- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4157
بينما يراقب "حزب الله" التطورات في إيران بقلق، ينبغي على واشنطن تكثيف جهودها لنزع السلاح.
إن احتمالية الإطاحة بالداعم الإيراني لـ"حزب الله" تغذي هواجس وجودية لدي الحزب، ما يتيح لواشنطن تشديد الضغط على بيروت، وتسريع خطوات نزع السلاح، واحتواء خطر التصعيد الإسرائيلي الوشيك.
في 8 كانون الثاني/يناير، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت برفقة وفد اقتصادي، وبحسب ما ورد، حاملاً معه أربعة حقائب مليئة بالأموال لـ"حزب الله"، في استمرار لتقليد دأبت عليه طهران يقضي بإرسال مسؤولين إلى لبنان لاستعراض نفوذها كلما اندلعت أزمة. غير أن هذه الزيارة بدت مختلفة، إذ تشير موجة الاحتجاجات الأخيرة داخل الجمهورية الإسلامية، إلى جانب الضغوط الدولية المتزايدة، إلى أن النظام بات محاصراً في زاوية ضيقة، الأمر الذي يتيح لبيروت فرصة لإعادة صياغة السردية السياسية المتعلقة بـ"حزب الله" وتسريع وتيرة نزع سلاحه على الأرض.
ويبدو أن المسؤولين اللبنانيين استشعروا هذا التحول، إذ أفادت تقارير إعلامية محلية بعدم السماح لعراقجي بإدخال الأموال. ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يُجبر فيها أمن المطار مسؤولين إيرانيين على العودة بحقائب مليئة بالنقود، فإن حادثة الأسبوع الماضي حظيت بتغطية إعلامية واسعة داخل لبنان، فيما يبدو رسالة موجهة إلى "حزب الله". وفي هذا السياق، صدرت في الأيام الأخيرة مواقف لافتة لكل من الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ضد الجماعة. ففي مقابلة أجراها في 11كانون الثاني/يناير مع "تلفزيون لبنان"، قال عون إن أسلحة "حزب الله" "لم تعد تخدم غرضها" وباتت عبئاً على الشعب اللبناني، بما في ذلك ناخبي الحزب من الشيعة. وبعد يوم واحد، وخلال اجتماع مع سفراء مجموعة الاتصال الخماسية المعنية بلبنان، أكد سلام أن الحكومة لا تزال متمسكة بتنفيذ خطة نزع سلاح الحزب شمال نهر الليطاني.
على الرغم من اللهجة الأكثر تشدداً من المعتاد التي استخدمها الرئيس، لا تزال المؤشرات الجدية غائبة حول استعداد القوات المسلحة اللبنانية لترجمة هذه التصريحات إلى أفعال ملموسة، ولا سيما خارج المنطقة الحدودية الجنوبية للبلاد. ومع ذلك، تسلط تطورات هذا الأسبوع الضوء على فرص جديدة تتيحها الأزمة الداخلية في إيران، وهي فرص يتعين على واشنطن وشركائها اغتنامها بسرعة.
قلق "حزب الله"، وتقاعس وبيروت
أفادت مصادر مقربة من دوائر "حزب الله" بأن الجماعة تشعر بقدر كبير من الهشاشة في المرحلة الراهنة، إذ تخشى أن تستهدف العمليات العسكرية الإسرائيلية قريباً البنية التنظيمية التحتية في معقلها الجنوبي في بيروت، الضاحية. كما يواجه "حزب الله" احتمال فقدان أكبر داعم له في ظل الاحتجاجات الشعبية الواسعة في مختلف أنحاء إيران، إلى جانب التهديدات بعمل عسكري أمريكي ضد النظام. وحتى في حال تمكنت طهران من إقناع واشنطن بإبرام اتفاق ما لتفادي الانهيار، يخشى "حزب الله" أن يكون وجوده جزءاً من الثمن الذي قد يقدمه النظام مقابل بقائه. وتشير المصادر إلى أن هذا القلق يفسر صمت الآلة الإعلامية وقيادة الحزب حيال الاحتجاجات منذ اندلاع الأزمة.
مهما كانت تطورات المشهد في إيران، فإن اللحظة الراهنة تمثل فرصة سانحة لاستهداف الركائز الأساسية لسلطة "حزب الله" المحلية، ولا سيما البنية التحتية المالية والسياسية التي تغذي التهديدات المستمرة التي تشكلها الجماعة للبنان وإسرائيل والمنطقة ككل. ويمكن لبيروت أن تُضعف شبكات "حزب الله" المالية بفاعلية أكبر من خلال استهداف اقتصاده النقدي، في حين يستطيع المجتمع الدولي استهداف الجذور السياسية للحزب وعزلها داخل مؤسسات الدولة المختلفة، من رئيس البرلمان نبيه بري إلى عدد من المسؤولين والموظفين الحكوميين الذين يعملون عملياً نيابة عن "حزب الله" وشريكه "أمل".
لكن للأسف، لا تبدو الحكومة اللبنانية مستعدة لاستثمار حالة الخوف والارتباك التي يعيشها "حزب الله" حالياً عبر المضي قدماً في إجراءات من هذا النوع، ناهيك عن المهمة الأكثر تعقيداً المتمثلة في نزع السلاح على المستوى الوطني. وبدلاً من ذلك، تمنح بيروت نفسها مهلة إضافية تمتد شهراً آخر (انظر أدناه) لتقييم التطورات الإقليمية، قبل أن تتسلم حتى خطة الجيش اللبناني للمرحلة الثانية من عملية نزع السلاح، والتي يفترض أن تمتد من نهر الليطاني إلى نهر العوالي. ومن المرجح أن يمنح هذا التأجيل "حزب الله" وقتاً إضافياً لإعداد آليات عرقلة العملية.
ومن المؤسف أيضاً بيان الجيش اللبناني الصادر في 8 كانون الثاني/يناير الذي أعلن الانتهاء بنجاح من المرحلة الأولى، والتي كان يفترض أن تركز على جهود نزع السلاح جنوب نهر الليطاني. غير أن البيان تجنب بشكل لافت ذكر كلمتي "حزب الله" أو "نزع السلاح" تماما، واستعاض عن ذلك بالحديث عن "توسيع نطاق السيطرة العملياتية على الاراضي التي اصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني، باستثناء الاراضي والمواقع التي لا تزال تحت الاحتلال الاسرائيلي ". كما قدم البيان مؤشرين يفسران تأخير جهود نزع السلاح: الاول، تحميل المسؤولية لـ"استمرار الهجمات الاسرائيلية على الاراضي اللبنانية واحتلالها لعدة مواقع داخلها "، والثاني، الاشارة إلى أن "تأخير تسليم القدرات العسكرية الموعودة للجيش يشكل عاملاً مهما يؤثر على وتيرة تنفيذ المهمة ".
رد إسرائيل
رداً على هذا الإعلان، صرح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن جهود بيروت والجيش اللبناني "بداية مشجعة، لكنها بعيدة عن أن تكون كافية، كما يتضح من جهود "حزب الله" لإعادة التسلح وإعادة بناء بنيته التحتية الإرهابية بدعم إيراني". بالإضافة إلى ذلك، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة تفاعلية تظهر ترسانة الأسلحة المتبقية للجماعة جنوب الليطاني. ولم يصدر أي طرف آخر - بما في ذلك الولايات المتحدة أو أعضاء آخرون في آلية مراقبة وقف إطلاق النار - تقييماً علنياً لأداء القوات المسلحة اللبنانية في المرحلة الأولى، ما يجعل المعلومات المتاحة حول هذه العملية مقتصرة على التصريحات الاسرائيلية والتغطية الاعلامية.
ومن شأن هذه الفجوة الخطيرة أن تفاقم تعقيد المساءلة الداخلية وتشابك الديناميات السياسية في لبنان. ففي غياب الأدلة والتقييمات المستقلة، لا يزال بوسع "حزب الله" الادعاء أمام قاعدته الشعبية بأنه قوي ومسلح جيداً في الجنوب، في حين يمكن للمسؤولين السياسيين استغلال حالة عدم اليقين هذه لعرقلة المراحل اللاحقة من العملية.
في 12 كانون الثاني/يناير، قال السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى إن تحديد "موعد نهائي "لاستكمال نزع السلاح شمال نهر الليطاني "هو العنصر الأهم". وفي البرلمان، طالب حزب القوات اللبنانية - أكبر كتلة في المجلس التشريعي - بأن تنجز القوات المسلحة اللبنانية المرحلة الثانية خلال ثلاثة أشهر. غير أنه لم تُعرض حتى الآن أي خطة عملية لتنفيذ هذه المرحلة؛ فكما أُشير أعلاه، حمّلت القوات المسلحة اللبنانية إسرائيل مسؤولية التأخير، بينما قررت الحكومة إرجاء قرارات الجدولة ومنحت القوات المسلحة اللبنانية مهلة حتى الأسبوع الأول من شباط/فبراير لتقديم خطة.
تخاطر بيروت، ومعها واشنطن، بإضاعة نافذة الفرص الواعدة لكنها المحدودة التي أوجدتها أزمة إيران، نتيجة انتظارها كل هذا الوقت. وكما سنناقش أدناه، فإن هذا التباطؤ ينطوي أيضاً على مخاطر تصعيد عسكري وشيك داخل لبنان.
الخيار العسكري
وسط حالة التأخير القائمة، كانت إسرائيل تستعد للانتقال إلى مرحلتها الثانية، المتمثلة في حملة جوية موسعة ضد "حزب الله ". غير أن الضربات الجوية لا يمكن أن تتجاوز تدمير أهداف إضافية، بما يشمل مصانع أسلحة جديدة ومستودعات في الضاحية الجنوبية. وبالتالي، يبقى الجيش اللبناني وحده القادر على تنفيذ هذه المهمة.
وبطبيعة الحال، سيكون إطلاق هذه المهمة قراراً مصيرياً بالنسبة للجيش اللبناني. فبمجرد تحركه شمال نهر الليطاني، قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع "حزب الله ". وعلى الرغم من التهديدات الصريحة التي أطلقها الحزب، فإن المواجهة المسلحة ليست حتمية، لا سيما في ضوء حسابات "حزب الله" المعقدة ومخاوفه المتعددة المرتبطة بالتطورات في لبنان وإيران. وثمة نقطة جوهرية لا خلاف عليها، مفادها أن بدء القوات المسلحة اللبنانية عملياتها شمال الليطاني من شأنه أن يحول دون أي تصعيد إسرائيلي واسع النطاق. وحتى في حال اندلاع اشتباكات مع "حزب الله "، فإنها ستكون أقل كلفة على لبنان - ولا سيما على المجتمع الشيعي - مقارنة بأي مواجهة كبرى أخرى مع إسرائيل.
توصيات سياسية
مع محاصرة إيران و"حزب الله" بتداعيات الأزمة الاحتجاجية الراهنة، قد يكون الحزب أكثر ميلا لتقديم تنازلات أو، في الحد الأدنى، أقل استعداداً لخوض مواجهة عسكرية مع القوات المسلحة اللبنانية. وفي ظل أخطر مرحلة يمر بها منذ تأسيسه، يركز "حزب الله" حاليا على ضمان بقائه. وبناء عليه، لا يوجد مبرر منطقي لتأجيل نزع السلاح شهراً اضافيا؛ بل إن هذا التأخير قد يحرم لبنان من فرصة ثمينة لإرساء احتكار وطني للسلاح في وقت أقرب مما كان متوقعا أساساً. وبدلا من السماح لبيروت بمراكمة التأجيلات وربط خططها بمآلات احتجاجات إيرانية لا تزال غير محسومة، يتعين على واشنطن ممارسة ضغط فاعل عبر الخطوات التالية:
• إصدار تقييم رسمي اميركي لأداء القوات المسلحة اللبنانية في المرحلة الاولى، بما يوفر مرجعية مستقلة للمسؤولين والمواطنين اللبنانيين بعيداً عن التقييم الاسرائيلي وحده.
• مطالبة بيروت والقوات المسلحة اللبنانية بتقديم خطة واضحة للمرحلة الثانية قبل الاجتماع المقبل لألية مراقبة وقف إطلاق النار.
• حث لبنان على تحديد موعد نهائي واقعي لإنجاز المرحلة الثانية، مقترناً بمؤشرات اداء ونتائج قابلة للقياس.
• حث القوات المسلحة اللبنانية على الشروع فوراً في العمليات الأولية شمال نهر الليطاني عقب تقديم الخطة، بما يضعف سردية "حزب الله" ويسهم في تغيير توجهات الناخبين حياله قبل الانتخابات النيابية المقررة في أيار/مايو المقبل.
• حث بيروت على البدء باستهداف البنية التحتية المالية المحلية لـ"حزب الله"، بما في ذلك شبكات الاقتصاد النقدي، وأنظمة التشفير، وشبكات المقامرة عبر الإنترنت، وشركات الصرافة.
• معالجة وتقديم المساعدة الأمريكية للقوات المسلحة اللبنانية في أقرب وقت ممكن (بافتراض صحة بيان القوات المسلحة اللبنانية الذي أشار إلى تأخير المساعدة الموعودة). سيؤدي ذلك إلى إزالة أي عذر موثوق به لاستمرار تأجيل المرحلة الثانية. وفي هذا الصدد، أعلنت فرنسا أنها ستعقد مؤتمراً للمانحين في 5 آذار/مارس لدعم القوات المسلحة اللبنانية، ولكن يجب على المسؤولين الأمريكيين توضيح أن هذا ليس سبباً لتأخير الإجراءات الأولية على الأرض.
• ضمان حصول القوات المسلحة اللبنانية على مساعدات أمريكية إضافية فور المضي قدماً في تنفيذ عمليات نزع السلاح شمال الليطاني، مع مراعاة احتمال ان تؤدي مقاومة "حزب الله" إلى تعقيد المرحلة الثانية وزيادة كلفتها العملياتية. ويمكن وضع معايير واضحة ومسبقة لإرسال مساعدات نوعية محددة عند تحقيق خطوات ملموسة ضمن جداول زمنية محددة.
وعلاوة على هذه الخطوات العاجلة، يمكن للرئيس ترامب ان يعرض استضافة الرئيس عون في واشنطن فور نجاح بيروت في تنفيذ المرحلة الثانية. وفي المقابل، إذا لم تبادر الوحدات العسكرية اللبنانية الى توسيع عملياتها شمال الليطاني في وقت قريب، ينبغي على واشنطن ان تكون مستعدة لتعليق بعض جوانب مساعداتها الامنية للقوات المسلحة اللبنانية، مع توجيه رسالة واضحة مفادها ان استمرار المماطلة قد يعرض حزمة المساعدات برمتها لخطر الالغاء.