- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4256
الانتخابات المغربية تسلط الضوء على المظالم التي لا تزال تثير الاحتجاجات
على الرغم من أنه من غير المرجح أن تؤثر النتائج على ملفات السياسة الأمريكية الرئيسية، مثل النزاع حول الصحراء الغربية ومشاركة المغرب في جهود حفظ السلام في غزة، فإن على واشنطن أن تظل يقظة حيال التداعيات السياسية المحتملة للسخط المتزايد، لا سيما بين الأجيال الشابة في المملكة.
في 23 أيلول/سبتمبر، سيختار المغاربة أعضاء مجلس النواب، الغرفة الدنيا في البرلمان، وذلك في أول انتخابات وطنية منذ احتجاجات "جيل زد 212" التي قادها الشباب، والتي اندلعت قبل عام. وحتى في حال تشكيل حكومة تقودها المعارضة، فمن غير المرجح أن تتأثر الملفات الاستراتيجية التي تحظى بأهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة. ومع ذلك، ستختبر النتائج مدى قدرة المسؤولين المنتخبين على الاستجابة للمطالب التي أشعلت تلك الاحتجاجات. ومهما كان الفائز، فإن الحكومة المقبلة ستواجه مجموعة من القيود الهيكلية والسياسية الراسخة التي قد تعقد جهود الإصلاح.
السياق الانتخابي
منذ منتصف التسعينيات، أتاح البرلمان المغربي للمواطنين منفذاً محدوداً للمشاركة السياسية. يتألف مجلس النواب من 395 نائباً يمثلون 92 دائرة محلية و12 دائرة إقليمية. ومن المرجح أن يتنافس أكثر من ثلاثين حزباً سياسياً في انتخابات هذا العام، من دون اشتراط تجاوز حد أدنى من الأصوات للفوز بمقعد.
يعين الملك رئيس الحكومة، وعلى الرغم من أنه يجب عليه الاختيار من الحزب الذي يفوز بالعدد الأكبر من المقاعد، فإنه يحتفظ بنفوذ واسع على عمل السلطة التنفيذية. وبالتالي، في حين أن الحكومة المنتخبة مسؤولة في الغالب أمام الناخبين عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فإن هامش استقلاليتها يظل محدوداً؛ إذ يحتفظ الملك بالسيطرة على المجالات السيادية، بما في ذلك الأمن القومي والشؤون الدينية والتوجه الاستراتيجي للسياسة الخارجية.
في أيلول/سبتمبر 2025، أدت أوجه القصور في قطاع الصحة العامة في أغادير - حيث توفيت ثماني نساء بعد خضوعهن لعمليات قيصرية - إلى اندلاع حركة احتجاج "جيل زد 212"، التي سميت تيمناً برمز الهاتفي الدولي للمغرب. وركزت شعارات الحركة على تدني جودة نظامي الصحة والتعليم العامين في المملكة، خاصة في المناطق الريفية، فضلاً عن الفساد وبطالة الشباب، لا سيماً بين خريجي الجامعات. فاجأت الاحتجاجات الحكومة، لكن المطالب بتحسين الخدمات والفرص لم تكن جديدة. فقد كانت برامج توسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية قيد التنفيذ بالفعل، إلا أن النتائج لم تظهر بالسرعة المرجوة. وتظهر البيانات الصادرة عن محكمة الحسابات، وهي هيئة التدقيق الحكومية في المغرب، أن برنامج " التأمين الإجباري الأساسي" في المملكة، لم يسهم في خفض التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم بشكل ملموس، إذ ظلت تشكل في المتوسط 34% من إجمالي تكاليف الرعاية الصحية في عام 2024. علاوة على ذلك، فإن 91% من تعويضات برنامج" التأمين الإجباري الأساسي" ، تذهب إلى العيادات الخاصة، رغم أن معظم المواطنين يلجؤون إلى المستشفيات العامة للحصول على الرعاية.
في أعقاب الاحتجاجات، طالب الملك الحكومة بزيادة مخصصات الصحة والتعليم في ميزانية عام 2026 بنسبة 18%، لتصل إلى 140 مليار درهم (15 مليار دولار). كما وعدت السلطات بتوفير 8,000 وظيفة جديدة في قطاع الصحة، و19,000 وظيفة جديدة في قطاع التعليم، وتجديد تسعين مستشفى.
بالإضافة إلى ذلك، اتخذت الحكومة خطوات لإشراك المزيد من الشباب في الحياة السياسية، حيث خصصت أموالاً لتغطية ما يصل إلى 75% من تكاليف الحملات الانتخابية للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً، كما ألزمت الأحزاب الجديدة بإشراك الشباب في هيئاتها التأسيسية. ومع ذلك، واصلت حركة "جيل زد 212" نشاطها، ولا تزال تؤثر في المنافسة البرلمانية المرتقبة.
ما الذي ستغيره الانتخابات - وما الذي لن تغيره
على الرغم من وعود الحكومة، لا تشير المؤشرات التي تسبق الانتخابات إلى حدوث تغييرات جذرية، ويتوقع المعلقون ارتفاع نسبة العزوف عن التصويت. في انتخابات عام 2021، أدلى حوالي 50% من الناخبين المؤهلين بأصواتهم - في حين لم تتجاوز نسبة المشاركة في أحدث الانتخابات البرلمانية في الجزائر وتونس المجاورتين 21% و11% على التوالي. لكن هذا العام، يقل عدد الناخبين المغاربة المسجلين بنحو 2.2 مليون ناخب عن عام 2021، حين يرجح أن تكون الانتخابات المحلية التي أجريت بالتزامن معها قد أسهمت في رفع نسبة المشاركة. وتظهر بيانات وزارة الداخلية أن معدل تسجيل الشباب منخفض بشكل خاص: فالناخبون الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما لا يشكلون سوى 18% من إجمالي الناخبين المسجلين، بينما لا تمثل الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاما سوى 3% فقط، مع أن حوالي 25% من سكان المملكة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما.
علاوة على ذلك، يدرك معظم المغاربة أن تلبية المطالب التي أشعلت احتجاجات "جيل زد 212" ستستغرق سنوات. على سبيل المثال، من أصل 3.3 مليار درهم (350 مليون دولار) وعدت الحكومة بتخصيصها لبناء المستشفيات وتجديدها، لم تدرج في الميزانية سوى مخصصات عام 2026. وفي منطقة الدار البيضاء-سطات - وهي المنطقة الوحيدة التي لديها جدول زمني منشور - لا يتوقع الانتهاء من أي أعمال تجديد قبل موعد الانتخابات.
وتشير التطورات الأخيرة أيضاً إلى أن صانعي السياسات ما زالوا يواجهون صعوبة في إيجاد حلول لمشكلة عدم المساواة. على سبيل المثال، بدا أن إحباط الشباب قد برز مجددا في أواخر تموز/يوليو عندما عبر عشرات الآلاف من الأشخاص - معظمهم من المغاربة - بشكل غير قانوني إلى سبتة، وهي مدينة في شمال أفريقيا تخضع للسيطرة الإسبانية منذ ما يقرب من 450 عاماً، وتطالب الرباط بالسيادة عليها منذ فترة طويلة. وكان هذا التدفق مدفوعا إلى حد كبير بوسائل التواصل الاجتماعي، وفسر على أنه تعبير متجدد عن المظالم نفسها التي أدت إلى نشوء حركة "جيل زد 212" وزعم بعض المعلقين الإسبان أن السلطات المغربية سمحت بهذا التدفق، لكن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز رفض هذا الاتهام، قائلا للنواب إن أيا من المؤسسات لم يقدم لمدريد "أدلة دامغة" على تورط المملكة.
كما استمرت تحديات الإصلاح على الصعيد الانتخابي. ففي عام 2011، خصصت السلطات 30 مقعدا من مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدا للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن أربعين عاماً، في أعقاب "حركة 20 فبراير" التي قادها الشباب. لكن قبيل الانتخابات البرلمانية لعام 2021، وسعت حصة التمثيل النسائي من 60 مقعدا إلى 90 مقعداً، وذلك على حساب المقاعد الثلاثين التي كانت مخصصة للمرشحين الشباب. وبالمثل، سعت الحكومة إلى إصلاح الإطار التشريعي من خلال إدراج خيارات التسجيل الإلكتروني للمرشحين وأدوات رقمية أخرى، ما يجعل المشاركة، من الناحية النظرية، أكثر سهولة بالنسبة للشباب. لكن في الواقع، قد تؤدي مثل هذه التدابير في النهاية إلى تعميق الفجوة بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية التي تتمتع بقدر أكبر من الاتصال الرقمي.
وقد واجهت جهود إصلاحية أخرى قيوداً هيكلية راسخة في المملكة، لا سيما في قطاع الصحة. على سبيل المثال:
- أنشأ قانون صادر عام 2022 نظاماً جديداً لإدارة المستشفيات، تتولى بموجبه المجموعات الصحية الإقليمية مسؤولية الخدمات في مناطقها. وكان الهدف من القانون تحقيق اللامركزية في الرعاية الصحية وتحسين تكامل الخدمات المحلية، بما يتيح تبسيط تقديم الرعاية وتكييفها مع الاحتياجات المحلية. ومع ذلك، لم تبدأ المجموعات الإقليمية الجديدة عملها بعد، على الرغم من الجهود التي بذلها مجلس الوزراء - برئاسة الملك - لتسريع هذه العملية في وقت سابق من هذا العام.
- في أعقاب احتجاجات "جيل زد 212"، أقر البرلمان قانوناً جديداًلتحسين ظروف العمل والتدريب والمعدات للعاملين في قطاع الصحة. ومع ذلك، لا تزال تفاصيله قيد التفاوض مع النقابات، وحتى بعد الاتفاق على هذه التفاصيل، سيستغرق البرنامج ما لا يقل عن عقد من الزمن لتخريج جيل جديد من العاملين في القطاع الصحي يتمتع بتدريب وتجهيز أفضل.
- وتعد التكاليف المرتفعة التي يتحملها المرضى من جيوبهم في إطار برنامج " التأمين الإجباري الأساسي" من بقايا سياسة لم تقوم وزارة الصحة بمراجعتها منذ عام 2006. ولا يمثل الحل المطلوب تحديا كبيرا من الناحية الفنية، لكنه سيزيد الأعباء المالية على الدولة وشركات التأمين، ولذلك جرى تأجيله مراراً.
تشير هذه الأمثلة إلى أن تحسين الخدمات سيظل بطيئا حتى بعد تشكيل حكومة جديدة، بسبب العقبات الهيكلية واحتمال غياب الإرادة السياسية الكافية. ورداً على هذه التأخيرات، بدأ المزيد من المغاربة - لا سيما الشباب - يلجؤون إلى الاحتجاج والهجرة بدلاً من قنوات المشاركة السياسية الرسمية. ومن غير المرجح أن يؤدي التصويت هذا الشهر إلى تغيير هذا الاتجاه. التغييرات المحتملة في تشكيل الحكومة
الحكومة المنتهية ولايتها هي ائتلاف ثلاثي الأحزاب بقيادة "التجمع الوطني للمستقلين" ، الذي فاز بـ102 مقعد في عام 2021، ويحكم بالتحالف مع "حزب الأصالة والحداثة" (87 مقعدا) و"حزب الاستقلال" (81 مقعدا). وقد استقال زعيم "التجمع الوطني للمستقلين" عزيز أخنوش - أحد أغنى رجال الأعمال في البلاد - من رئاسة الحزب في أعقاب احتجاجات "جيل زد 212".
يتوقع المراقبون أن يقود الحكومة المقبلة إما فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أو فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة الإسكان ورئيسة بلدية مراكش. ورغم أن كلا السيناريوهين - إما حكومة تضع إنجاح تنظيم كأس العالم 2030 في صدارة أولوياتها، أو حكومة تقودها امرأة - سيكونان غير مسبوقين، فإن أيا منهما لن يمثل قطيعة مع المؤسسة الحاكمة.
كما تثير الانتخابات احتمال عودة "حزب العدالة والتنمية"، الحزب الإسلامي الذي فاز في انتخابات عام 2011، لكنه خسر ما يقرب من 90% من مقاعده في عام 2021. واليوم، يقود "حزب العدالة والتنمية" مرة أخرى عبد الإله بنكيران، رئيس الوزراء السابق الذي قاد الحزب إلى السلطة في عام 2011، رغم إعلانه عدم الترشح هذا العام. وتحت قيادته، ركز الحزب في حملته الانتخابية على الاستجابة لمظالم المحتجين. ومع ذلك، وبالنظر إلى خسائره الفادحة في الانتخابات السابقة، فمن غير المرجح أن يفوز بعدد كاف من المقاعد يتيح له المشاركة في الحكومة المقبلة.
الآثار المترتبة على سياسة الولايات المتحدة
سيظل تحسين الخدمات الاجتماعية وتوسيع فرص العمل من أكبر التحديات التي ستواجه الدفعة المقبلة من أعضاء البرلمان المغربي. وإذا فشلوا في التعامل مع هذه التحديات بصورة مباشرة، فقد تسهم هذه القضايا في زعزعة استقرار بلد استثمرت فيه الولايات المتحدة نحو 700 مليون دولار من خلال تمويل "مؤسسة تحدي الألفية"، وطورت معه علاقات وثيقة في مجالات التجارة والدفاع ومكافحة الإرهاب.
ومع تراجع المساعدات الخارجية الأمريكية التقليدية في الوقت الراهن، ستصبح قدرة واشنطن على دعم حليفتها في مواجهة هذه التحديات أكثر اعتماداً على استثمارات القطاع الخاص. وتعمل "مؤسسة تمويل التنمية" بالفعل في المغرب، حيث قدمت قروضا والتزمت بدعم تنمية القطاع الخاص في قطاعات التصنيع والطاقة والبنية التحتية والأعمال الزراعية والمشاريع الصغيرة - وهي محفظة تنطوي على إمكانات كبيرة لزيادة عدد المشاريع التي توفر فرص عمل للشباب المتعلم وتوسيع نطاقها.
وفي الوقت نفسه، من شبه المؤكد أن القضايا الاستراتيجية ذات الأهمية الكبيرة للولايات المتحدة ستظل بمنأى عن أي تغييرات برلمانية، بغض النظر عن نتيجة الانتخابات. ويشمل ذلك منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها والتزام المغرب بإرسال قوات إلى "قوة الاستقرار الدولية" في غزة، وكلاهما مرتبط باستئناف الرباط علاقاتها مع إسرائيل في عام 2020. وعلى الورق، قد تبدو بعض الأحزاب معارضة لهذه المصالح الأمريكية - على سبيل المثال، أعرب "حزب العدالة والتنمية" عن دعمه لإيران خلال حرب حزيران/يونيو 2025، ودعا وفداً من "حماس" للمشاركة عن بعد في مؤتمر الحزب الذي عقده في نيسان/أبريل من ذلك العام، في حين تعهد بنكيران بمضاعفة دعم الحزب لفلسطين. ومع ذلك، حتى لو تمكن "حزب العدالة والتنمية" من تحقيق مفاجأة انتخابية، فمن غير المرجح أن يشكل تحدياً جدياً للنهج الذي تتبعه المملكة، نظرا إلى أن السياسة الخارجية تندرج ضمن المجالات السيادية التي تديرها المؤسسة الملكية. وبالفعل، فقد كانت الحكومة التي قادها "حزب العدالة والتنمية" هي التي استأنف المغرب في عهدها علاقاته مع إسرائيل بموجب الإعلان الثلاثي الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2020، على الرغم من اعتراضات الجناحين الشبابي والديني في الحزب.