- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4203
الانتقال من الحرب إلى الدبلوماسية: ما الذي ينتظر إيران ولبنان وغزة؟
في خضم مراحل دبلوماسية فارقة وتهديدات أمنية دولية بالغة الخطورة، يستعرض ثلاثة خبراء ما يلزم لتحقيق النجاح على مسارات تفاوضية متعددة في آنٍ واحد.
في الخامس عشر من نيسان/ أبريل، نظّم معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضياً جمع السفير مايكل هيرتسوغ وروبرت ساتلوف وحنين غدار. هيرتسوغ زميل متميز لمؤسسة تيش في معهد واشنطن، وسفير إسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة، وعميد متقاعد في جيش الدفاع الإسرائيلي. وساتلوف المدير التنفيذي للمعهد وصاحب كرسي هوارد بيركوفيتز في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. أما غدار فزميلة أولى لمؤسسة فريدمان في المعهد، والمشاركة في تأليف «خريطة طريق للسلام بين إسرائيل ولبنان». وفيما يلي ملخص لمداخلاتهم أعده المقررون.
مايكل هيرتسوغ
تخوض إسرائيل مرحلة انتقال صعبة من الحرب إلى الدبلوماسية على ثلاث جبهات في آنٍ واحد، تتولى الولايات المتحدة قيادة اثنتين منهما: إيران وغزة. وعلى الرغم من المكاسب الميدانية الملموسة التي تحققت على كل جبهة، فإنها لم تتحوّل بعد إلى مخرجات سياسية دائمة.
يُفرز التحول نحو الدبلوماسية ضغوطاً حقيقية على إسرائيل. فالقدس وواشنطن معاً اشترطتا نزع التسليح الكامل لأي تسوية، إلا أن الأطراف المعنية على كل جبهة — إيران وحزب الله وحماس — أبت الامتثال. عوضاً عن ذلك، سعت إلى توظيف أوراقها اللامتماثلة وتكبيد الخصم أثماناً باهظة مقابل استئناف القتال أو الإبقاء على حدّته. وقد زاد من تعقيد المشهد أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تصلّبت بعد السابع من أكتوبر؛ فلم تعد القدس تقبل بالردع وحده أو بالاعتماد على أطراف ثالثة للتعامل مع التهديدات، بل باتت تتّكئ على قوتها العسكرية لاستئصالها قبل أن تتجذّر. ويُضاف إلى ذلك أن البلاد تمر بعام انتخابي لا تحظى فيه التنازلات الدبلوماسية بأي رصيد سياسي.
على الجبهة الإيرانية، ينتظر الطرفان ما ستُسفر عنه المساعي الدبلوماسية الأمريكية، وما إذا كانت الأزمة ستُعجّل بتغيير النظام — وهو هدف تحتلّ مكانة أعلى في سلّم أولويات القدس منه في واشنطن. بيد أن الحملة العسكرية ألحقت بالبنية الصناعية للجمهورية الإسلامية وسائر قطاعاتها خسائر فادحة أخّرتها سنوات، وهو ما يُلزم إسرائيل باستثمار هذا الهامش الزمني على أكمل وجه. ويستدعي ذلك تطوير منظومات دفاعية وهجومية جديدة — من بينها درع ليزري شامل — وبناء هيكل أمني إقليمي متين مع دول الخليج التي لا تزال تستوعب صدمة الضربات الإيرانية الواسعة. كذلك لا غنى عن استراتيجية بعيدة المدى تُعمّق الهوّة بين النظام الإيراني وشعبه.
في غزة، رفضت حماس خطة نزع التسليح التي قدّمها نيكولاي ملادينوف بوصفه مبعوثاً لمجلس السلام الذي تقوده واشنطن. ويقف الجميع الآن أمام سؤال جوهري: هل ستأذن إدارة ترامب باستئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الخاضعة لحماس، معترفةً ضمنياً بإخفاق مقاربتها؟ وفي غياب الخيار العسكري، يبقى الرافع الأجدى هو ربط إعادة الإعمار بنزع التسليح، مع التركيز على تفكيك ما تبقّى من شبكة أنفاق حماس الشاسعة. وفي هذه الأثناء، ينبغي لإسرائيل تيسير الآليات التي أطلقها ملادينوف لبناء منظومة حوكمة وقوة أمنية في القطاع. وعلى الرغم من أن غالبية سكان غزة يُحمّلون حماس مسؤولية الحرب ويعبّرون عن سخطهم من حكمها، فإن أحداً لم يجرؤ على الانتفاض في وجهها بعد.
على الجبهة اللبنانية، ينظر القادة الإسرائيليون بعين الريبة إلى قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، ولهذا واصلوا عملياتهم العسكرية ضده بالتوازي مع المفاوضات مع بيروت. ويدفع الرأي العام الإسرائيلي قيادته نحو نتيجة حاسمة على ساحة المعركة، لا نحو وقف القتال. وفي الوقت ذاته، فتح الإضعاف غير المسبوق لحزب الله، وتقاطع المصالح الإسرائيلية واللبنانية في نزع سلاحه، نافذةً استراتيجية نادرة لا ينبغي إهدارها.
بات الصراع اللبناني اختباراً عملياً لمدى نجاعة الجمع بين الأداتين العسكرية والدبلوماسية. وينبغي أن ترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية على إحداث تحوّل في موازين القوى بين بيروت وحزب الله: إضعاف التنظيم بضربات عسكرية نوعية، وقطع شريان الدعم الإيراني عنه، وإحداث شرخ بين قياداته وعموم المجتمع الشيعي اللبناني — في مقابل تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وتشجيع انخراط أمريكي وسعودي وإقليمي فاعل في دعم البلاد وتوجيه المسار الدبلوماسي.
روبرت ساتلوف
تتّسم اللحظة الدبلوماسية الراهنة بتعقيد استثنائي؛ إذ تجري في آنٍ واحد ثلاثة مسارات متمايزة: حوار أمريكي-إيراني مباشر على أعلى المستويات لم يشهد له مثيل منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل سبعة وأربعين عاماً؛ ومبادرة مجلس السلام الأمريكية الإبداعية في غزة؛ ومفاوضات تقليدية تقودها وزارة الخارجية بين مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين في واشنطن. وما يترتب على هذه المسارات مجتمعةً يتجاوز قدرة الوصف؛ فثمة مصلحة أمريكية عمرها أكثر من قرنين في حرية الملاحة، وجهد متواصل على مدى ثلاثة عقود لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهدف لفكّ لبنان من قبضة طهران، وآخر لتفكيك حماس وإزاحتها من حكم غزة.
على الصعيد السياسي الداخلي الأمريكي، تمتد تداعيات هذه الدبلوماسية لتطال مستقبل حركة ماغا، والتحولات في صفوف الحزب الديمقراطي، ومجريات انتخابات التجديد النصفي، والمسار المقلق للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. وتتابع هذه المشهدَ عن كثب شركاءُ الخليج وحلفاء أوروبا والمنافسون على حدٍّ سواء، ولكلٍّ منهم حصّته في ما ستؤول إليه واشنطن.
على الصعيد العسكري، أدّت القوات الأمريكية مهامها بكفاءة واحترافية لافتتين. وإن وُجدت فجوات بين الأهداف والوسائل والنتائج، فمردّها ضبابية الأهداف لا تقصير في التنفيذ. ففي مضيق هرمز يتمتع الأسطول الأمريكي بتفوق راسخ، وقد يُشكّل الحصار أداةً ضاغطة فعّالة لانتزاع تغييرات في السلوك الإيراني.
لم تتناول وسائل الإعلام الملفَّ النووي في محادثات إيران بالوضوح الكافي، مما يُصعّب تقييم الخيارات التي تتبنّاها إدارة ترامب. غير أن منطق الحوافز المقدَّمة لطهران لا لبس فيه: إذا تعهّدت تعهداً دائماً وقابلاً للتحقق بوقف تخصيب اليورانيوم وإرسال مخزونه إلى الخارج، استحقّت تخفيفاً جوهرياً للعقوبات. أما الصفقات الأضيق، فتقابلها مكافآت أقل.
في غزة، تحققت مكاسب عسكرية بارزة، لكن حماس لا تزال تُمسك بزمام ما يزيد على أربعين بالمائة من القطاع. والثغرة الكبرى في الاستراتيجية المناهضة لها تتمثل في غياب البديل السياسي والعسكري؛ فلا تمويل له ولا دعم ولا تمكين. ولا بديل عن الإسراع في بناء حكومة تكنوقراط، وإشراك السلطة الفلسطينية إشراكاً حقيقياً، وتأهيل قوات أمنية محلية — وهي أولويات لا يمكن تأجيلها.
في لبنان، تلقّى حزب الله ضربة موجعة لكنه لم يُنهَك بعد، وثمة سقف موضوعي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غياب أي نية لاحتلال البلاد. والأمل المنشود هو أن يبلغ إضعاف الحزب حداً يجعل الدولة اللبنانية وجيشها راغبَين وقادرَين فعلياً على الوفاء بالتزامهما بنزع السلاح. ومن أبرز ما أنجزته الدبلوماسية الأخيرة فصلٌ غير مسبوق بين لبنان وإيران؛ إذ رفضت واشنطن إدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار مع طهران، فيما رفضت بيروت إملاءات حزب الله بالانسحاب من المفاوضات مع إسرائيل.
وثمة خيطٌ يجمع المسارات الثلاثة: مشكلة «الطرف الثالث المغيَّب». فمستقبل الشعب الإيراني كان في صدارة الأهداف المُعلنة عند تعريف أغراض الحرب، ثم تراجع عن مائدة المفاوضات. وفي غزة، غاب البديل عن حماس غياباً شبه تام عن المفاوضات الأخيرة. وفي لبنان، يفتقر مسار إسرائيل-لبنان حتى الآن إلى تصريح مشترك وصريح بمصلحة الطرفين في نزع سلاح حزب الله. وعلى السياسة الأمريكية معالجة هذه الثغرات، حتى لو اقتضى ذلك العمل خارج الأطر التفاوضية الرسمية.
وفي المحصلة، الصبر رصيدٌ استراتيجي لا يُستهان به. فسبعة وأربعون عاماً من الصراع الأمريكي-الإيراني لا يمكن طيّها في واحد وعشرين ساعة من التفاوض. والمعطيات الراهنة تصبّ في صالح أمريكا شرط أن تُمنح الدبلوماسية مداها الطبيعي. كذلك يجب الإفراج عن الوهم الشائع القائل بأن الضغط العسكري والدبلوماسية ضدّان لا يلتقيان؛ فالحقيقة أنهما في الغالب متكاملان لا متناقضان. فالضغط — السياسي والاقتصادي والعسكري عند الاقتضاء — ليس نقيض الدبلوماسية بل أحد أعمدتها.
حنين غدار
تمثّل المفاوضات الجارية مع إسرائيل انتصاراً حقيقياً لسيادة لبنان. فطهران عجزت عن ثني بيروت عن التفاوض باسمها، فيما وجد حزب الله والحرس الثوري نفسيهما مضعَفَين وعاجزَين عن ترجمة عملياتهما العسكرية إلى نفوذ سياسي. والأهم من ذلك أن المحادثات لم تقابلها موجة احتجاجات شعبية ولا تصعيد من حزب الله، مما يُشير إلى أن حلفاءه الشيعة — وفي مقدّمتهم رئيس البرلمان نبيه بري زعيم حركة أمل — باتوا يُعيدون حساباتهم إزاء المفاوضات، لا سيما بعد أن طالت الغارات الإسرائيلية عناصر أمل في بيروت الأسبوع الماضي. فبري كان حتى وقت قريب العقبة الرئيسية في وجه أي تواصل مع إسرائيل، إذ استخدم ثقله لتعطيل المفاوضات رغم دعوات الرئيس جوزيف عون إلى محادثات مباشرة. ومنذ الضربات التي طالت بيروت، لم يُبدِ بري اعتراضاً علنياً.
جاء لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات بأولويات متباينة — وقف إطلاق النار من جهة، ونزع التسليح من جهة أخرى — غير أنهما يلتقيان على هدف واحد هو السلام. وحقيقة أنهما يتحاوران بصورة مباشرة برعاية أمريكية وبدافع مشترك نحو السلام تمنح مساحة للتفاؤل. بيد أن جميع الأطراف مطالَبة بفهم أن وقف إطلاق النار ونزع التسليح وجهان لعملة واحدة؛ فبقاء سلاح حزب الله معناه حتمية عودة الحرب. والجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المؤهلة لإنجاز هذه المهمة، لكن أداءه حتى الآن لم يُكسبه الثقة الإسرائيلية. ولهذا يتعيّن عليه اتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة والتقيّد بجداول زمنية واضحة، يمكن ربطها بمراحل وقف إطلاق النار.
فيما يتعلق بتدفق المساعدات الإنسانية، يقع على عاتق بيروت التزام بضمان وصولها مباشرةً إلى مستحقيها دون أن تُختطف عبر منظمات غير حكومية خاضعة لسيطرة حزب الله. وبينما تعمل الحكومة على استعادة سيادتها على أراضيها ومواردها ومؤسساتها، ينبغي لواشنطن أن تدعم ترتيبات التوزيع التي تُرسّخ هذه السيادة ولا تنخر فيها. في المقابل، يواصل حزب الله ضخّ بعض المساعدات عبر شبكاته، فيما تستمر الحكومة في تمويل مجلس الجنوب الخاضع لنفوذ الحزب وبري.
وحتى مع التراجع العسكري لحزب الله، يبقى عصب قوته الداخلية متمثلاً في نفوذه المالي والاجتماعي. لذا فإن أي تخفيف للعقوبات على إيران لن يتوقف أثره عند حدودها؛ إذ يمكن لطهران توظيف جزء من العائد لضخّ الأموال في شرايين حزب الله. ولا يزال الحرس الثوري يُدير عمليات الحزب من الداخل، ومن ثَمّ فإن أي إفادة الحرس من تخفيف العقوبات ستنعكس حتماً على الحزب. والحدّ من هذا الخطر يستلزم إرفاق أي مساعدات دولية برقابة مشددة ومتابعة صارمة.
وفي السياق ذاته، مطلوب من بيروت العمل على تقليص تغلغل حزب الله في أجهزة الدولة، عبر إصلاح المنظومة الأمنية وآليات التعيينات. ومطلوب من واشنطن استخدام العقوبات ورقةً ضاغطة للحدّ من سيطرة الحزب على المؤسسات الحكومية وقنوات المساعدات، وتجفيف شبكاته المالية.
وإن كانت المجتمعات الشيعية في الجنوب ليست كتلة صماء، فإنها تُجمع في مجملها على أن إعادة الإعمار لن تُكتمل قبل نزع سلاح حزب الله. ويعيش هذا المجتمع تناقضاً عميقاً في ولاءاته: فثقته بالحزب تآكلت لأنه زجّه في حرب إيران على حساب مصالحه. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، يواصل حزب الله — لا الحكومة — نزيف الحاضنة الشعبية الشيعية. الشعب يريد قيادة قادرة وحازمة، لكن الحكومة الراهنة تفتقر إلى الصلاحية وقوة التنفيذ، فيما تبقى القوى الشيعية المناهضة للحزب مفككة ومتنافسة على الفراغ.
أعدّ هذا الملخص: كيت شيسنت، ونافا غولدشتاين، وفيرجينيا ماكآرثر. يُقام منتدى السياسات بفضل كرم مؤسسة وينكلر لووي.