- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4197
العراق عند مفترق طرق آخر مع الميليشيات المدعومة من إيران- وواشنطن
على الرغم من أنه ينبغي على المسؤولين الأمريكيين مواصلة الضغط على بغداد للتحرك ضد هذه الجماعات، فإن الحرب مع إيران أظهرت الحاجة إلى استكشاف سبل ضغط بديلة وإعادة تقييم العلاقة الثنائية.
في 28 آذار/مارس، شنت الميليشيات المدعومة من قبل إيران في "قوات الحشد الشعبي" العراقية هجوماً بطائرة مسيرة على منزل رئيس حكومة إقليم كردستان نيشيرفان بارزاني في دهوك، وهو واحد من مئات الهجمات التي استهدفت الأكراد العراقيين منذ بدء الحرب الإيرانية. كما انضمت هذه الميليشيات إلى داعميها الإيرانيين في شن عشرات الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة على أهداف أخرى في العراق والأردن والكويت وسوريا خلال الشهر الماضي، بما في ذلك المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، والبنية التحتية للطاقة، والمنشآت الأمنية الحكومية. وفي خضم القتال، أصدرت "كتائب حزب الله" وهي جماعة إرهابية بارزة مصنفة من قبل الولايات المتحدة وتتلقى تمويلاً من الحكومة العراقية باعتبارها جزء من قوات "الحشد الشعبي"- إنذاراً نهائياً في 18 آذار/مارس طالبت فيه الولايات المتحدة بسحب قواتها وإغلاق سفارتها في بغداد خلال خمسة أيام، ثم مددت المهلة لاحقاً مع استمرار تطور الأزمة الإقليمية.
ورداً على ذلك، أدانت بغداد الهجمات على أراضيها، لكنها لم تتخذ خطوات تُذكر لمنع المزيد من العنف أو محاسبة الجناة، الذين يشترك معظمهم في الانتماء إلى "كتائب حزب الله" بوصفها جماعةً إرهابيةً مدعومةً من إيران ومصنفةً من قبل الولايات المتحدة. وكما هو الحال مع "حزب الله " في لبنان، توظف طهران وكلاءها في "قوات الحشد الشعبي" لتوريط العراق في الحرب.
من جانبها، تشن الولايات المتحدة حملة جوية منسقة تستهدف أفراد "قوات الحشد الشعبي" وممتلكاتها، ومن المرجح أن تستمر هذه الضربات في المستقبل المنظور. ومع ذلك، وبعد انتهاء الحرب مع إيران، ستحتاج واشنطن إلى إعادة ضبط علاقتها مع بغداد لتعكس حقيقة أن المسؤولين العراقيين قد قبلوا، بل ودعموا، استمرار هيمنة الميليشيات الإرهابية على الدولة.
هجمات جديدة، نمط مألوف
تأسست "قوات الحشد الشعبي" في عام 2014 بعد أن هزم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الجيش العراقي واحتل ما يقرب من ثلث البلاد، ولعبت هذه الميليشيات - ومعظمها جماعات شيعية - دوراً مهماً في استعادة تلك الأراضي إلى جانب الحملة التي قادها التحالف بقيادة الولايات المتحدة. ومع ذلك، بمجرد أن أعلنت بغداد النصر على "داعش" في عام 2017، لم تُقدم على تسريح "قوات الحشد الشعبي ".
اليوم، يبلغ إجمالي عدد مقاتلي هذه الميليشيات أكثر من 238,000 مقاتل، وتدير ميزانية حكومية سنوية تُقدّر بنحو 3.6 مليار دولار، موزعة بين أكثر من سبعين فصيلاً، تشمل جماعات إرهابية بارزة مصنفة من قبل الولايات المتحدة، مثل عصائب أهل الحق، وحركة حزب الله النجباء، و"كتائب حزب الله". كما تشارك الأحزاب التي شكلتها هذه الجماعات المسلحة في الحكومة ضمن تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق.
وتماشياً مع موقف إيران، عارضت "قوات الحشد الشعبي" منذ فترة طويلة الوجود العسكري الأمريكي في العراق. وفي عام 2019، وبعد عامين من مساعدة القوات الأمريكية في هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بدأت الميليشيات الإرهابية في مهاجمة القواعد الأمريكية والمنشآت الدبلوماسية. وردت واشنطن مراراً، حيث قصفت قواعد "قوات الحشد الشعبي " وقتلت العشرات من أفراد الميليشيات. وعلى الرغم من أن الضربات الأمريكية أسفرت عن فترات من الهدوء النسبي، فإن هذه الميليشيات لم تتخل بالكامل عن جهودها العسكرية والسياسية لطرد القوات الأمريكية.
وعندما هاجمت "حماس" إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنت الميليشيات موجات جديدة من الهجمات تضامناً مع حليفها الإيراني في غزة. وبعد أشهر، توصلت إدارة بايدن إلى اتفاق مع بغداد يقضي بسحب القوات العسكرية الأمريكية المتبقية، التي نُشرت أصلاً كجزء من التحالف ضد تنظيم "داعش"، بهدف الانتقال إلى إطار تعاون ثنائي بحلول نهاية عام 2026.
تراجعت هجمات "قوات الحشد الشعبي " على المصالح الأمريكية إلى حد كبير بين عامي 2024 و2026، غير أن الحرب الإيرانية أدت إلى تسجيل نحو 300 حادث من هذا النوع، بما في ذلك إطلاق طائرات مسيّرة انتحارية وصواريخ ضد السفارة الأمريكية ومركز الدعم الدبلوماسي في بغداد والقنصلية الأمريكية في أربيل. وحتى الآن، نجحت القوات الأمريكية في اعتراض العديد من هذه الهجمات باستخدام أنظمة مضادة للصواريخ والمدفعية وقذائف الهاون (C– RAM) وغيرها من الأصول.
وتعرضت حكومة إقليم كردستان لموجة أشد من الهجمات خلال الحرب، حيث سُجّل أكثر من 500 هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ شنتها إيران ووكلاؤها العراقيون، استهدفت بعضُها منشآت أمريكية ومناطق مدنية وقواعد "البيشمركة" الكردية. وعلى سبيل المثال، في أواخر الشهر الماضي، أسفر هجوم بصاروخ باليستي إيراني عن مقتل ستة من عناصر "البيشمركة". وإجمالاً، أسفرت الهجمات في إقليم كردستان عن مقتل نحو عشرة مدنيين وإصابة قرابة خمسة عشر آخرين. كما استهدفت الميليشيات بشكل متكرر مصفاة لاناز للنفط بالقرب من أربيل وحقل الغاز الطبيعي خور مور، مما أدى إلى تعطّل الإنتاج وتسبب في انقطاع التيار الكهربائي.
ولم يسلم باقي أنحاء العراق من ذلك أيضاً. ففي 16 آذار/مارس، أطلقت فصائل "قوات الحشد الشعبي" طائرات مسيرة مفخخة على فندق راشد في بغداد، الذي يضم ست بعثات دبلوماسية. وبعد أيام، استهدفت غارة بطائرة مسيرة تابعة للميليشيات مقر جهاز المخابرات الوطني العراقي، مما أسفر عن مقتل ضابط واحد. وبرر متحدث باسم "كتائب حزب الله" هذا الهجوم على حكومته باتهام مسؤولي الوكالة بالخيانة: " لدينا معلومات تفيد بأن 100 في المئة من الضباط الأكراد [في جهاز الاستخبارات الوطني العراقي] ... مرتبطون بـ"الموساد" [الإسرائيلي] والأمريكيين".
بينما تضرب أمريكا، تؤجل بغداد
ردت إدارة ترامب على تصاعد هجمات "قوات الحشد الشعبي" بضربات جوية. وقد أسهمت العمليات الأمريكية في إضعاف عدد من كبار قادة "قوات الحشد الشعبي"، بما في ذلك المتحدث العسكري باسم "حركة خوارزم"، وقائد قطاع الأنبار، واثنين من المستشارين الإيرانيين للميليشيات. كما استهدفت القوات الامريكية رئيس "قوات الحشد الشعبي" فالح الفياض في مقر إقامته في الموصل، غير أن الضربة لم تُحقق هدفها.
ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من شهر على القتال، لم تتخذ بغداد حتى الآن خطوات ملموسة لوقف هذه الهجمات. ومن ناحية، قد يبدو هذا التقاعس مفهوماً جزئياً، نظراً لأن فصائل "قوات الحشد الشعبي" لها سجل طويل في استهداف قادة الحكومة العراقية. وعندما سُئل وزير الخارجية فؤاد حسين في مقابلة أجريت في 22 اذار/مارس عما إذا كانت بغداد قادرة على السيطرة على هذه الجماعات، أجاب: "لا أعتقد ذلك... إذا أصبح الأمر مسألة سيطرة تؤدي إلى صراع، فلا أعرف من يمسك بميزان القوة العسكرية - الحكومة أم "قوات الحشد الشعبي".
من ناحية أخرى، تُظهر الحكومة المؤقتة بقيادة محمد شياع السوداني قدراً مفرطاً من المهادنة تجاه هذه الجماعات، في ظل عملية تشكيل الحكومة المطولة كما كان متوقعاً، والتي أعقبت الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني/نوفمبر. وبعد أن أسفرت غارة أمريكية على قاعدة عسكرية مشتركة بين "قوات الحشد الشعبي "والجيش العراقي عن مقتل العديد من أفراد الميليشيات، أفادت التقارير أن رئيس الوزراء استدعى مسؤولاً في السفارة الأمريكية، جوشوا هاريس، للتعبير عن استيائه. وخلال اجتماع لاحق لمجلس الأمن القومي - برئاسة السوداني وبمشاركة مسؤولين شيعة مرتبطين بـ"قوات الحشد الشعبي " تم منح الميليشيات تفويضاً للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الأمريكية.
توصيات سياسية
واجه العراق تحديات هائلة قبل الحرب بوقت طويل، وقد تفاقم الوضع بشكل ملحوظ الآن. فبالإضافة إلى عملية تشكيل الحكومة المتعثرة، توقّف إنتاج النفط بسبب الأزمة الإيرانية - وهي مشكلة كبيرة في بلد تشكل فيه مبيعات النفط نحو 90٪ من إيرادات الحكومة ويعمل نحو 62٪ من السكان في القطاع العام. وفي السابق، أفضى أكثر من عام من الهدوء النسبي إلى تحقيق بعض التقدم الأولي في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن العراق يُزج الآن في حرب من المرجح أن تُقوض أي جهود إضافية في هذا المجال.
في العام الماضي، ضغطت إدارة ترامب مراراً على بغداد لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، وقد أسهم هذا التركيز المستمر في تطبيع النقاش حول نزع السلاح بين المواطنين العراقيين والمسؤولين على حد سواء. ومع ذلك، لم تُبدِ حكومة السوداني أي استجابة تُذكر. ومن المفارقات أن بغداد أرجأت طويلاً اتخاذ إجراءات ضد هذه الجماعات، جزئياً بسبب مخاوف من تصعيد أوسع للعنف، لكن النتيجة كانت تصاعد عنف الميليشيات ضد أي عراقيين يعارضون أجندتها. وبذلك يزداد تشابه العراق مع لبنان؛ وإذا لم تتحرك بغداد قريباً، فقد ينزلق العراق هو الآخر نحو نموذج الدولة الفاشلة.
وفي حين أن المؤشرات الأخيرة على نفوذ طهران الواسع في العراق -وما يُنظر إليه كتواطؤ من بغداد - قد تدفع إدارة ترامب إلى التفكير في الانسحاب النهائي من البلاد، فإن ذلك سيكون خياراً غير حكيم. وبدلاً من ذلك، ينبغي على واشنطن تكثيف الضغط على المسؤولين العراقيين للتحرك ضد هذه الميليشيات، مع استكشاف أدوات ضغط بديلة في حال استمرار بغداد في تأجيل هذه المسألة. ومن ثم، ينبغي على الولايات المتحدة ان تعمل على:
- استهداف التمويل الحكومي المباشر الذي تقدمه بغداد للميليشيات. في هذه المرحلة، أصبحت "قوات الحشد الشعبي"قوة كبيرة ومؤثرة بحيث يتعذر حلها بالكامل، لذا ينبغي أن يكون هدف الولايات المتحدة دفع بغداد إلى استبعاد الفصائل الأكثر إشكالية. ويمكن لإدارة ترامب دعم هذا التوجه من خلال فرض عقوبات على جميع المسؤولين الحكوميين العراقيين الذين يوافقون على تمويل المنظمات الإرهابية المصنفة من قبل الولايات المتحدة، مثل "عصائب أهل الحق "و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب حزب الله "وغيرها من الجماعات.
- إنهاء قنوات التمويل غير المباشر للميليشيات. ففي تشرين الأول/أكتوبر أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية شركة "المهندس العامة "، وهي كيان تجاري عراقي رئيسي تسيطر عليه "قوات الحشد الشعبي" على قائمة المنظمات الإرهابية. ومع ذلك، يُعتقد على نطاق واسع أن الحكومة العراقية تواصل إسناد عقود من الباطن إلى مجموعات تابعة لهذا التكتل، ما يؤدي إلى توجيه تمويل كبير إلى "قوات الحشد الشعبي ". وإذا كانت بغداد تتجاهل العقوبات الأمريكية أو تقصّر في العناية الواجبة، فيتعين على واشنطن محاسبتها.
- إعادة تقييم المساعدة الأمنية. تقدم الولايات المتحدة للعراق مستويات كبيرة من الدعم الأمني، بما في ذلك أكثر من 200 مليون دولار كمساعدات لمكافحة الإرهاب لعام 2026. ومع ذلك، وبدلاً من استخدام هذه الأموال لتقييد الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران، قامت بغداد بتخصيص مبالغ تفوق ذلك بكثير من مواردها لصالح هذه الجماعات، وسمحت لوحدات من الجيش الوطني بمشاركة القواعد معها. لقد ركزت الحكومة جهوداً كبيرة على محاربة الجماعات الإرهابية السنية مثل "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش)، لكنها مطالَبة الآن باتخاذ إجراءات حازمة ضد الجماعات الإرهابية الشيعية أيضاً - وإلا فيجب تقليص المساعدة الأمنية الأمريكية أو إنهاؤها.
- السعي إلى دعم عربي مشروط. على الرغم من أن بغداد سعت إلى تحسين علاقاتها مع الدول العربية في السنوات الأخيرة، فإن وحدات "قوات الحشد الشعبي " استهدفت ثلاث دول على الأقل خلال هذه الحرب، وفي بعض الحالات انطلقت الهجمات من أراضي منحتها الحكومة لبعض الميليشيات وبناءً على ذلك، ينبغي على واشنطن الضغط على الدول العربية، ولا سيما الخليجية، لوقف المساعدات والاستثمارات الأجنبية المباشرة في العراق إلى أن تتوقف الحكومة عن دعم هذه الجماعات.