- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4165
اتفاق آخر مع إيران أقل أهمية من ممارسة النفوذ الأمريكي
يجب أن يركز المبعوثون الأمريكيون بدرجة أقل على إبرام "صفقة"، وبدرجة أكبر على كيفية توظيف احتمال توجيه ضربات عسكرية وشيكة لانتزاع تنازلات تتعلق بالملف النووي، والتهديدات الصاروخية، والتعامل مع المتظاهرين، وغيرها من القضايا.
بعد مرور ما يقرب من مرور ثمانية أشهر على حرب الاثني عشر يوماً، والتي شهدت تعاوناً بين الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، تقف واشنطن مرة أخرى على شفا الحرب مع طهران. وفي إشارة إلى مستوى قلق النظام الإيراني من العمل العسكري، وردت أنباء عن موافقة وزير الخارجية عباس عراقجي على لقاء المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في 6 شباط/فبراير، وربما بحضور وزراء خارجية دول إقليمية. ورغم ظهور تساؤلات حول ما إذا كان الاجتماع سيعقد وأين، فإن الأطراف تقف بوضوح عند مفترق طرق، تُعيد فيه إيران طرح المحادثات مجدداً، بينما تُبدي الإدارة الأمريكية استعداداً لإعادة النظر فيها.
السبب المباشر للتوترات الحالية هو القمع الذي مارسه النظام في الشهر الماضي ضد الاحتجاجات الواسعة، والذي أسفر عن مقتل آلاف الإيرانيين. وخلال تلك الاضطرابات، اتخذ الرئيس ترامب خطوة استثنائية بوعده بالتدخل لصالح المتظاهرين؛ فمع تصاعد الاحتجاجات، حثهم قائلاً: "استمروا في الاحتجاج - سيطروا على مؤسساتكم"، ووعد بأن "المساعدة في طريقها إليكم". ورغم إرساله قوات عسكرية إلى المنطقة، بما في ذلك مجموعة"يو إس إس أبراهام لينكولن" الهجومية، اختار ترامب في نهاية المطاف عدم التدخل أثناء الاحتجاجات نفسها، مؤكداً أن تهديداته دفعت النظام إلى إلغاء عمليات إعدام مخططة لمئات المتظاهرين.
لكن المخاوف الأمريكية بشأن قمع النظام لم تتلاشَ، بل تزايدت مع مخاوف أمنية أخرى. فالضربات المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2025 أعاقت البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير لكنها لم تؤد إلى إيقافه. وبدلاً من ذلك، أصبح وضع البرنامج أكثر غموضاً من أي وقت مضى خلال العقود العديدة الماضية نتيجة الغياب الطويل للمفتشين الدوليين أو التقارير الموثوقة حول وضع المواد والأنشطة النووية. وبالمثل، تضررت منصات إطلاق الصواريخ وترسانة إيران لكنها لم تُدمر تماماً، وقد دفعت الفعالية المفاجئة لتلك الصواريخ السلطات الإسرائيلية إلى اعتبارها ليست مجرد خطر، بل تهديداً وجودياً مباشراً. كما اتخذت طهران خطوات لإعادة بناء شبكة شركائها ووكلائها، مثل استئناف تمويل "حزب الله" اللبناني بمستويات ما قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وحتى قبل احتجاجات كانون الثاني/يناير، كان هناك توقع واسع النطاق في الشرق الأوسط بأن الأشهر المقبلة ستشهد جولة أخرى من الضربات الإسرائيلية ضد إيران، يرجح أن تركز على إضعاف قدراتها الصاروخية بشكل أكبر. علاوة على ذلك، بات من المتوقع أن تُشنّ أي ضربات بجهود مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وبأهداف أوسع نطاقاً لم تتبلور معالمها بعد، قد تشمل تغيير النظام. ومع ذلك، وكما حدث في حزيران/يونيو 2025، قدم الرئيس ترامب أيضاً "مخرجاً دبلوماسياً"، مشيراً إلى أن طهران يمكنها تجنب الضربات من خلال الالتزام بتحذيرين: "لا للنووي" و"توقفوا عن قتل المتظاهرين".
خياران أمريكيان وتحديات متعددة
دائماً ما تكون الدبلوماسية الأمريكية - الإيرانية محفوفة بالصعوبات. وقد ظلت القضايا الأربع التي من المرجح أن تتصدر المحادثات المقبلة - البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ، ودعم الوكلاء الإقليميين والجماعات الإرهابية، وحقوق الإنسان - على جدول الأعمال لعقود بدرجات متفاوتة من التركيز. في عام 2015، عند التفاوض على "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، تعرضت إدارة أوباما للانتقاد لتركيزها الضيق على القضية النووية وإغفال جميع القضايا الأخرى تقريباً. ودافع المسؤولون الأمريكيون آنذاك عن القرار باعتباره براغماتياً واستراتيجياً، حيث كانوا يحاولون معالجة القضية الأكثر خطورة وفتح المجال لاتفاقيات مستقبلية بشأن القضايا الأخرى.
وهناك فرصة ضئيلة لأن تقوم واشنطن بحسابات مماثلة هذه المرة. فبالإضافة إلى حقيقة أن الرئيس ترامب كان منتقداً صريحاً للاتفاق النووي وانسحب منه في عام 2018، فإن أي محاولة حالية لإبرام صفقة نووية فقط مع إيران لن تُعتبر مبدئية أو حتى براغماتية. بل على العكس، فإن منح إيران مهلة من الضربات أو تنازلات أخرى مقابل خطوات نووية وحدها سيُنظر إليه على أنه تخلي عن التزام ترامب تجاه المتظاهرين الإيرانيين، وهو ما يوازي قرار أوباما السيئ الصيت بعدم إنفاذ "خطه الأحمر" ضد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في عام 2013. بل إن الصفقة النووية وحدها قد لا تحقق حتى الحد الأدنى من هدف منع الصراع الإقليمي؛ فإسرائيل لا تزال عازمة على إضعاف برنامج الصواريخ الإيراني، وهو ما سيتطلب منها بالتأكيد شن غارات جوية في الأشهر المقبلة في غياب حل تفاوضي.
هذه العوامل تترك الإدارة ظاهرياً أمام خيارين: الضربات العسكرية، أو "صفقة كبرى" تشمل جميع مخاوف واشنطن. ومع ذلك، لا يبدو أي منهما مرضياً. فلا يمكن للإدارة أن تثق تماماً في أن الضربات الجوية والصاروخية وحدها ستحقق الأهداف الأمريكية، لاسيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي؛ فعلى سبيل المثال، من المرجح أن يكون الجزء الأكبر من اليورانيوم عالي التخصيب في إيران إما مدفوناً تحت الأنقاض في المواقع التي ضُربت في حزيران/يونيو الماضي أو مخبأً بأمان في أنفاق محصنة. وبالتالي، سيتعين التعامل معه يدوياً، مما يتطلب وجود قوات على الأرض، أو مفتشين، أو دخول طرف آخر لتلك المواقع. كما لا يمكن للإدارة أن تثق في أن الضربات الجديدة - حتى العمليات المستهدفة ضد القيادة الإيرانية - ستؤدي إلى تغيير النظام أو إنتاج حكومة جديدة أكثر استجابة للمصالح الأمريكية.
أما "الصفقة الكبرى" فقد تكون مهمة أصعب بكثير. فمطالبة النظام بالتخلي عن قمع المعارضة، وقدراته الصاروخية، وشبكات وكلائه الإقليميين، وبرنامجه النووي، تعادل المطالبة بتغيير شامل في استراتيجية الأمن القومي للجمهورية الإسلامية. ورغم أن النظام ضعيف بشكل كبير، إلا أنه لا يبدو مستعداً لمثل هذا التحول. ويميل المعلقون الإيرانيون إلى وصف نتائج حرب العام الماضي بأنها "جمود"، مُرجعين قرار الرئيس ترامب بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد بعد يوم واحد من الضربات الأمريكية إلى قوة الردع الإيرانية. وقد يعتقد مسؤولو النظام أن التهديد بالصواريخ والقوة غير المتكافئة كاف لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن القيام بحملات عسكرية إضافية، وما يشجعهم على ذلك هو مسارعة الدول الإقليمية لثني إدارة ترامب عن شن ضربات جديدة.
هذه العقبات دفعت البعض إلى اقتراح أن سياسة تغيير النظام وحدها هي التي يمكن أن تلبي المصالح الأمريكية. ولكن في غياب خطة قابلة للتنفيذ لتحقيق ذلك، يظل "تغيير النظام" طموحاً أكثر منه سياسة. إذ إن مختلف الأساليب المطروحة لتحقيق هذا الهدف إما غير واقعية في سياق السياسة الأمريكية الحالية، مثل الغزو الشامل، أو تبدو مرهقةً زمنياً إلى حد بعيد، مثل الضغوط غير العسكرية على النظام ودعم الشعب الإيراني. وإذا مضت الولايات المتحدة قدما بهدف معلن وهو تغيير النظام، فقد تكون النتائج عكس النوايا الأمريكية؛ إذ قد يصعد النظام من قمعه للمتظاهرين، ويعزز صواريخه ووكلاءه، وربما يتجه للحصول على سلاح نووي تفادياً لزواله.
طريق للمضي قدماً
رغم هذه الصعوبات، تمتلك إدارة ترامب مزايا كبيرة في أي مواجهة مع إيران؛ إذ يكاد يكون من المؤكد أن النظام لا يقوم حالياً بتخصيب اليورانيوم، وقد يتم ردعه عن محاولة تطوير سلاح نووي باستخدام مخزونه الحالي بسبب مخاوفه من هجوم أمريكي أو إسرائيلي. كما أظهرت حرب حزيران/ يونيو، إن إيران باتت عرضة بشدة للهجوم، وقد تخلت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عن ترددهما السابق في ضرب البلاد مباشرة، مما يمنح التهديدات العسكرية قدرًا عالياً من المصداقية. كذلك، فإن وكلاء طهران الإقليميين غير قادرين في الوقت الراهن على الدفاع عنها بصورة حاسمة، ولم يُبدِ شركاء مثل روسيا والصين أي استعداد للقيام بذلك، في وقت تواجه فيه إيران تحديات اقتصادية وسياسية داخلية غير مسبوقة.
وفي ضوء هذه المزايا، ينبغي على إدارة ترامب أن تركز بدرجة أقل على فكرة إبرام "صفقة" مع طهران، وبدرجة أكبر على كيفية توظيف التهديد بضربات وشيكة للضغط من أجل انتزاع تنازلات إيرانية تتعلق بمجموعة أوسع من المخاوف، تشمل:
• البرنامج النووي: يجب أن تصر الإدارة على أن تلتزم طهران بالكامل بالتزاماتها الدولية من خلال التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح لمفتشي الوكالة باستئناف أنشطة التفتيش والمراقبة والتحقق الشامل على الأراضي الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تصر واشنطن على أن تقدم إيران كشفاً كاملاً عن موادها وأنشطتها النووية المتبقية، فضلاً عن تحديد موقع أي حطام من المواقع النووية التي تعرضت للضرب في حزيران/ يونيو. وعلى أساس هذا الكشف، يمكن للولايات المتحدة التعاون مع الوكالة لترتيب استعادة وتصدير مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني. كما يجب على المسؤولين الأمريكيين التأكيد مجدداً على أن أي محاولة إيرانية لإعادة بناء البرنامج، أو السعي للحصول على قنبلة، أو تضليل الوكالة ستكون مبرراً لشن ضربات إضافية.
• حقوق الإنسان: حتى في حال تمكن إدارة ترامب من انتزاع تنازلات نووية كبيرة من إيران، فمن المرجح أن يُنظر إلى المحادثات بين ويتكوف وعراقجي على أنها فشل إذا لم تضمن الولايات المتحدة تنازلات بشأن تعامل النظام مع شعبه. فتعهد ترامب بمساعدة المتظاهرين هو ما أدى في النهاية إلى المواجهة الحالية، ووفاء الإدارة بهذا الوعد هو ما سيميز هذه المرحلة عن كارثة "الخط الأحمر" لأوباما. وتحديداً، ينبغي على الإدارة أن تطالب النظام باتخاذ خطوات كبيرة لتخفيف الضغط عن الشعب الإيراني من خلال: (1) التراجع عن حظر الاتصالات والإجراءات الأخرى المتخذة ضدهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، (2) إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، و(3) الامتناع بشكل يمكن التحقق منه عن الإعدامات السياسية وسوء المعاملة والاضطهاد.
• الصواريخ والوكلاء: يجب على إدارة ترامب أن تطلب من الشركاء الإقليميين مثل تركيا والسعودية والإمارات وقطر ومصر التفاوض مع طهران بشأن حدود متفق عليها بشكل متبادل فيما يتعلق بتهديدين رئيسيين في الشرق الأوسط: حجم وتكوين ومدى ترسانات الصواريخ، ودعم الجهات الفاعلة من غير الحكومية. وفي الوقت نفسه، يجب على واشنطن أن توضح أنه رغم قلقها بشأن برنامج الصواريخ الإيراني وسعيها لاتخاذ خطوات لتقليل هذا التهديد، إلا أنها لن تفرض حلولها على إسرائيل - أي أن إسرائيل ستحتفظ بحرية العمل، حتى لو اختارت الولايات المتحدة عدم الضرب. وإذا كانت إيران ودول إقليمية أخرى ترغب في أن تكف إسرائيل عن الضربات، فعليها معالجة مخاوف إسرائيل مباشرة بدلاً من مطالبة واشنطن بالتدخل. كما يجب على إدارة ترامب تذكير الشركاء الإقليميين بأن الفشل في تطبيع العلاقات مع إسرائيل يقلل من قدرتهم على التأثير في موقف القدس والتوسط في السلام الإقليمي.
ما لا ينبغي لإدارة ترامب فعله في أي محادثات تُجرى هذا الأسبوع أو مستقبلاً هو تقديم تخفيف للعقوبات مقابل تنازلات إيرانية على غرار "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA). ومن ثم، يجب على الولايات المتحدة أن توضح أن المسؤولية تقع على عاتق النظام الإيراني لتجنب الصراع. وبينما يترنح النظام بعد ارتكاب مجازر بحق شعبه، فإن الولايات المتحدة ليست ملزمة بإنقاذه من عواقب خياراته
.