التنويه بأن الإبحار «في الظلام» ينطوي في العادة على مخاطر مرتفعة.
صدمة الإمدادات
تُقدّر وكالة الطاقة الدولية الخسائر الإجمالية في صادرات النفط جراء الحرب بأكثر من ثلاثة عشر مليون برميل يومياً، مما يُلقي بـثقل هائل على الأسواق العالمية والأسعار والطلب. وتعويض هذه الكميات أمر عسير في ظل شُح البدائل واحتدام التنافس عليها؛ فصادرات النفط الخام الأمريكي التي قفزت من نحو 3.8 مليون برميل يومياً في شباط/فبراير إلى نحو 5.2 مليون في نيسان/أبريل، تبقى قاصرةً عن سد الهوّة. وكانت صادرات الخليج من النفط الخام والمكثفات عبر هرمز تبلغ نحو خمسة عشر مليون برميل يومياً قُبيل الحرب، وفقاً لمنصة «كبلر».
تعتمد المملكة العربية السعودية والإمارات على خطَّي أنابيب لالتفاف على المضيق، لكن طاقتهما الاستيعابية تقل بكثير عن الحجم الذي كان يمر عبر هرمز. فضلاً عن ذلك، لا تستوعب هذه الأنابيب المنتجات النفطية المتعددة أو تدفقات الغاز الطبيعي المسال الذي يُشكّل نحو عشرين بالمئة من الإمدادات العالمية. واللجوء إلى الاحتياطيات الاستراتيجية في شتى أنحاء العالم لا يعدو كونه مسكّناً مؤقتاً، لا بديلاً حقيقياً عن تدفقات هرمز.
وتداعيات هذا التعطيل عالمية الامتداد، وإن تفاوتت حدتها من قطاع لآخر؛ فهي تطال النقل والطيران اللذَين شهدا ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود، إضافةً إلى الزراعة والصناعة والبتروكيماويات وسواها. وخلصت وكالة الطاقة الدولية إلى أن «استئناف تدفق النفط عبر مضيق هرمز يبقى المتغير الأهم في تخفيف الضغط على إمدادات الطاقة والأسعار والاقتصاد العالمي». بيد أن طهران لن تُبادر إلى ذلك على الأرجح، لا سيما أن الحصار الأمريكي يعيق ناقلات النفط الإيرانية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين —الشريك الاقتصادي الأول للنظام الإيراني.
حرب الإرادات
تبقى حركة الناقلات النفطية والغازية عبر هرمز شحيحةً قياساً بما كانت عليه قبل الحرب. فناقلات النفط وحدها سجّلت نحو خمسين دخولاً وخروجاً في الثامن والعشرين من شباط/فبراير وحده وفقاً لـ«كبلر»، قبل أن تتهاوى هذه الأرقام إلى ثلاث ناقلات لا غير في الثامن والعشرين من نيسان/أبريل، من بينها «إيديميتسو مارو» سالفة الذكر.
ومن المرجح أن طهران ستُديم ضغطها على الناقلات المحتجزة في الخليج، جزئياً رداً على سياسة البحرية الأمريكية القاضية بإعادة الناقلات الإيرانية إلى موانئها ومصادرة السفن المتلاعبة بأعلامها والمحملة بالنفط الإيراني. فأي تراخٍ إيراني يُفضي إلى حرية مرور الناقلات سيُفهم بوصفه تخلياً طوعياً عن السيطرة على هذه النقطة الاستراتيجية الحيوية —وهو احتمال لا تُلوح له بوادر في الأفق الراهن.
منذ اندلاع الحرب، عمدت إيران إلى ما هو أبعد من مجرد استهداف السفن؛ إذ أحكمت هيمنتها على الفضاء البحري بفرض قواعد عبور صارمة والإمساك بمقاليدها. ولن ينفرط هذا العقد بيُسر. ففي خضم الحصار الأمريكي، يُتوقع أن تواصل طهران تصوير قيودها على حركة الملاحة باعتبارها «تدبيراً ضرورياً ومتناسباً» في مواجهة ما تُسمّيه «تهديدات أمنية» في الممرات المائية المجاورة.
وحتى لو توصلت الأطراف إلى تسوية سياسية لإعادة فتح المضيق، فإن العودة السريعة إلى طبيعة الملاحة تبقى بعيدة المنال؛ إذ ستسعى إيران إلى استثمار المعطيات الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب لمواصلة إسقاط نفوذها في الفضاء البحري. وهي قد زعزعت بالفعل مبدأ حرية الملاحة وألحقت أضراراً جسيمة بالأمن البحري، فيما يبقى مسار استعادة هذَين الركيزتَين الأساسيتَين للتجارة الدولية ضبابياً. هذا هو النظام الملاحي الجديد في المنطقة، وإيران هي من يُدير دفّته.