- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4205
الدعم الذي تتلقاه إيران في زمن الحرب: تداعياته على الشرق الأوسط وما بعده
ثلاثة خبراء يقيمون التداعيات الإقليمية والدولية للدعم الروسي والصيني لطهران، بما في ذلك مدى تأثير هذا الدعم فعلياً على الجهود الأمريكية لإضعاف قدرات النظام وإنهاء الأزمة.
في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل، نظّم معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضياً بمشاركة حسن الحسن، ونيكول غرايجيوسكي، وماثيو تافاريس. الحسن باحث أول في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، ومحلل أول سابق في ديوان سمو ولي العهد بمملكة البحرين. أما غرايجيوسكي، فهي أستاذة مساعدة في مركز الأبحاث الدولية، وباحثة غير مقيمة في برنامج السياسة النووية لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وزميلة في مشروع إدارة الذرة بمركز بيلفر التابع لجامعة هارفارد. وتافاريس مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، وشريك في تأليف تقرير معهد واشنطن الأخير «ما بعد أوكرانيا: آفاق العودة الروسية إلى الشرق الأوسط»، الذي أعدّه مشتركاً مع آنا بورشفسكايا. وفيما يلي ملخص من مداخلاتهم.
حسن الحسن
قدّمت الصين لإيران دعماً عسكرياً في مجالات عدة، ويبدو أن هذه المساعدات أثّرت في أداء طهران خلال الحرب. بعض هذا الدعم جرى على الملأ؛ إذ نشرت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية «ميزار فيجن» صور أقمار اصطناعية لأصول عسكرية أمريكية في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالمملكة العربية السعودية، قبل أيام قليلة من الهجوم الإيراني عليها. وعلى نحو مماثل، أتاح الحصول المُبلَّغ عنه على نظام أقمار اصطناعية صيني لطهران إجراء مراقبة عالية الدقة وتتبعاً آنياً للأصول العسكرية الأمريكية والبنى التحتية المدنية في الخليج، مما يفسر الدقة التي اتسمت بها الضربات الإيرانية على المنشآت البتروكيماوية والطاقوية الخليجية. ومن الدعم الصيني الظاهر أيضاً صادرات الاستخدام المزدوج إلى طهران، كبيركلورات الصوديوم المادة الأولية لوقود الصواريخ، فضلاً عن الاستخدام المحتمل لنظام الملاحة بالأقمار الاصطناعية «بيدو» لتحسين توجيه الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية.
تمثّل هذه الخطوات بالنسبة لبكين فرصة منخفضة التكلفة لإشغال الولايات المتحدة عسكرياً، واختبار القدرات الصينية المورَّدة في نزاع حقيقي، واستطلاع ما إذا كانت ثقة دول المنطقة بالولايات المتحدة في طريقها إلى التصدّع. وإن وجدت مثل هذه التشققات، فهي على الأرجح تعكس إخفاقات في الافتراضات السياسية وعملية التخطيط الاستراتيجي التي أساءت تقدير مدة الحرب وصمود إيران ومستوى ردّها، لا قصوراً في الأداء التكتيكي الأمريكي الذي جاء مبهراً. وستسعى بكين إلى استثمار أي تشقق من هذا القبيل عبر توسيع حضورها الصناعي الدفاعي في منطقة لم تُحكم فيها تاريخياً موطئ قدمها.
الدروس التكتيكية المستخلصة من هذه الحرب على الأرجح ستُتداول على نطاق واسع في دول الخليج، حتى وإن تباينت استجاباتها الاستراتيجية. فالإمارات العربية المتحدة ستُعمّق على الأرجح تعاونها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تسعى المملكة العربية السعودية إلى بناء «رباعي» إقليمي يضم مصر وباكستان وتركيا. ومن الدروس المهمة أيضاً الحاجة إلى تعزيز الصمود الإقليمي؛ إذ تنتهج دول الخليج تدابير الصمود على المستوى الوطني الفردي، مما يُفضي إلى نقاط فشل منفردة في قطاعات الكهرباء والمياه والطاقة. وتجاوز هذا الخلل يستدعي استنساخ النماذج الإقليمية القائمة، كشبكة الربط الكهربائي لمجلس التعاون الخليجي، في قطاعات أخرى كالأمن المائي والغذائي.
والعلاقة الصينية-الخليجية أعمق من أن تُختزل في مسألة الدعم العسكري لإيران. فبكين لا تزال الشريك التجاري الأكبر لدول الخليج، وتحتفظ بنفوذ معتبر على طهران، وهي في موقع جيد لتوريد المكوّنات الصناعية التي ستحتاجها دول الخليج لإعادة الإعمار. وقد زار الأمير خالد بن محمد، ولي عهد أبوظبي، بكين مؤخراً على الرغم من أن الإمارات تحمّلت النصيب الأكبر من الضربات الإيرانية في الخليج، مما يعكس متانة هذه العلاقة. في المقابل، تنحصر العلاقات الخليجية-الروسية في الإدارة المشتركة لأسواق النفط عبر «أوبك+»، مما يجعلها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي ذاته.
إن أكثر المخاطر خطورة التي تواجهها دول الخليج الآن هو احتمال أن يُقدّم الرئيس ترامب تنازلات مفرطة في أي تسوية مع إيران، بما فيها انسحابات عسكرية أمريكية محتملة من المنطقة مقابل ضمانات نووية. وبالمثل، إذا قدّمت واشنطن تخفيفاً للعقوبات دون قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وقدرات الطائرات المسيّرة ودعم الميليشيات الإقليمية، فسيحصل النظام على موارد مالية أكبر لإعادة بناء ترسانته.
غير أن أهم الأوراق الاستراتيجية التي تملكها طهران في هذا الصراع تبقى صمودها وقدرتها على توظيف الجغرافيا وأصول منخفضة التقنية نسبياً لاحتجاز مضيق هرمز رهينةً. والدعم الروسي والصيني ليسا محورياً في أيٍّ من هاتين الرافعتين.
نيكول غرايجيوسكي
في حين تمتد جذور العلاقة الدفاعية الروسية-الإيرانية إلى الحقبة السوفيتية، فقد اتسعت إبان الحرب الأهلية السورية، وازدادت عمقاً خلال الأزمة الراهنة. فضلاً عن كونها المورد الرئيسي للسلاح لطهران، زوّدت موسكو النظامَ الإيراني على الأرجح بمعارف تقنية محدّثة حول طائرات الهجوم أحادية الاتجاه، التي كانت إيران قد سبق أن ورّدتها لروسيا للاستخدام في حرب أوكرانيا. ويتجلى هذا في ضربات أسراب الطائرات المسيّرة التي شنّتها إيران في أرجاء الخليج. ومستوى التبادل الثنائي هذا من المعلومات والموارد يتخطى مجرد النقل المادي للذخائر، ويستحق المتابعة الدقيقة.
علاوة على ذلك، كان الاستخدام الإيراني المُبلَّغ عنه للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الروسية لأغراض الاستهداف وتقييم أضرار المعارك عاملاً حاسماً في حملتها بالخليج. فالبيانات التي تتلقاها عبر هذه القدرات أتاحت لها شنّ عمليات أكثر تطوراً تستهدف مراكز القيادة والسيطرة وغيرها من المواقع الحساسة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران تحصل على هذه البيانات عبر محطات أرضية أو مصادر أخرى. وتكشف تقارير صحيفة «فاينانشيال تايمز» مؤخراً أن طهران حصلت على إمكانية الوصول إلى قمر اصطناعي صيني، واستخدمته لتتبع المنشآت العسكرية الأمريكية.
وبمعزل عن توظيف المساعدات الخارجية، ركّزت إيران على اعتماد استراتيجية الدفاع الفسيفسائي خلال الحرب، من خلال توزيع المهام على الأقسام الإقليمية للحرس الثوري الإسلامي. وتُشير المعلومات المفتوحة المصدر إلى أن قادة أفراداً من قوة الفضاء في الحرس الثوري تولّوا قيادة عمليات الاستهداف التابعة للنظام. وربما أفضى توزيع المسؤوليات هذا إلى بعض الهجمات البارزة، منها الضربة الصاروخية على البحرين عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وكذلك الضربات على أذربيجان وتركيا. ومن المرجح أن تواصل إيران اعتماد الاستراتيجيات التي رأت فيها نجاعة؛ وقد شرعت بالفعل في إزالة الحطام من مداخل مستودعات الصواريخ.
وإن كان الوقت لا يزال مبكراً لتقييم الأثر البعيد للحرب على العلاقة الدفاعية الروسية-الإيرانية، فإن طهران ستحتاج إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد انتهاء القتال، وقد تضطلع موسكو بدور محوري في ذلك. وتشمل أوجه الدعم المحتملة المساعدة في المجال النووي، أو الإنتاج المشترك للصواريخ والطائرات المسيّرة.
ماثيو تافاريس
إن العمق المتجدد للتعاون التقني الروسي-الإيراني وانتعاش القاعدة الصناعية الدفاعية الروسية بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا أمرٌ يستدعي التأمل. فرغم أن موسكو تبيع معداتها لطهران منذ عقود، فإن جوانب متعددة من العلاقة قد اتسعت، وقد أتاح التوافق الاستراتيجي المتنامي بينهما التعاون التكتيكي الميداني، فضلاً عن التعاون الصناعي العسكري. فعلى سبيل المثال، تنتج روسيا في منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة في تتارستان طائرات مسيّرة مصممة إيرانياً وتعمل على تطويرها. ومنذ اندلاع الحرب، رصد المحللون الأوكرانيون توظيف طهران لهذه الطائرات المسيّرة المنخفضة الكلفة نسبياً لشنّ ضربات تشبع وهجمات أسراب تُرهق منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والخليجية الباهظة الثمن.
يُعدّ الضرر الجسيم الذي لحق بطائرة المراقبة الأمريكية «إي-3 أواكس» في قاعدة الأمير سلطان الجوية مفتاحاً لفهم المخاطر التي باتت تواجهها المنشآت التي كانت تُعدّ في السابق «آمنة» في الشرق الأوسط. فقد أغفلت الولايات المتحدة فاعلية جمع البيانات من الفضاء من قِبل روسيا والصين، مما أوجد نقاطاً عمياء في تقييمها لوضعها العسكري وقدرتها على الانتشار السريع. وقد استندت العمليات الأمريكية حتى الآن إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، مما أتاح لعدد أقل من الأفراد إدارة نطاقات واسعة من عمليات الاستهداف الناجحة. غير أنه على الرغم من تدمير الولايات المتحدة شبه الكامل لمنظومات الدفاع الجوي الإيرانية الكبرى وتآكلها لقدرات الإطلاق الباليستي، فإن المنظومات البسيطة اللامركزية التي أُبيدت جرى تحويل الاعتماد عليها إلى روسيا فعلياً، مما يُعقّد سلسلة الإمداد.
في المقابل، أبرمت أوكرانيا ترتيبات إطارية مع دول خليجية عدة لدعم إعادة تأهيل قواعدها الصناعية الدفاعية وتبادل المعرفة التكتيكية والتقنية في مجال التصدي للتهديدات الجوية. ويشمل ذلك رصد الأهداف قبل دخولها المجال الجوي، وحشد الأصول براً وجواً، واعتراض الأهداف بدقة عالية وكلفة منخفضة. وهذا سيمنح دول الخليج مزايا جوهرية في المرحلة المقبلة.
وحتى الآن، كان الدعم الروسي لإيران في زمن الحرب مهماً من دون أن يكون حاسماً. فالولايات المتحدة لا تزال في موقع جيد يُمكّنها من إدامة حصار مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى إن شاءت، ويبدو أن المسؤولين الإيرانيين يستهينون بعزم واشنطن على التمسك بهذا الموقف. ومع استمرار الحرب، يُرجَّح أن تكون أي جولة جديدة من الضربات الحليفة الكبرى أشد وطأة من الموجات السابقة نظراً لمستوى جمع المعلومات الاستخباراتية والرصد المتراكم. وعلى صعيد التخطيط الاستراتيجي، ينبغي للولايات المتحدة السعي إلى تعزيز حجم قاعدتها الصناعية الدفاعية ووتيرتها مواكبةً لخصومها. ومن منظور تخطيط السياسات، يتعيّن على واشنطن استيعاب دروس هذه الحرب للاستعداد بصورة أفضل للمخاطر المستقبلية، لا سيما ما يتعلق بقدرات روسيا والصين في جمع المعلومات ومحاكاة قدرات الذكاء الاصطناعي.
أعدّ هذا الملخص شيفان أناند ومايا تشاوفات ووئام حمّوشين. تصدر سلسلة منتدى السياسات بدعم كريم من مؤسسة وينكلر لوي.