- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4160
في مرمى النيران: مراكز احتجاز عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" في خطر
مع اندلاع حرب مفتوحة بين القوى المتنافسة في شمال شرق سوريا، بلغت التحديات التي طال تأجيلها، والمتمثلة في تحديد هوية محتجزي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وتأمينهم وإعادتهم إلى أوطانهم، ذروتها، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إعطاء الأولوية لسلسلة من الإجراءات العاجلة وممارسة مزيد من الضغوط على شركائها.
تغيرت خريطة سوريا مرة أخرى بين عشية وضحاها، مع تصاعد العنف بين الحكومة المركزية والقوات التي تسيطر على شمال شرق البلاد إثر تعثر المفاوضات بين الطرفين، انتشرت المعلومات المضللة والتضليلية بسرعة، حيث ألقى كل طرف باللوم على الآخر في إطلاق سراح مئات، إن لم يكن آلاف، الأفراد المنتسبين إلى تنظيم "داعش" والمحتجزين في مواقع احتجاز محلية تديرها "قوات سوريا الديمقراطية". ومع استمرار تقلب المشهد، تتزايد الأسئلة حول الوضع الفعلي لهذه المواقع، ومستقبل جهود إعادة المعتقلين إلى أوطانهم التي تأخرت طويلاً، والدور المحوري الذي لعبته الولايات المتحدة، والذي يفترض أن تستمر في لعبه، في كلتا المسألتين.
ماضي وحاضر مراكز احتجاز "داعش"
بين أواخر عام 2018 وأوائل عام 2019، ومع سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" على أراضي تنظيم "داعش" السابقة بدعم من التحالف بقيادة الولايات المتحدة، أُلقي القبض على آلاف الرجال والنساء والأطفال المنتسبين إلى الجماعة الإرهابية ونُقلوا إلى مراكز احتجاز مؤقتة متعددة في
شمال شرق سوريا. وخلال هذه الفترة، احتُجز أكثر من 70 ألف سوري وعراقي ورعايا من دول ثالثة، ما دفع "قوات سوريا الديمقراطية" إلى اعتماد سياسة لتقسيم هذه الفئات السكانية؛ إذ جرى فصل معظم النساء والأطفال عن الرجال، في حين جُمع عدد كبير من المراهقين (بعضهم لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً) مع الرجال إذا اعتُبروا مقاتلين في تنظيم "داعش". وبناء على ذلك، نُقل نحو 10 آلاف رجل ومراهق إلى مرافق احتجاز، بينما أُرسلت الغالبية الساحقة من النساء والأطفال إلى معسكرات احتجاز مغلقة.
وعلى مر السنوات، أعادت بعض الدول مواطنيها المحتجزين الذين سافروا للانضمام إلى تنظيم "داعش"، بينما امتنعت دول أخرى عن القيام بذلك لأسباب سياسية أو أمنية. وحتى الدول التي أبدت استعداداً لإعادة مواطنيها، انصب تركيزها بدرجة كبيرة على النساء والأطفال؛ ولم تقدم سوى قلة قليلة (مثل الولايات المتحدة والعراق) على إعادة الرجال.
اليوم، لا يزال حوالي 35 ألف شخص محتجزين في نحو 27 موقعاً في شمال شرق سوريا، تديرها جهات متعددة مثل "قوات سوريا الديمقراطية" والقوات التابعة لها إضافة إلى جناحها المدني، "الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا" (DAANES). ويمكن تصنيف هذه المواقع بشكل عام إلى فئتين:
مرافق الاحتجاز. حتى أواخر عام 2024 – آخر مرة تم فيها نشر معلومات شاملة عن هذه المواقع - كان هناك حوالي 9 آلاف معتقل، معظمهم من الرجال، في 25 مرفق احتجاز: خمسة عشر مرفقا تديرها "قوات سوريا الديمقراطية" وقوات الأمن التابعة لها - مثل وحدات حماية المرأة (YPJ) وقوات الأمن الداخلي (ISF) - وعشرة مرافق تديرها الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، بما في ذلك مركزان "لإعادة تأهيل" الشباب في حوري وأوركش. ويشكل الرجال البالغون الغالبية العظمى من المحتجزين في مرافق الاحتجاز، إلا أن حوالي ألف منهم من المراهقين أو الشباب الذين صُنِّفوا في الأصل على أنهم قاصرون، ونحو 100 امرأة بعضهن محتجزات هناك مع أطفالهن. وقد واجهت سياسة احتجاز القاصرين في مثل هذه المرافق انتقادات مبررة على نطاق واسع.
وغالبية هؤلاء المعتقلين من السوريين، على الرغم من وجود بضع مئات من العراقيين وحوالي ألفي شخص من رعايا دول أخرى. وقد انخفض عدد العراقيين بشكل كبير منذ عام 2021، إذ تعمل بغداد بنشاط على إعادتهم إلى وطنهم. وفي خضم الأزمة الأخيرة، أسهم الأصل السوري للعديد من المعتقلين في تضارب المعلومات حول ما إذا كانوا محتجزين بسبب انتمائهم إلى تنظيم "داعش" أو بسبب جرائم أخرى حددتها "قوات سوريا الديمقراطية" و"الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا".
لم يُحاكم معظم هؤلاء الأفراد حتى الآن، ويظل جمع معلومات موثوقة ودقيقة عنهم أمراً بالغ الصعوبة، نظراً لعدة أسباب تتراوح بين المخاطر الأمنية وكون المرافق التي يُحتجزون فيها تُدار من قبل جهات غير حكومية. وعلى هذا النحو، تواجه قوات التحالف صعوبات كبيرة في جمع بيانات بيومترية عن جميع المعتقلين، كما نادراً ما يُسمح للمنظمات غير الحكومية بالوصول إليهم.
معسكرات الاعتقال. يمكن العثور على معظم المعتقلين المتبقين في الشمال الشرقي في مخيمين مغلقين يضمان بالأساس نساء وأطفال، هما، مخيم الهول الذي كان يضم ما يصل إلى سبعين ألف شخص في عام 2019، لكن عدد المعتقلين فيه انخفض الآن إلى أقل من خمسة وعشرين الفاً، ومخيم روج الأصغر (الذي يضم نحو 2400 شخص). غالبية المعتقلين في مخيم الهول هم حاليا من السوريين، في حين ان غالبية المعتقلين في مخيم روج هم من رعايا دول اجنبية.
وهنا مرة أخرى، أسهم الأصل السوري لمعظم المعتقلين في "مخيم الهول" في انتشار معلومات مضللة حول سبب احتجاز بعضهم هناك. فليس جميع سكان المخيم منتمين إلى تنظيم "داعش"؛ بل إن بعضهم نزحوا ببساطة بسبب الصراع متعدد الأطراف مع تنظيم "داعش"، لذا يصبح من الضروري التمييز بين الحالات عند مناقشة كيفية معالجة أوضاعهم. علاوة على ذلك، يجب التعامل مع حالات الرعايا من جنسيات أخرى الذين سافروا للانضمام إلى تنظيم "داعش" بشكل مختلف عن حالات المعتقلين السوريين.
كان العراقيون في يوم من الأيام أكبر مجموعة في "مخيم الهول"، لكن نسبتهم انخفضت بشكل ملحوظ. فمنذ عام 2021، أعادت بغداد أكثر من 22 ألفاً من محتجزيها إلى الوطن، حيث نفذت ٣٣ عملية إعادة توطين منفصلة في مخيم الهول وحده. هذا الأسبوع، ردت بغداد على أحدث أعمال العنف في سوريا بالتعهد بتسريع جدول إعادة التوطين وإعادة جميع مواطنيها المتبقين.
بالمقارنة مع مرافق الاحتجاز، فإن جهود الإعادة إلى الوطن وتحديد الهوية أسهل نسبياً في المخيمين لأنهما يميلان إلى السماح بوصول أكبر للجهات الخارجية وجمع بيانات بيومترية دقيقة. وقد نشرت المنظمات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء إحصاءات واضحة ومفصلة بشكل متكرر عن الأشخاص الموجودين هناك، ومن أين أتوا، ومن تم إعادتهم. على الرغم من أن التحالف لم يصدر أرقاماً رسمية منذ حزيران/يونيو 2025، فإن عدد سكان الهول الحالي يقدر بنحو أقل من 25 ألف شخص، بما في ذلك 14،500 سوري و3،700 عراقي و6،000 من رعايا دول ثالثة. لا تزال هذه الفئات السكانية في الهول - إلى جانب 2400 من رعايا الدول الأخرى في روج و9000 مقاتل من تنظيم "داعش" في مرافق الاحتجاز، منهم حوالي 2000 من رعايا دول ثالثة - تشكل مصدر قلق كبير وملح بالنسبة لواشنطن.
الآثار المترتبة على سياسة الولايات المتحدة
تقاتل الولايات المتحدة قوات داعش على الأرض في سوريا منذ عام 2014، وتساعد في تأمين مواقع الاحتجاز هناك منذ عام 2019. عندما سقط نظام الأسد في أواخر عام 2024، قامت إدارة ترامب بدور ريادي في الترحيب بعودة سوريا إلى المجتمع الدولي وتسهيل المناقشات بين الحكومة الجديدة و"قوات سوريا الديمقراطية". كانت تلك المحادثات قد تعثرت لعدة أشهر قبل أن تنهار بالكامل هذا الأسبوع. رغم كل هذا، لا يزال تهديد "داعش" قائماً، وكذلك مهمة الولايات المتحدة في مواجهة التنظيم. ولمواصلة تنفيذ هذه المهمة بفعالية مع منع تفاقم الأزمة الراهنة، يجب على واشنطن اتخاذ الخطوات التالية:
المطالبة بتهدئة الوضع. نظراً للعلاقة الناشئة بين إدارة ترامب والحكومة الجديدة في دمشق وعلاقة العمل الطويلة بين الولايات المتحدة و"قوات سوريا الديمقراطية"، يتعين على المسؤولين الأمريكيين توضيح أنه لا ينبغي لأي من الطرفين اتخاذ إجراءات تقوض المهمة الحيوية المتمثلة في تأمين المرافق والمخيمات. كما يتعين على كلا الطرفين التريث قليلاً – فالوقف المؤقت لإطلاق النار الذي أُعلن عنه مؤخراً هو خطوة أولى إيجابية، لكن واشنطن يجب أن توضح أن دمشق إذا اتخذت مزيداً من الإجراءات الأحادية الجانب، فإن ذلك سيؤثر سلباً على الدعم الأمريكي. كما يلزم إجراء محادثات مباشرة وصريحة حول قيام كل طرف بنشر معلومات مضللة، مما يعرض مواقع الاحتجاز لخطر أكبر. وينبغي أيضاً تبادل هذه الرسالة مع جيران سوريا، ولا سيما إسرائيل وتركيا، اللتين لكل منهما أجندة خاصة واضحة ومحددة
العمل مع دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" لتأمين مواقع الاحتجاز. على الرغم من أن إدارة ترامب أوضحت منذ شهور أنها تريد أن تتولى دمشق السيطرة على جميع هذه المواقع، إلا أنها لم تكن واضحة بشأن كيفية تنفيذ ذلك عملياً. من خلال "صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية" (CTEF)، أنفقت الولايات المتحدة سنوات عديدة وملايين الدولارات على تدريب أفراد "قوات سوريا الديمقراطية" لتنفيذ المهمة الفريدة والمعقدة المتمثلة في تأمين هذه المواقع، بحيث يكون لديهم المعرفة والخبرة اللازمتين للقيام بهذه المهمة. لكن الأحداث الحالية خفضت احتمال التعاون بين "قوات سوريا الديمقراطية" ودمشق وسرعت من الجدول الزمني لنقل هذه المسؤولية إلى الحكومة السورية. وهناك حاجة ملحة إلى المساعدة الأمريكية لتأمين هذه المواقع وإنشاء برامج التدريب والشبكات اللازمة، ولكن مثل هذه الجهود لا يمكن أن تؤتي ثمارها بين عشية وضحاها، وستواجه دمشق تحديات كبيرة يتعين عليها التغلب عليها.
وبناءً على ذلك، يجب على التحالف أن يقدم لدمشق معلومات عن مواقع جميع مرافق الاحتجاز، ومن الأفضل أن يزودها بمعلومات عن هوية الأشخاص المحتجزين فيها. وفي الوقت نفسه، يتعين على دمشق ضمان عدم اشتباك العناصر القبلية المحلية بشكل استباقي مع عناصر "قوات سوريا الديمقراطية" التي تقوم بتأمين هؤلاء الأفراد. كما يدرك التحالف أن " قوات سوريا الديمقراطية" قد سحبت أفرادها من مخيم الهول خلال الاشتباكات الأخيرة، لذا يجب على واشنطن حثها على البقاء في مواقعها ومواصلة تأمين وحراسة المرافق. والجدير بالذكر أن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت في وقت سابق من هذا الأسبوع عن مهمة جديدة لنقل ما يصل إلى 7000 معتقل من تنظيم "داعش" إلى العراق، مما يشير إلى أن إدارة ترامب تشعر بالقلق من الوضع الأمني الراهن وغير راضية عن الطريقة التي يتعامل بها الطرفان مع عملية النقل الجارية لهذه المواقع.
توضيح نطاق مشكلة معتقلي "داعش". خلال الأسبوع الماضي، أصبح من الواضح أن واشنطن ودمشق قد يكون لهما تعريفان مختلفان لمن هو" معتقل داعش". عندما كان بشار الأسد في السلطة، كانت المشكلة مقسمة إلى سوريين وعراقيين وأجانب من جنسيات أخرى، وشملت مرافق الاحتجاز والمخيمات. اليوم، تم ترحيل معظم العراقيين، وسوريا لديها حكومة مركزية يمكنها نظرياً إدارة مع ما يقدر بنحو 25000 معتقل سوري. مع تقدم المناقشات حول هذه القضية، يتعين على واشنطن ودمشق توضيح ما إذا كانت هذه المشكلة ستظل تشمل جميع الرعايا الأجانب والمعتقلين السوريين المتبقين، أم فقط بعض المعتقلين السوريين (على سبيل المثال، الرجال المحتجزين في مرافق الاحتجاز فقط). وستؤثر هذه القرارات ليس فقط على مهمة مكافحة "داعش"، ولكن أيضاً على توجيه الموارد والمساعدة الدولية.
تحذير الشركاء الدوليين من أن مسألة إعادة المعتقلين إلى أوطانهم لم تعد قابلة للتأجيل. حتى قبل الأزمة الحالية في الشمال الشرقي، لم يكن الاحتجاز غير المحدود لآلاف الأفراد أمراً مستداماً، لا من الناحية الأمنية ولا من الناحية الإنسانية. لطالما شددت واشنطن على ضرورة الإعادة إلى الوطن وعواقب التأخير، بما في ذلك هروب عناصر داعش. كما أنها قدمت مثالاً جيداً بإعادة مواطنيها من مقاتلي داعش أو أفراد أسرهم إلى الوطن، وتحملها معظم الأعباء المالية المتعلقة بصيانة مرافق الاحتجاز. حان الوقت لتتحمل الدول الأخرى مسؤولياتها أيضاً، لا سيما تلك التي لا يزال لديها مواطنون من بين ما يقرب من 10 آلاف محتجز من جنسيات ثالثة في سوريا. كما ينبغي على واشنطن أن تجبر هذه الحكومات على إعادة مواطنيها إلى أوطانهم، بالاعتماد على أسلوب الرئيس ترامب الدبلوماسي الصارم لإيصال رسالة مفادها أن التأجيل لم يعد خياراً. كما يجب على الإدارة أن تشجع دمشق على جعل هذه المسألة أولوية أساسية في تعاملها مع هذه الدول.