- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4202
التوازنات السياسية الأردنية في زمن الحرب
تؤدي التداعيات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للأزمة الإيرانية إلى الضغط على المملكة من اتجاهات متعددة، لكن بإمكان واشنطن أن تفعل الكثير لتخفيف هذه الضغوط الداخلية، وتجنب الاحتكاكات الثنائية، ومعالجة الخلاف المتصاعد بين عمان وإسرائيل.
أثبت الأردن أنه شريك استراتيجي لا غنى عنه للولايات المتحدة خلال الحرب، معرضاً نفسه في الوقت ذاته لهجمات إيرانية واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن التداعيات السياسية والاقتصادية للصراع تشكل تحدياً أكبر للمملكة. وفي حين اتخذت عمان بعض الخطوات للتخفيف من آثار هذه التداعيات، فإن الأزمة تسرع تدهور علاقاتها مع إسرائيل. وبمجرد انتهاء الحرب، ستكون هناك حاجة إلى دبلوماسية أمريكية مستمرة ومكثفة لتعزيز العلاقات بين هذين الشريكين الرئيسيين في عملية السلام وحماية الأردن من التهديدات الإيرانية المتبقية.
دعم الولايات المتحدة في زمن الحرب
خلال عهد الملك عبد الله الثاني، عزز الأردن بشكل ملحوظ علاقته الاستراتيجية مع واشنطن. ففي اللحظات الحرجة، انتهج مساراً مختلفاً عن والده، واختار دائماً إعطاء الأولوية للعلاقات مع الولايات المتحدة. ففي عام 1991، على سبيل المثال، عارض الملك حسين عملية "عاصفة الصحراء" ورفض الانضمام إلى مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا وأعضاء آخرين في التحالف المتعدد الجنسيات الكبير في الحملة لتحرير الكويت. في المقابل، أتاح الملك عبد الله قواعد عسكرية لطائرات الولايات المتحدة المشاركة في الجهد العسكري الأكثر إثارة للجدل، وهو غزو العراق عام 2003. وفي الآونة الأخيرة، لعبت المملكة دوراً محورياً في اعتراض المقذوفات الإيرانية التي كانت تعبر مجالها الجوي في طريقها إلى إسرائيل خلال المواجهات الكبرى في عامي 2024 و2025.
وقد كانت الأردن أكثرَ نفعاً لواشنطن خلال الحرب الحالية. ونظراً لأن القواعد الأمريكية في دول الخليج أقرب إلى إيران وأكثر عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المُسيرة، فقد برزت المملكة كنقطة ارتكاز رئيسية ضمن" استراتيجية القواعد الغربية"، مما سمح بوضع الأصول الأمريكية في مواقع أكثر أماناً. وقد منحت اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2021 القوات الأمريكية حق الوصول إلى اثنتي عشرة منشأة في الأردن، بما في ذلك خمس قواعد جوية. وفي الفترة التي سبقت الأزمة الإيرانية، كانت قاعدة "موفق السلطي الجوية" بمثابة مركز لوجستي رئيسي لعمليات النقل الجوي الأمريكية بطائرات C– 17، وكان نحو ستين طائرة مقاتلة أمريكية متمركزة هناك اعتباراً من شهر شباط/فبراير.
كما نشرت الولايات المتحدة طيفاً واسعاً من أنظمة اعتراض الصواريخ في المملكة، بما في ذلك صواريخ "باتريوت" وأنظمة "ثاد " (THAAD)، التي تسهم في حماية كل من الأردن وإسرائيل من المقذوفات التي تطلقها إيران ووكلاؤها العراقيون. ومن المؤكد أن طهران كانت تتبنى موقفاً عدائياً صريحاً تجاه عمّان قبل الحرب بوقت طويل. فبالإضافة إلى التهديدات العسكرية المباشرة على مر السنوات، أحبط الأردن عدداً من المخططات الإرهابية المحلية المرتبطة بإيران، في حين حاولت الميليشيات التابعة لطهران في سوريا مراراً تهريب الأسلحة والمخدرات إلى داخل المملكة وعبر أراضيها. وخلال الحرب الحالية، تم إطلاق أكثر من 200 طائرة مُسيّرة وصاروخ على أهداف أمريكية ومحلية داخل الأردن؛ كما أحبطت السلطات هجوماً إلكترونياً إيرانياً استهدف احتياطيات القمح الاستراتيجية للدولة في أوائل آذار/مارس.
مثلما أدرك القادة الأمريكيون السابقون، يدرك الرئيس ترامب الأهمية الاستراتيجية للأردن. وتُعد عمان واحدة من الحكومات القليلة التي نجت من التخفيضات الحادة التي فرضتها إدارته على المساعدات الخارجية. هذا العام، سيحصل الأردن على 425 مليون دولار في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي، و845 مليون دولار كدعم مباشر للميزانية، وما يقرب من 200 مليون دولار كمساعدات إضافية. وهذا يعادل نحو 8 في المئة من إجمالي الميزانية السنوية للدولة البالغة 18.4 مليار دولار – أي أكثر من ثلاثة أضعاف النسبة من الميزانية الإجمالية لإسرائيل التي تغطيها المساعدات العسكرية الأمريكية.
التداعيات الاقتصادية
من الناحيتين النسبية والمطلقة، كان أداء الاقتصاد الأردني، الذي يعاني من ركود مزمن، جيداً نسبياً قبل الحرب. وقد أشاد تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في كانون الأول /ديسمبر 2025 بـ"السياسات الاقتصادية السليمة والإصلاحات" التي نفذتها المملكة، والتي أسهمت في تعافي النمو، وانخفاض التضخم، ووجود احتياطيات قوية. في الربع الأخير من عام 2025، سجل الأردن معدل نمو لافتاً بلغ 5.1 في المئة، وهو من أعلى المعدلات المسجلة، بينما تراجع التضخم إلى أدنى مستوياته خلال العام.
ومع ذلك، فقد عكست الحرب هذا المسار، إذ وصل قطاع السياحة، الذي يمثل ما يقرب من 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى أدنى مستوياته، حيث تم إلغاء 100 في المئة من الحجوزات في أذار/مارس. وعلى الرغم من عدم توفر الإحصاءات الرسمية للتضخم لهذه الفترة بعد، تشير التقارير المحلية إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل كبير. ولتخفيف الضربة على المستهلكين، تواصل الحكومة دعم الخبز، لكن تكاليف الوقود ارتفعت أيضاً، مما دفع السلطات إلى رفع سعر الغاز بنسبة 11 في المئة هذا الشهر. ويبدو أن أكبر ارتفاع هو في أسعار الغاز الطبيعي المسال. قبل الحرب، كانت الأردن تستورد 85 في المئة من غازها الطبيعي من إسرائيل - وهو مورد يمثل ما يقرب من 70 في المئة من توليد الكهرباء في المملكة. ومع ذلك، توقف هذا الإمداد بسبب الصراع، مما أجبر عمان على التعويض عن طريق استيراد الغاز الطبيعي المسال عبر محطة إعادة التغويز في العقبة بتكلفة إضافية تبلغ 120 مليون دولار شهرياً.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن رئيس الوزراء جعفر حسن في 6 نيسان/أبريل عن خطة تقشف حدت من استخدام المركبات الحكومية، وألغت معظم الرحلات الرسمية إلى الخارج، وحظرت استخدام مكيفات الهواء وأجهزة التدفئة في المنشآت الحكومية. كما أصدرت عمان حزمة تحفيز بقيمة مليار دولار لدعم قطاع السياحة وتعزيز السيولة المصرفية، إلى جانب إعفاءات ضريبية تسمح للأفراد والشركات بتأجيل المدفوعات خلال الأزمة.
لعبة التوازنات السياسية
عشية الحرب، كان الأردن يتعامل مع ديناميكيتين سياسيتين رئيسيتين على الصعيد المحلي. أولاً، بعد حظر جماعة الإخوان المسلمين في نيسان/أبريل 2025، بدأت السلطات سلسلة إجراءات لإضعاف "جبهة العمل الإسلامي "، الحزب المسجل قانونياً التابع للإخوان. وقبل أيام قليلة من الحرب، اتخذت الحكومة خطوات لإخضاع "جبهة العمل الإسلامي" لامتثال صارم لقانون الأحزاب السياسية، مما أدى إلى إعادة تشكيلها وتقليص نفوذها.
ثانياً، كان البرلمان يناقش تعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي في إطار عملية تحديث اقتصادي مستمرة. ورغم أن هذه التغييرات تُعد ضرورية للغاية لصحة المالية العامة للمملكة، إلا أنها لا تحظى بشعبية بسبب الأعباء الإضافية التي ستفرضها على شريحة من المواطنين تعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية.
تُلقي الحرب بظلالها على هاتين الديناميكيتين. وقد شعرت "الجبهة الإسلامية" في الأردن بقدر من الجرأة نتيجة الأزمة الإقليمية، فعملت على تسليط الضوء على سياسات حكومية غير شعبية، مثل استضافة القوات الأمريكية، واعتراض الصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية المتجهة نحو إسرائيل، والحفاظ عموماً على معاهدة السلام مع إسرائيل. وفي استعراض للقوة يذكّر بالأيام الأولى لحرب غزة، نظمت أحزاب المعارضة مظاهرة حاشدة في وسط عمّان في 10 نيسان/أبريل. ونتيجة لذلك، وجد المسؤولون الأردنيون أنفسهم في موقف دفاعي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العديد منهم يعتمد خطاباً تصادمياً مماثلاً تجاه إسرائيل.
كما تصدّرت "الجبهة الإسلامية " المعارضة لقانون الضمان الاجتماعي، الذي سحبته عمّان مؤخراً وسط رد فعل برلماني حاد وحالة من عدم اليقين الاقتصادي التي فاقمتها الحرب. ولم يكن هذا مجرد تراجع في مسار الإصلاح، بل مثل أيضاً انتكاسة سياسية كبيرة للحكومة.
تداعيات متفاوتة على العلاقات الخارجية
في بداية الحرب، أدانت عمّان بشدة الهجوم الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي، بينما قام الملك عبد الله بجولات شملت عدداً من عواصم دول المجلس. ويُعدّ الرأي العام والمسؤولون في دول الخليج شديدي الحساسية تجاه المواقف التي تتخذها الدول العربية الأخرى في زمن الحرب، وقد رصدوا عن كثب رد فعل الأردن. وعلى عكس عام 1991، عندما وجدت المملكة نفسها معزولة سياسياً ومالياً بعد تحرير الكويت، فإن عمّان تبدو هذه المرة في موقع ملائم لتعميق علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي.
وعلى النقيض من ذلك، تسهم الحرب في تصعيد التوترات السياسية بين الأردن وإسرائيل، رغم أنها تُذكِّر الطرفين بالأهمية الأمنية لهذه العلاقة. وحقيقة أن تعاونهما العسكري المكثف لم ينجح في تخفيف حدة التوترات السياسية تدل على عمق المأزق الثنائي، الذي تفاقم تدريجياً بسبب مزيج من السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب الخطاب الأردني والمبادرات الدبلوماسية ضد إسرائيل. ومن اللافت للنظر أنه بالنسبة لجارتين تربطهما مصالح أمنية متشابكة إلى هذا الحد، فإن التفاعل السياسي بينهما شبه غائب.
قد تُسهم الحرب كذلك في تعزيز دلائل التوتر السياسي الأخيرة في علاقات عمّان الوثيقة مع الولايات المتحدة. فقد شعر الداعمون التقليديون للمملكة في واشنطن بالقلق إزاء تحركات أردنية مثل الانحياز إلى خطاب حادّ ومعادٍ لإسرائيل خلال حرب غزة واستضافة الشخصيتين المثيرتين للجدل تاكر كارلسون وفرانشيسكا ألبانيز، اللتين تعرضتا لانتقادات شديدة بسبب تصريحات واتهامات وُصفت بأنها معادية للسامية. وفي الوقت نفسه، تزداد مخاوف عمّان بشأن سياسات إدارة ترامب تجاه القضايا الفلسطينية الرئيسية، لا سيما استعدادها للتسامح مع عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والتحركات الاستفزازية من قبل بعض الشخصيات السياسية الإسرائيلية في الحرم الشريف - وهو موقع مقدس تم تكريس الدور الإشرافي الخاص للأردن فيه بموجب معاهدة السلام لعام 1994. وبالتالي، في حين تظل العلاقات بين الولايات المتحدة والأردن قوية، فإن الفشل في معالجة هذه القضايا قد يؤدي إلى توترات ثنائية مستقبلية ويعوق أهداف واشنطن طويلة الأجل الرامية إلى تحقيق السلام العربي - الإسرائيلي.
توصيات سياسية
- لمساعدة أحد حلفائها الإقليميين الأكثر موثوقية على تجاوز الأزمة الحالية، ينبغي على واشنطن اتخاذ خطوات لتخفيف الأضرار التي تكبدتها الأردن في زمن الحرب، مع التخطيط في الوقت نفسه لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية التي ستبرز بعد الأزمة:
- على الصعيد الاقتصادي، تقدم الولايات المتحدة بالفعل دعماً ثنائياً سخياً لعمان. ومع ذلك، ستستفيد المملكة من إدراجها في الترتيبات الاقتصادية الإقليمية لما بعد الحرب، بما في ذلك خطط محتملة لتنويع مسارات النقل.
- بالإضافة إلى تعزيز التعاون العسكري الثنائي لمواجهة التهديدات الإيرانية المستمرة، ينبغي على الولايات المتحدة ضمان أن تكون سلطات مكافحة الإرهاب في كلا البلدين في حالة تأهب، مع توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية حول أي تحركات قد تقوم بها طهران أو وكلاؤها لدعم التخريب أو العنف ضد المملكة. وكجزء من هذا الجهد، يجب أن تأخذ أي تحركات أمريكية بشأن الميليشيات العراقية أمن الأردن في الاعتبار.
- تُعدّ العلاقات المتدهورة بين عمّان وإسرائيل التحدي الأكثر إثارة للقلق. وعلى الرغم من أن الحكومتين وجدتا طريقة لضمان تحقيق الهدوء في المواقع الحساسة في القدس خلال كل شهر رمضان منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر - وهو إنجاز ليس بالهين - فقد تدهورت العلاقات إلى درجة أن أي حادث غير متوقع قد يعرض معاهدة السلام للخطر.
وبناءً على ذلك، يجب على واشنطن المساعدة في تخفيف حدة هذا التوتر. وبالإضافة إلى الجهود المستمرة لإبعاد الجانبين عن الأعمال والتصريحات الاستفزازية، سيكون التدخل الأمريكي مفيداً بشكل خاص في تجنب سياسة حافة الهاوية بشأن تجديد اتفاقية المياه الثنائية بينهما. يعد حل هذه القضية التي طال تأجيلها قريباً أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على تدفق المياه في المملكة طوال الصيف - وهو أولوية قصوى لعمان.