- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4162
كسر الجمود في السودان
القيادة الأميركية الحاسمة ضرورية لحل الخلافات المتفاقمة بين أعضاء "الرباعية"، وتحييد المعرقلين، وتأمين أن المدنيين السودانيين – وليس الفصائل المسلحة فحسب – هم من يشكّلون مستقبل بلادهم.
بات إنهاء الصراع في السودان مهمة بالغة الصعوبة، لأسباب تتجاوز تعقيدات المشهدين السياسي والعسكري داخل البلاد. فقد أفرزت التطورات واقعاً إقليمياً جديداً لا يمكن تجاهله، يتمثل في الانقسام العميق بين السعودية والإمارات، وهما عضوان رئيسيان في "الرباعية" الدبلوماسية التي تشكّلت، إلى جانب مصر والولايات المتحدة، للمساعدة في معالجة الأزمة. وتؤدي خلافاتهما وتنافس مصالحهما في اليمن وشمال شرق أفريقيا وغيرها من الساحات إلى تقويض قدرة واشنطن على تأمين وقف لإطلاق النار في السودان، كما تعرقل الانتقال إلى المرحلة التالية من الجهود الدبلوماسية الضرورية للتوصل إلى تسوية مستدامة.
اختلاف أولويات اعضاء الرباعية
في العام الماضي، أعادت الولايات المتحدة تنشيط مسار الوساطة الدولية لحل الصراع في السودان عبر "الرباعية"، حيث صدر بيان مشترك في أيلول/سبتمبر دعا إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها انتقال سياسي يمتد لتسعة أشهر. غير أن ترجمة هذه المبادرة إلى خطوات عملية تعثّرت سريعاً، بسبب الخلافات الجوهرية بين أعضاء "الرباعية"، رغم توافقهم الظاهري على بعض المبادئ العامة، من بينها منع إيران ووكلائها من ترسيخ وجود لهم داخل السودان.
فعلى أحد طرفي المعادلة، تتبنى الإمارات موقفاً صارماً يرفض أي دور سياسي للإسلاميين في حكم السودان، انطلاقاً من قناعة بأن ذلك سيقوّض مصالحها ويغذّي مزيداً من عدم الاستقرار. ورغم أن السعودية ومصر تتشاركان هذا التحفّظ، فإنهما تريان أن مسألة التيارات الإسلامية يمكن احتواؤها وإدارتها لاحقا، وقد منحتا أولوية للإبقاء على القوات المسلحة السودانية في موقع السلطة. وتتركز مخاوف الرياض، على وجه الخصوص، حول تأمين حدودها الغربية والحد من النفوذ الإماراتي المتزايد في منطقة البحر الأحمر. أما القاهرة، فتركّز على ضمان تدفّق كافٍ لمياه نهر النيل، ومنع نشوء حكومة سودانية ديمقراطية ومدنية بالكامل قد تشكّل نموذجاً مُلهماً للرأي العام المصري داخلياً. ومع ذلك، يمكن القول إن المسؤولين المصريين والسعوديين قد قوضوا أهدافهم الخاصة بالاستقرار من خلال المطالبة بالحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية القائمة – وهوإطار يعني فعلياً دعم القوات المسلحة السودانية، التي لم تتمكن أبداً من تحقيق سلام دائم.
تحقيق حل مستدام
إن الرهان على قطع الدعم عن أحد أطراف الصراع بهدف تمكين الطرف الآخر من تحقيق انتصار عسكري حاسم هوطرح مضلل، ولن يؤدي إلى إحلال السلام أوتحقيق الاستقرار في السودان. فالوصول إلى تسوية مستدامة يتطلب، بدلاً من ذلك، انخراطاً أميركياً مكثفاً وعلى أعلى المستويات السياسية. وينبغي أن يتقدّم هذا الانخراط عبر ثلاث مراحل مترابطة: أولاً، التوفيق بين المصالح المتنافسة لشركاء "الرباعية"؛ ثانياً، توظيف نفوذ رباعية موحّدة للضغط على دول الجوار السوداني التي لا تزال تسهم، بشكل مباشر أوغير مباشر، في إدامة قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال؛ وثالثاً، الدعوة إلى اجتماع وطني سوداني واسع يضم مختلف الفصائل والقوى والشخصيات السياسية، بهدف التوافق على بنية سياسية جديدة تتيح للسودانيين العيش في سلام مع بعضهم البعض.
بلورة توافق داخل "الرباعية" عبر انخراط مباشر من الرئيس ترامب: إن تجاوز الخلافات القائمة بين مصر والسعودية والإمارات يستدعي فهماً دقيقاً لطبيعة مصالح كل منها ومجالات نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فكل من الرياض وأبوظبي تسعيان إلى بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين تتيح لهما الوصول إلى الأراضي الزراعية، والمناجم، والموانئ، ونقاط الارتكاز العسكرية. وفي هذا السياق، يقع على عاتق الولايات المتحدة إقناع الطرفين بأن التفاوض حول تقاسم هذه المصالح داخل السودان سيعود عليهما بفوائد أكبر من منطق المنافسة الصفرية الذي يهيمن على سلوكهما الحالي.
وفي الواقع، فإن الخلاف بين السعودية والإمارات قابل للاحتواء، إذ إن ما يجمعهما من مصالح مشتركة في المنطقة يفوق بكثير نقاط التباين بينهما، لا سيما في ما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني والتركي، وتأمين الاستثمارات الضرورية لدعم مسارات التحول الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط. وحتى مسألة الدور الإسلامي في السودان قد تكون أكثر قابلية للمعالجة مما تبدوعليه في الوقت الراهن. فقد وجّه قائد القوات المسلحة السودانية، الفريق عبد الفتاح البرهان، في الآونة الأخيرة انتقادات علنية للميليشيات والقادة الإسلاميين. وإذا ما قدّمت "الرباعية" دعماً موحّداً له، فقد يكون مستعداً للتعاون في إقصاء الضباط المقرّبين من الإسلاميين داخل القوات المسلحة السودانية، ونزع سلاح الميليشيات الإسلامية المتحالفة حالياً مع فصيله. ومن شأن هذا المسار أن يستجيب للخط الأحمر الإماراتي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح الأمنية والسياسية لكل من مصر والسعودية.
لتغيير تردّد القاهرة إزاء الحكم المدني في السودان، ينبغي على واشنطن أن تعيد التأكيد على حقيقة راسخة مفادها أن الاستقرار على امتداد الحدود الجنوبية لمصر لا يمكن تحقيقه عبر دعم حكومة عسكرية سودانية غير شعبية، وعاجزة عن هزيمة "قوات الدعم السريع" بشكل كامل أوتوحيد البلاد. فقد يكون هذا النموذج من السيطرة المركزية قابلاً للتطبيق في مصر، حيث يتسم السكان بدرجة عالية من التجانس ويتمركزون على طول نهر النيل، إلا أن التنوع السكاني والتشتت الجغرافي الواسع في السودان يحولان دون استنساخ هذا النموذج. ومن المؤكد أن تقديم دعم كامل لعبد الفتاح البرهان، من دون ممارسة ضغط متوازٍ من أجل إطلاق عملية انتقالية شاملة وواسعة التمثيل، قد يفضي إلى شكل غير قابل للاستدامة من الحكم العسكري– الإسلامي، يعيد إلى الأذهان نموذج نظام عمر البشير السابق. ولهذا، سيكون لزاماً على المسؤولين الأميركيين التعامل مع هذا المسار بحذر بالغ.
وقد تجد مصر حافزاً إضافياً للانخراج في تسوية سياسية أوسع إذا ما ساعدتها واشنطن في معالجة مخاوفها المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي الكبير وضمان حصتها من مياه نهر النيل. وينبغي أن يرتكز أي حل في هذا الإطار على عنصرين أساسيين:
- أولاً: التفاوض على اتفاق ينظّم استخدام السودان لمياه النيل في المرحلة الراهنة، لا سيما بعد أن أسهم سدّ النهضة في تنظيم تدفق مياه رافد النيل الأزرق، إذ بات التوسع في الزراعة المروية داخل السودان يشكّل التهديد الأكبر لإمدادات مصر المائية.
- ثانياً: التفاوض على آلية لإدارة سدّ النهضة– ربما تحت إشراف طرف ثالث محايد– بما يضمن تحقيق توازن عادل بين احتياجات مصر المائية واحتياجات إثيوبيا من الطاقة الكهربائية، خصوصاً خلال فترات الجفاف الشديد.
إن التوصل إلى إجماع حول معظم– إن لم يكن كل– القضايا المشار إليها أعلاه سيستدعي على الأرجح انخراطاً رئاسياً مباشراً. ففي منشور على منصة "إكس" في تشرين الثاني/نوفمبر، قال كبير مستشاري البيت الأبيض، مسعد بولس، إن "الولايات المتحدة ملتزمة بإنهاء الصراع المروّع في السودان"، مشيراً إلى أن "العمل جارٍ مع الشركاء لتسهيل هدنة إنسانية ووضع حد للدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، والذي يغذّي دوامة العنف". ومع ذلك، يظل الرئيس نفسه هوالطرف الوحيد القادر على كسر الجمود القائم ومعالجة القضايا المستعصية التي تغذّي، في آن واحد، المنافسة السعودية– الإماراتية غير المنتجة في المنطقة، فضلاً عن المخاوف الأمنية والمائية المصرية. وقد يكون المسار الأسرع والأكثر فاعلية هوالدعوة إلى قمة لقادة "الرباعية" على غرار قمة كامب ديفيد، إذ إن القادة الوطنيين وحدهم يمتلكون القدرة على حشد الإرادة السياسية اللازمة لإجراء مقايضات حقيقية تمسّ تصوراتهم لمصالحهم الوطنية.
تأمين دعم الجيران: يمرّ الدعم المادي للمقاتلين في السودان، في معظمه، عبر دول الجوار المباشر، التي تعتقد جميعها أن تسهيل هذه التدفقات يخدم مصالحها الوطنية على أفضل وجه. غير أن "رباعية" موحّدة قادرة على تعديل هذه الحسابات. فالإمارات تمتلك نفوذاً ملموساً في كل من إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، بينما تستطيع مصر التأثير على إريتريا وليبيا، ولا سيما عبر علاقتها بفصيل خليفة حفتر. وعلى الرغم من احتمال استمرار محاولات بعض الجهات الفاعلة البعيدة جغرافياً في تغذية الصراع، فإن قدرتها على القيام بذلك ستظل محدودة للغاية من دون دعم هذه الدول المحورية.
وبطبيعة الحال، فإن إشراك جيران السودان الآخرين في هذا المسار سيتطلب مزيداً من التسويات الدقيقة بين المصالح المحلية المتباينة لكل من مصر والسعودية والإمارات. كما سيستلزم التعامل مع نزاعات إقليمية مترابطة، من بينها الخلافات الطويلة الأمد بين إثيوبيا ومصر حول مياه النيل، وبين إثيوبيا وإريتريا، وهي توترات يغذّيها كل من ملف أرض الصومال وسعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري– وهي قضايا تتقاطع بدورها مع المصالح الإماراتية في المنطقة.
إشراك طيف واسع من الفصائل السودانية من أجل سلام دائم: ينبغي لأي مبادرة دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة في السودان أن تراعي، في آن واحد، واقع السيطرة الإقليمية والسلطة الفعلية على الأرض، إلى جانب تطلعات الشارع السوداني. ومن دون هذا التوازن، سيكون من الصعب استعادة السلام أو الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها الإقليمية. غير أن تحديد تطلعات المجتمع السوداني المتنوع يظل مهمة شاقة، لا سيما في ظل فقدان المؤسسات السياسية القائمة لجزء كبير من شرعيتها ودعمها الشعبي.
وفي هذا السياق، ستحتاج واشنطن وشركاؤها إلى الانخراط مع طيف واسع من الفاعلين، يشمل الجماعات المسلحة المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، والشخصيات المحلية ذات الحضور الشعبي– مثل قادة غرف الطوارئ ولجان المقاومة– إضافة إلى القيادات القبلية، وربما بعض الفاعلين الاقتصاديين. وينبغي أن يُطلب من كل هؤلاء المساهمة في بلورة تصور مشترك لما يمكن أن يبدوعليه حكم موحّد وسلمي في السودان، وكذلك في مناقشة الآليات العملية التي تمكّن السلطات من تطبيقه على أرض الواقع.
وتتمتع الولايات المتحدة بموقع قوي يؤهلها للاضطلاع بدور الوسيط في مثل هذه المناقشات. فهي لا تزال تُنظر إليها باعتبارها الطرف الأكثر حياداً داخل "الرباعية"، كما تمتلك الموارد والقدرة على ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي عند الضرورة. وبدعم من شركائها في "الرباعية"، يمكن لواشنطن أن ترعى اجتماعاً على غرار إطار "دايتون" الذي أسهم في إنهاء النزاع في البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي. وسيتطلب ذلك من إدارة ترامب جمع ما بين 60 و80 مشاركاً سودانياً في موقع محايد ومعزول– ربما قاعدة عسكرية– والحفاظ على وجودهم هناك إلى حين التوصل إلى إطار عام متوافق عليه لحكم السودان. وفي هذا السياق، قد يكون من الضروري الاستعانة بأصول عسكرية أميركية أوإقليمية لنقل بعض المشاركين إلى مكان انعقاد الاجتماع.
الخلاصة
إن القيادة الأميركية الحاسمة تظل عنصراً لا غنى عنه لمواءمة مواقف الجهات الفاعلة الإقليمية، وتحييد الأطراف المعرقلة، وضمان أن يكون المدنيون السودانيون– لا الفصائل المسلحة وحدها– هم من يحددون مستقبل بلادهم. ومن شأن النجاح في هذا المسار أن يسهم في إنهاء واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تقليص المساحات التي يستغلها المتطرفون وخصوم الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، أن تولّي واشنطن زمام المبادرة في السودان سيعزز التوافق بين مصالح شركائها الرئيسيين في الخليج، ويدعم المصالح الاستراتيجية الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط– من تقويض نفوذ النظام الإيراني المتزايد القسوة، إلى توسيع نطاق "اتفاقيات إبراهيم"، وضمان أمن إمدادات الطاقة في مواجهة تهديدات تعطيل الملاحة التي تشكّلها حركة الحوثيين في اليمن.