- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4229
العودة إلى التصعيد العسكري أم التوجه نحو اتفاق؟ تقييم الوضع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران
في هذا الملخص، يُقيم ثلاثة خبراء تداعيات الضربات العسكرية الأخيرة، ويستشرفون ملامح وآثار الاتفاق المُعلن عنه مؤخراً لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز.
نظّم "معهد واشنطن" في 11 حزيران/يونيو منتدى سياسياً افتراضياً استضاف نخبة من خبرائه، هم: دانا سترول، "مديرة الأبحاث" وزميلة "كاسن" الأقدم في معهد واشنطن ، والنائبة السابقة لمساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط؛ وروبرت ساتلوف، "المدير التنفيذي لكرسي سيغال" في المعهد وشاغل "كرسي هوارد پي. بيركويتز للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط"؛ ومايكل سينغ، المدير الإداري للمعهد والمدير الأول السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي. وفيما يلي ملخص لأبرز الملاحظات التي طرحها المتحدثون.
دانا سترول
اتسم وقف إطلاق النار الاسمي بين الولايات المتحدة وإيران باستمرار الأنشطة العسكرية بدلاً من وقف فعلي للأعمال العدائية. إذ حافظت القيادة المركزية الأمريكية على حالة تأهب قصوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من خلال تنفيذ تدابير قوية لحماية القوات، ومرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، وإجراء تقييمات لأضرار المعارك تحسباً لاحتمال عودة الحرب، وفرض حصار بحري شامل على جميع الواردات والصادرات الإيرانية بما فيها النفط. من جهتها، تواصل طهران تحدي حرية الملاحة عبر المضيق باستخدام الطائرات المسيّرة والألغام البحرية وسائر القدرات غير المتكافئة المتبقية لديها. كما أسقطت طائرة هليكوبتر عسكرية أمريكية كانت تضطلع على الأرجح بمهام مرافقة السفن التجارية. ردت القوات الأمريكية على هذا الحادث بسلسلة ضربات جديدة، موجهةً رسالة واضحة مفادها أن الهجمات على الأصول الأمريكية ستلقى رداً عسكرياً قوياً.
علاوة على ذلك، تهدد إدارة ترامب علناً وبصورة متكررة بالاستيلاء على جزيرة خرج، ويُحتمل أن تكون الضربات الأخيرة قد عمّقت قناعة الرئيس ترامب بفعالية الضغط العسكري. غير أن هذا التوجه ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد القوات الأمريكية. صحيح أن "عملية الغضب الملحمى" قد أضعفت القدرات التقليدية الإيرانية، إلا أن المحللين لا يزالون يختلفون حول حجم الضرر الفعلي. كذلك، تملك إيران الإمكانية للتهديد المستمر لأي قوات أمريكية تسيطر على جزيرة خرج بواسطة قوات بحرية غير نظامية، فضلاً عن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون القيمة العملية للاستيلاء على الجزيرة محدودة جداً، إذ أن صادرات النفط الإيرانية مقيدة بالفعل بشدة بسبب الحصار البحري، وأثبت النظام مراراً وتكراراً قدرته على تحمل الضغوط الاقتصادية الشديدة.
على الصعيد الدبلوماسي، لم يُغير التبادل الأخير للضربات الملامح الأساسية للمفاوضات. حيث ركزت المناقشات السابقة على استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتمهيد الطريق نحو محادثات مستقبلية حول البرنامج النووي الإيراني، والنظر في إمكانية تخفيف محدود للعقوبات. وبينما أصبح التواصل مع القيادة الإيرانية أكثر صعوبة بسبب المخاوف الأمنية وديناميات النظام الداخلية، فإن الضربات الأخيرة لم تعدل بصورة جوهرية من القضايا الأساسية محل التفاوض.
بيد أنه بعيداً عن إيران، تبقى هناك تحديات أمنية إقليمية أخرى لم تحل بعد. في لبنان، تملك القوات الحكومية القدرة العملياتية على نزع سلاح "حزب الله"، لكنها تواجه قيوداً سياسية واقتصادية كبيرة. تكمن العقبة الرئيسية في الإرادة السياسية، إذ يخشى العديد من القادة اللبنانيين أن تؤدي محاولة نزع سلاح "حزب الله" إلى اندلاع حرب أهلية. ومن ثم، سيتطلب أي جهد جاد لنزع السلاح الحصول على دعم دولي واسع من الناحيتين المالية والسياسية. سيكون التحقق من تقدم القوات العسكرية في هذه المهمة أمراً حتمياً، غير أنه ينبغي على صانعي السياسات توخي أقصى درجات الحذر من أي دعوات لنشر قوات أمريكية في "المناطق التجريبية" المقترحة في جنوب لبنان، كون ذلك سيعرض الجنود الأمريكيين للهجمات من قبل "حزب الله"، ويفرض تحديات عملياتية خطيرة على قوات الدفاع الإسرائيلية، التي تبقى تحت وابل الصواريخ.
في دول الخليج، لا يزال احتمال تجدد الصراع يشكل مصدر قلق حاد. صحيح أن معدلات اعتراض الصواريخ كانت مرتفعة طوال فترة الأزمة، إلا أن القذائف القليلة التي اخترقت الدفاعات سبّبت أضراراً فادحة. تبقى اقتصادات دول الخليج، التي تقوم على أساس الاستقرار والتجارة المفتوحة وبيئات الاستثمار الآمنة، معرضة بشدة لمخاطر صراع مطول. وعليه، يفضل هؤلاء الشركاء التوصل إلى اتفاق يعيد فتح المضيق ويجنب المنطقة عودة لأعمال عدائية واسعة النطاق.
وبالنظر إلى الآفاق المستقبلية، أدرك القادة الإيرانيون الآن بوضوح أن الولايات المتحدة مستعدة وقادرة على استخدام القوة بالقدر الضروري. ومع ذلك، فإن التحديات الناشئة عن عمليات الانتشار المطولة، وارتفاع تكاليف الطاقة، والالتزامات العسكرية العالمية المتنافسة ستجعل من الصعب الحفاظ على الموقف الحالي. ستتوقف النتيجة النهائية على التوازن بين استمرار الضغط العسكري الأمريكي والانخراط الدبلوماسي الفعال. وإذا فقد الشركاء الإقليميون الثقة في الالتزام الأمريكي طويل الأجل تجاه المنطقة، فقد يعمدون إلى التحوط من خلال السعي إلى تسويات مباشرة مع طهران.
روبرت ساتلوف
قبل التبادل الأخير للضربات المباشرة، كان لبنان ساحة المعركة التي حاولت فيها إيران إحداث شرخ بين واشنطن والقدس، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك التي تحكم العلاقات بين "حزب الله" وإسرائيل، وكسب مزايا دبلوماسية تمهيداً للتوصل إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران. وكان هناك عاملان جعلا لبنان هدفاً جذاباً بشكل خاص لطهران: أولاً، دعم الرئيس ترامب المتذبذب لفصل المسارين اللبناني-الإسرائيلي والأمريكي-الإيراني؛ وثانياً، قلقه الواضح من أن الردود العسكرية الإسرائيلية على هجمات "حزب الله" قد تعرقل مساعيه الدبلوماسية مع إيران. بدأ التصعيد الأخير لطهران بتكليف "حزب الله" بمهاجمة شمال إسرائيل، ثم تطور إلى هجمات صاروخية باليستية إيرانية مباشرة. وقد حث الرئيس ترامب علناً على ضبط النفس، وجاء الرد الإسرائيلي أقل حدة بشكل ملحوظ، لكنه كان حازماً بما يكفي لإقناع طهران بالتراجع.
والجدير بالذكر أن الطبيعة المحدودة للهجوم الإيراني الأخير على إسرائيل - الذي لم يتجاوز أحد عشر صاروخاً - أبرزت حجم الضعف الذي تعانيه طهران حالياً مقارنةً بمئات الصواريخ التي تمكنت من إطلاقها في الجولات السابقة. علاوة على ذلك، فإن الرد الإسرائيلي القوي، المقترن في نهاية المطاف بدعم الولايات المتحدة للحفاظ على استقلالية المسار اللبناني، قد أحبط الخطة الإيرانية.
وفيما ينتظر المراقبون تفاصيل الاتفاق الجديد المزعوم بين واشنطن وطهران، لا يتوقع سوى القليلين أن يعكس هذا الاتفاق الأهداف السابقة التي أعلنتها إدارة ترامب. فمن الواضح أن النتيجة لن تكون "استسلاماً غير مشروط" ولا "تغييراً للنظام". ويبقى أن نرى ما إذا كان الاتفاق سيتناول قضايا مهمة مثل برنامج إيران الصاروخي، وبرنامجها النووي، ودعمها للوكلاء العنيفين، والضغوط الرامية إلى إدراج المسار اللبناني ضمن المفاوضات. وعلى الأرجح، ستقتصر الاتفاقية على تمديد وقف إطلاق النار الحالي، مع إضافة مهمة تتمثل في حل قضية مضيق هرمز. وإذا تحققت هذه النتيجة المحدودة بالفعل، فمن المرجح أن تثير قلقاً بالغاً لدى القادة الإسرائيليين، لأن مثل هذه الاتفاقية ستترك العديد من القضايا الحاسمة دون حل، وستشكل تحدياً سياسياً كبيراً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
مايكل سينغ
لتقييم آفاق الاتفاق الذي أُعلن عنه مؤخراً مع إيران، لا بد من استيعاب كل من الوضع الراهن والسياق التاريخي. وكما أشار الرئيس ترامب نفسه، فإن اتفاقات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط غالباً ما تعكس إعلان نوايا أكثر من كونها وقفاً تاماً لجميع أعمال العنف. وقد عقدت إيران والولايات المتحدة جولات متتالية من المحادثات على مر السنين، وغالباً ما شارك فيها المفاوضون الإيرانيون أنفسهم الذين تعاملوا مع إدارات أمريكية متعددة. وعلى هذا الأساس، طورت طهران مجموعة متسقة من التكتيكات الدبلوماسية، من بينها السعي إلى إحداث شرخ بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وسيواجه الرئيس ترامب انتقادات بشأن أي اتفاق يوقعه، ومن مصلحة إيران إضعاف علاقته بأبرز منتقديه، ولا سيما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وتتبع طهران وواشنطن، بصورة عامة، استراتيجيتين متشابهتين، تقومان على الإبقاء على خيار التصعيد لضمان أن يصبح الوضع الراهن غير قابل للاستمرار عسكرياً واقتصادياً، والضغط على الطرف الآخر للدخول في مفاوضات.
فالحرب امتداد للمفاوضات بوسائل أخرى، كما أن المفاوضات قد تكون امتداداً للحرب بوسائل مختلفة. لذلك، فإن النتيجة النهائية لهذه الأزمة لن تعتمد فقط على التفوق العسكري، بل أيضاً على قدرة كل طرف على تحمل المصاعب. ويعتقد الجانبان أن الوقت يعمل لصالحهما؛ فطهران ترى أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة ستفرض ضغوطاً سياسية على إدارة ترامب، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل التكاليف الاقتصادية المرتفعة، بينما تتوقع واشنطن أن النظام الإيراني الخاضع للحصار يقف على حافة الانهيار الاقتصادي.
وفي محاولاته السابقة لكسر الجمود، أطلق الرئيس ترامب تهديدات قوية باستهداف محطات الطاقة والجسور وغيرها من البنى التحتية المدنية، إلا أن طهران لم تبدُ وكأنها تنظر إليها باعتبارها تهديدات ذات مصداقية. غير أنه بدأ خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية بممارسة ضغط عسكري متزايد، يبدو أن القيادة الإيرانية تعاملت معه بجدية أكبر من تهديداته السابقة.
ومن المرجح أن يستند الاتفاق الجديد إلى مقايضة أساسية تشمل إعادة فتح إيران لمضيق هرمز مقابل رفع الولايات المتحدة للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وقد لا يتناول الاتفاق ملف الصواريخ والطائرات المسيرة، كما أنه من غير المرجح أن يتضمن أكثر من إعلان نوايا بشأن القضية النووية، مع منح فترة تتراوح بين ثلاثين وتسعين يوماً لإجراء مفاوضات إضافية حول هذا الملف. ولا تزال الإجابات عن أسئلة رئيسية أخرى غير واضحة: هل ستُفرض رسوم عبور على حركة الملاحة عبر المضيق؟ وهل سترفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على النفط الإيراني؟
سيواجه الرئيس ترامب انتقادات داخلية إذا جاء الاتفاق النهائي على هذا النحو، إذ سيبدو وكأن إيران حصلت على تنازلات كبيرة مقابل إعادة فتح ممر مائي كان مفتوحاً قبل الحرب. غير أن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة باتت في موقع أقوى بكثير مما كانت عليه عند اندلاع الحرب. فلم تعد إيران قادرة على تخصيب اليورانيوم أو الوصول إلى مخزونها من المواد المخصبة، ما يعني أن أكثر جوانب التهديد النووي إلحاحاً قد عولجت فعلياً خلال الأيام الأولى من الحرب. وبمجرد تخفيف الضغوط الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، سيكون لدى إدارة ترامب متسع من الوقت لمعالجة القضية النووية والمسائل المهمة الأخرى بصورة أكثر شمولاً، بدءاً من التفاوض بشأن الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة والوكلاء، وصولاً إلى دعم إعادة بناء الدولة اللبنانية. وينبغي أن تكون الرسالة الصادرة عن واشنطن أن ما جرى كان تدخلاً محدوداً لا حرباً مفتوحة بلا نهاية، وهو ما ينسجم مع توجهات الإدارة المعلنة. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يظل الجيش الأمريكي حاضراً وجاهزاً، سواء لضمان إعادة فتح المضيق بصورة سلسة أو للتعامل مع احتمال فشل المفاوضات الأوسع نطاقاً واستئناف الصراع.
أعدت هذا الملخص كل من سارة بوشيس ومايا تشوفات وكيت تشستنوت. وتُصدر سلسلة "منتدى السياسات" بفضل سخاء مؤسسة وينكلر لوي. تم إعداد سلسلة منتدى السياسات بفضل سخاء مؤسسة "وينكلر لوي".