- تحليل السياسات
- تنبيه سياسي
الحوثيون يدخلون الحرب
لماذا ضربت الجماعة الآن، وما هي الخطوة القادمة، وما تداعيات ذلك على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران؟
بعد شهر كامل من التلويح بالقوة والتهديد، أعلن الحوثيون دخولهم رسمياً على خط الحرب ضد إيران في الثامن والعشرين من آذار/مارس، حين أطلقوا وابلاً من الصواريخ باتجاه جنوب إسرائيل، وإن لم تُصب أي منها هدفها. وقد جاء هذا التحرك في سياق منطقي مع المسار التصعيدي الذي يشهده الصراع منذ فترة. ففي اليوم الذي سبق الضربة مباشرةً، كشف المتحدث باسم الحوثيين "يحيى سريع"، للمرة الأولى، عن الشروط التي ستدفع الجماعة إلى استخدام القوة العسكرية، وحصرها في ثلاثة محاور: استمرار التصعيد ضد إيران و"محور الجهاد والمقاومة"، وانضمام أطراف جديدة إلى صف الولايات المتحدة وإسرائيل—في إشارة واضحة على الأرجح إلى دول الخليج العربي—وأخيراً استخدام البحر الأحمر منصةً لتنفيذ عمليات عدائية.
وما إن انتهت الضربات حتى خرج سريع ليشرح دوافعها، مؤكداً أنها جاءت رداً مباشراً على التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي المتواصل، وفي القلب منه الاستهداف الأخير للبنية التحتية الإيرانية. وأوضح أن الحوثيين لن يتوقفوا حتى "يتوقف العدوان على جميع جبهات المقاومة." وتكتسب هذه الرسالة ثقلاً مضاعفاً في ضوء تصريحات الرئيس ترامب التي يلوِّح فيها بتصعيد عسكري من طابع مختلف، يتراوح بين استهداف البنية التحتية الحيوية لإيران—من محطات كهرباء ومنشآت تحلية مياه—والسيطرة على منشآت تصدير النفط في جزيرة خرج بقوات برية، ومروراً بإعادة فتح مضيق هرمز قسراً، وصولاً إلى تدمير ما تبقى من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني. في مواجهة هذا كله، يبعث الحوثيون برسالة لا تقبل اللبس: محور طهران يملك بدوره خيارات تصعيدية لا يتردد في توظيفها.
وهذه الخيارات تحمل وزناً استراتيجياً حقيقياً. فأبرز أوراق الضغط في يد الحوثيين هو مضيق باب المندب، وللجماعة سجل موثَّق في تحويل هذا الممر المائي الحيوي في البحر الأحمر إلى نقطة اختناق، علماً بأن نحو 12 بالمئة من إجمالي التجارة البحرية العالمية كانت تعبر منه سنوياً قبل عام 2024. وخلال حرب غزة، أرغمت حملة الحوثيين البحرية شركات الشحن الكبرى على تحويل مساراتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح الأطول، مما أضاف ما يقارب أسبوعين كاملين إلى زمن الرحلة. ولم تُجدِ نفعاً لا البعثة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة تحت مسمى "عملية حارس الازدهار"، ولا الجهد الدفاعي الأوروبي الموازي "عملية أسبيدس"، في إعادة حركة الشحن التجاري إلى مجراها الطبيعي. وحتى حين أطلقت واشنطن حملتها المكثفة التي امتدت اثنين وخمسين يوماً في إطار "عملية روف رايدر"، ونجحت في كبح الهجمات الحوثية على السفن الأمريكية، جاء ذلك بفاتورة تجاوزت المليار دولار، في حين لم تتوقف الهجمات على السفن الأخرى إلا بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر الماضي.
وقد آثر الحوثيون تأخير دخولهم إلى الحرب الراهنة عن سابق تدبُّر وحساب؛ إذ يضعهم ذلك في وضع يمكِّنهم من توجيه أكبر قدر ممكن من الضرر للاقتصاد العالمي في اللحظة المناسبة. فبينما كان الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز على يد إيران والهجمات المتكررة على منشآت الطاقة الخليجية تُلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، رافعةً التكاليف ومُعطِّلةً سلاسل التوريد ومُغذِّيةً للضغوط التضخمية، فإن إغلاق باب المندب سيُكدِّس فوق هذا الثقل ثقلاً آخر، في وقت لا تتحمله الأسواق أصلاً. والنتيجة المحتملة: دفع الولايات المتحدة نحو البحث عن مخرج تفاوضي لإنهاء الصراع. فالمضيق لا يزال يُمرِّر نحو 5 بالمئة من تجارة النفط البحرية العالمية، ويرى المحللون أن شلَّه قد يرفع سعر النفط بمقدار 20 دولاراً للبرميل. علاوة على ذلك، قد تستهدف الضربات الحوثية استراتيجية السعودية الحربية التي تعتمد على خط أنابيب الشرق-غرب للالتفاف على هرمز وضخ المزيد من النفط—نحو خمسة ملايين برميل يومياً—عبر ميناء ينبع الواقع على البحر الأحمر. وقد يتجاوز الحوثيون هذا الحد ليطالوا بضرباتهم البنية التحتية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشكل مباشر.
واللافت في تحركات الحوثيين حتى الآن أنها تنمُّ عن حسابات دقيقة. فاختيار إسرائيل هدفاً يمثِّل الدرجة الدنيا على سلم التصعيد؛ إنه يُثبت للقاعدة والحلفاء أن الجماعة لم تتخلَّ عن دورها في المواجهة، دون أن تُحرِّك الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة. وهو بالقدر ذاته يحفظ مسار التفاوض مع الرياض بشأن تسوية للحرب الأهلية اليمنية على شروط تُرضي الحوثيين—وهو ملف تعمل عليه الجماعة بصبر ومثابرة منذ سنوات. وقد خلص الحوثيون إلى أن إسرائيل ستعود إلى مهاجمتهم لا محالة، عاجلاً أم آجلاً، فضرب الآن لا يُغيِّر في حقيقة المشهد العسكري شيئاً جوهرياً—وإن كان من المرجح أن يدفع إسرائيل إلى تسريع الوتيرة.
غير أن المشهد ما إن تجاوز عتبة الانخراط المباشر حتى باتت احتمالات تصاعد الحوثيين إلى درجات أعلى من سلم التصعيد مرتفعةً فعلاً، وترتفع أكثر كلما اتسعت رقعة الصراع. وهذا المسار لا يخلو من مخاطر ترتد على الجماعة نفسها، أبرزها احتمال أن تنتهز خصومها في الداخل اليمني هذه الفرصة لإعادة إشعال جمر الحرب الأهلية المجمَّدة. بيد أن قيادة الحوثيين تبدو راسخة في قرارها، مستعدةً لتحمُّل هذه التبعات، بمعزل عن حجم المعاناة التي ستُلقيها على كاهل اليمنيين.