- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4275
حوار مع سمير جعجع: كيف ننهي دوامة الحروب في لبنان ونبني دولة ذات سيادة؟
يشرح أحد أبرز القادة السياسيين اللبنانيين لماذا لا تشكل مخاوف بيروت المبالغ فيها من اندلاع "حرب أهلية" مع "حزب الله" مبرراً لتعطيل الجهود الرامية إلى مواجهة الحزب وداعمه الإيراني.
في السادس من تشرين الأول/أكتوبر، عقد "معهد واشنطن" منتدى سياسياً افتراضياً مع سمير جعجع، زعيم حزب "القوات اللبنانية"، وهو حزب مسيحي يحظى بأكبر تمثيل في البرلمان اللبناني. وفيما يلي ملخص أعده مقررو الجلسة، استناداً إلى الكلمة الافتتاحية التي ألقاها جعجع، وجلسة الأسئلة والأجوبة التي تلتها مع باحثي المعهد روبرت ساتلوف، وحنين غدار، وديفيد شينكر. وللاطلاع على تصريحاته حرفياً، يرجى مشاهدة تسجيل الحدث على هذه الصفحة.
"متلازمة ستوكهولم" و"الدولة العميقة"
لطالما أضاعت الحروب على لبنان فرص بناء مستقبل آمن. أما المشكلة الأساسية اليوم فهي "حزب الله"، الذي لا يزال يتمتع بنفوذ كبير داخل الدولة رغم تراجع قوته وشعبيته، ويرفض الامتثال لقرار الحكومة ببسط سيادتها على كامل أراضي البلاد وحصر السلاح بيد الدولة. وبعد أربعين عاماً من العيش في ظل الاحتلال السوري وهيمنة "حزب الله"، بات كثير من المسؤولين الحكوميين والأمنيين مصابين بنسخة لبنانية من "متلازمة ستوكهولم"، إذ يصعب عليهم تصور إخراج الحزب من الحياة السياسية وتقبل إمكانية قيام دولة ذات سيادة.
ثمة "دولة عميقة" قوية يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتضم متعاطفين مع "حزب الله" ووجوهاً من الحرس القديم، منعت لبنان من الوفاء بالتزاماته بموجب الإطار الثلاثي مع إسرائيل، الذي أُعلن عنه في حزيران/يونيو، ولا سيما تعهده بنزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه. فقبل أيام قليلة فقط، عثر "الجيش اللبناني" على متفجرات عند الحدود الشرقية وصادرها، لكنه لم يتم توقيف أحد، في دليل صارخ على غياب المحاسبة.
وغالباً ما تُبرر الحكومة تقاعسها بالمخاوف من اندلاع صراع داخلي - بل حرب أهلية - لكن هذه المخاوف مبالغ فيها. فقيام الدولة بفرض قراراتها على تنظيم خارج عن القانون لا يُعد "حرباً أهلية". وعلى أي حال، يمكن للحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة دون الدخول في مواجهة مسلحة مع "حزب الله".
تجنب اتخاذ القرارات الحاسمة
بدلاً من الشروع جدياً في نزع سلاح "حزب الله"، يراهن كثيرون في لبنان على حل يأتي من الخارج، كاتفاق أمريكي-إيراني أو عمليات عسكرية إسرائيلية جديدة. لكن هذا ليس سوى هروب من الواقع، فالحكومة اللبنانية هي من سيتعين عليها في النهاية أن تفكك الحزب.
وفي السياق نفسه، يرى البعض أن "الجيش اللبناني" لا يمتلك القوة الكافية لنزع سلاح "حزب الله"، أو أنه يفتقر إلى الموارد اللازمة لتنفيذ هذه المهمة بفعالية. غير أن هذا الاعتقاد خاطئ أيضاً، إذ لا تكمن المشكلة الأساسية في ضعف القدرات العسكرية، بل في مقاومة المؤسسات وغياب الإرادة السياسية. وعلى صناع القرار إدراك أن نحو ثلاثة أرباع اللبنانيين يؤيدون نزع سلاح "حزب الله" وتخليص البلاد من النفوذ الإيراني الضار.
ومن هنا، يتعين على بيروت تطهير مؤسسات الدولة الإدارية والأجهزة الأمنية و"الجيش اللبناني" من عناصر "الدولة العميقة" إذا أرادت الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق الإطاري. ولا يقتصر الأمر على نزع السلاح، بل يجب على السلطات أيضاً تفكيك المؤسسة المالية الرئيسية لـ"حزب الله"، وهي "القرض الحسن"، التي تتيح للحزب تقديم الخدمات وشراء الولاءات لدى شريحة من الشيعة، وهي شريحة آخذة في الانكماش.
الحاجة إلى مواقف أمريكية أكثر حزماً.
على إدارة ترامب أن تتخلى عن المجاملات الدبلوماسية وتخاطب بيروت بحزم بشأن ضرورة تنفيذ الاتفاق الإطاري. ويتضمن ذلك ربط المساعدات المستقبلية المقدمة إلى "الجيش اللبناني" بشروط محددة. لذلك، يتطلب الوصول إلى النتائج المرجوة نهجاً أكثر وضوحاً وحزماً وشفافيةً.
المواقف السياسية للطائفة الشيعية
إذا أُجريت الانتخابات النيابية المقبلة كما هو مقرر في أيار/مايو 2027، فسيدعم حزب "القوات اللبنانية" شيعياً واحداً أو أكثر ممن يعارضون "حزب الله". لكن من المهم إدراك أن أي نائب شيعي يفوز بأصوات الناخبين المسيحيين لن يحظى على الأرجح بمصداقية داخل طائفته. ولن تتحقق تسوية سياسية حقيقية لقضية التمثيل الشيعي في لبنان إلا بعد نزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه.
"حزب الله" و"الحرس الثوري الإيراني"
من الخطأ اعتبار "حزب الله" طرفاً سياسياً لبنانياً، فهو في الواقع ذراع لـ"الحرس الثوري الإيراني". فحين كان الحزب في أوج قوته، كان يعادل تقريباً فرقة عسكرية في "الحرس الثوري الإيراني"، أما في الوقت الراهن، وبعد تراجع قوته، فقد أصبح أقرب إلى فوج عسكري. ويجب ألا نغفل أن قيادة الحزب موجودة في طهران، لا في بيروت.
ولهذا السبب، فإن تفكيك "حزب الله" ضرورة لبنانية، وليس تنازلاً للولايات المتحدة أو إسرائيل أو الدول العربية. كما أن أي مقترح لدمج مقاتلي الحزب في "الجيش اللبناني" لا يمثل حلاً حقيقياً، لأن الجندي اللبناني الموالي للدولة ومقاتل "حزب الله" يتبنيان رؤيتين متباينتين يصعب التوفيق بينهما.
السلام بين إسرائيل ولبنان
يدعو الاتفاق الإطاري إلى إرساء "سلام كامل ودائم" بين لبنان وإسرائيل، وهو هدف سيتحقق مع مرور الوقت، لكن الوصول إليه سيكون تدريجياً وعلى مراحل. وتتمثل الخطوة الأولى في إنهاء عقود من العداء بين البلدين، وهو المسار الذي ينص عليه الاتفاق.
وفي هذا الصدد، ثمة منطق في القول إن السياسيين اللبنانيين لا يحتاجون إلى خوض معركة برلمانية لإلغاء قوانين مناهضة التطبيع، التي تحظر التواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين، إذ إن نجاح "الإطار الثلاثي" سيفضي في النهاية إلى النتيجة نفسها. والأولوية الآن هي بذل أقصى جهد ممكن لتنفيذ هذا الإطار، بدءاً بتفكيك "حزب الله".
ماذا بعد اليونيفيل؟
لن يترتب فعلياً على تقليص وجود "اليونيفيل" سوى أن نحو 500 شخص في الجنوب سيفقدون وظائفهم. وبخلاف ذلك، يصعب تحديد ما حققته القوة خلال العقد الماضي. فهي لم تمنع المواجهات عبر الحدود، ولم تحل دون إقامة "حزب الله" مواقع عسكرية في أنحاء الجنوب.
ولهذا السبب، لم يوقع حزب "القوات اللبنانية" على العريضة البرلمانية المطالبة بتمديد ولاية "اليونيفيل". وبعد التوصل إلى ترتيبات نهائية من خلال تنفيذ "الإطار الثلاثي"، قد تبرز الحاجة إلى نشر مراقبين أو قوات أخرى. لكن على الحكومة اللبنانية التركيز على نزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه، بدلاً من البحث عن قوات أجنبية تعفيها من تحمل مسؤولياتها.
أعد هذا الملخص فيرجينيا ماك آرثر وفيونا هود وكيلان ستيوارت.
تصدر سلسلة "منتدى السياسات" بفضل الدعم السخي من "مؤسسة وينكلر لوي".