- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4265
عنف المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية: بيانات جديدة تستدعي استراتيجية جديدة
شهدت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون ارتفاعاً حاداً من حيث الحجم والخطورة، حيث تحولت من حوادث كانت في الغالب ردود فعل إلى جهد استراتيجي أكثر استباقية يهدف إلى تهجير المجتمعات الفلسطينية والاستيلاء على الأراضي.
على الرغم من الاختلافات في كيفية قيام مختلف الوكالات بجمع وتصنيف أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون في الضفة الغربية، فإن جميع المعلومات المتاحة تشير إلى أن المشكلة قد توسعت بشكل مطرد على مدى السنوات الثلاث الماضية، وهو ما ينعكس في جرأة الجناة وعدد هذه الأعمال وخطورتها وانتشارها الجغرافي ومستوى التنظيم المتزايد وراءها. وفي الواقع، أصبح هذا العنف جزءاً من مجموعة أوسع من الإجراءات القسرية التي تهدف إلى الضغط على المجتمعات الفلسطينية للتخلي عن ممتلكاتها، وبالتالي ترسيخ السيطرة اليهودية على هذه المناطق. وبصرف النظر عن المخاطر التي يشكلها ذلك على المدنيين الفلسطينيين، فإن هذا التحول ينطوي على مخاطر جسيمة على شرعية إسرائيل الدولية، وسيادة القانون في الضفة الغربية، ومستقبل أي حل دبلوماسي محتمل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ويجب أن يستند الرد الفعال إلى ثلاث ركائز أساسية - السياسة العامة، والشرطة، والوقاية القائمة على المعلومات الاستخباراتية - لكن هذه الركائز الثلاث تعاني حالياً من ثغرات خطيرة.
ما تظهره البيانات
بشكل عام، هناك نظامان مختلفان لرصد حوادث العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون. فيعتمد "جيش الدفاع الإسرائيلي" و"جهاز الأمن الإسرائيلي" (ISA) و"الشرطة الإسرائيلية" إطاراً أمنياً عسكرياً يقتصر على احتساب الاعتداءات الجسدية وإطلاق النار ورشق الحجارة وإحراق الممتلكات. في المقابل، تشمل إحصاءات وكالات "الأمم المتحدة" ومنظمات حقوق الإنسان التهديدات والترهيب وإقامة الحواجز والإضرار بالممتلكات. ومع ذلك، ورغم اختلاف الأرقام، فإن الاتجاه واحد، حيث تظهر مجموعتا البيانات ارتفاعاً حاداً ومستمراً في مستوى وتواتر العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، خاصة منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفقاً لبيانات "جيش الدفاع الإسرائيلي"، ارتفع عدد حوادث "الجرائم القومية" (المصطلح المستخدم للإشارة إلى الاعتداءات الجسدية) إلى 870 حادثة في عام 2025، مقارنة بـ495 حادثة في العام السابق. وبالمثل، ارتفع عدد الهجمات المصنفة على أنها "شديدة" من 83 إلى 120. كما تتزايد معدلات الوفيات بين الفلسطينيين، حيث أفاد "جهاز الأمن الإسرائيلي" (ISA) بمقتل 15 شخصاً في هجمات المستوطنين خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى آب/أغسطس 2026، وهو ما يقارب ضعف عدد القتلى البالغ 8 أشخاص في عام 2025 بأكمله.
وفي الوقت نفسه، وفقاً للبيانات التي جمعها "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (UNOCHA) بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو 2026، نفذ المستوطنون المتطرفون 1,380 هجوماً في حوالي 250 تجمعاً فلسطينياً، مما أسفر عن إصابة ما يقرب من 900 فلسطيني (بعضهم على يد قوات الأمن الإسرائيلية خلال عمليات محلية نجمت عن هذه المواجهات). وتظهر بيانات "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (OCHA) أيضاً أن المتوسط الشهري لهذه الحوادث زاد بنحو أربعة عشر ضعفاً بين عامي 2020 و2026.كما أدى تغير الدوافع إلى تحول نوعي في طبيعة العنف. ففي حين كانت معظم هجمات المستوطنين المتطرفين في السابق مدفوعة بالانتقام أو الرغبة في الردع في أعقاب الهجمات الإرهابية الفلسطينية (مثل ما يسمى بحوادث "دفع الثمن")، يبدو أن الجناة لم يعودوا مدفوعين في المقام الأول بهذه العوامل. ويعزى هذا التحول جزئياً إلى تراجع الإرهاب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس. ووفقاً لبيانات "جهاز الأمن الإسرائيلي" (ISA)، انخفضت الهجمات الفلسطينية من 414 هجمة في عام 2023 إلى 68 هجمة في عام 2025؛ وفي النصف الأول من عام 2026، لم يسجل سوى 21 هجمة. كما انخفض عدد القتلى الإسرائيليين جراء هذه الهجمات، من 46 في عام 2024 إلى 25 في عام 2025، وإلى 3 فقط هذا العام حتى شهر تموز/يوليو.
ونظراً لانخفاض عدد الهجمات الفلسطينية التي يمكن أن تكون دافعاً للانتقام، أصبح عنف المستوطنين أقل ارتباطاً برد الفعل وأكثر استخداماً كأداة استباقية في الصراع من أجل الوجود والسيطرة في الضفة الغربية. ويقيم معظم الجناة في البؤر الاستيطانية والمزارع التي أقيمت في المناطق الخالية والمفتوحة بين المجتمعات اليهودية والفلسطينية، أو ينطلقون منها، بدلاً من الكتل الاستيطانية الراسخة (لمزيد من المعلومات حول هذه المواقع، انظر القسم التالي). بالإضافة إلى الاعتداءات الجسدية، عادة ما يرتكب المستوطنون انتهاكات أخرى تشير إلى نيتهم الأوسع في دفع الفلسطينيين إلى الرحيل، مثل منع الوصول إلى الأراضي الزراعية؛ وتدمير المحاصيل وأشجار الزيتون والمعدات الزراعية؛ وتخريب المنازل والبنية التحتية للمياه والكهرباء؛ وسرقة الماشية أو قتلها.
في الماضي، كانت هذه الهجمات بين المجتمعات المحلية تحدث بشكل رئيسي في المنطقة "ج"، وهي الجزء من الضفة الغربية الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب "اتفاقيات أوسلو". إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت امتداداً لهذه الهجمات إلى المنطقة "ب" (التي تخضع للإدارة المدنية الفلسطينية والرقابة الأمنية الإسرائيلية) وحتى المنطقة "أ" (التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة). على سبيل المثال، شهدت المناطق القريبة من قرية قصرة الشمالية - التي تقع جزئياً في المنطقة "ب" وجزئياً في المنطقة "ج" - هجمات متطرفة متكررة ومتفرقة، تحولت إلى حملة ضغط مستمرة، وبلغت ذروتها في حصار فعلي بدأ في آب/أغسطس. كما امتد العنف المتطرف نحو الجنوب منذ عام 2023، بعد أن كان يتركز سابقاً في الأجزاء الشمالية من الضفة الغربية.
من هم المهاجمون، ومن يدعمهم؟
تتألف النواة الصلبة من المستوطنين المتطرفين الذين ينفذون معظم أعمال العنف من حوالي 300 إلى 500 ناشط. ومعظمهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عاماً ويقيمون في مستوطنات متطرفة معزولة، والعديد منهم ينتمون إلى ما يسمى "شباب التلال". وعلى الرغم من أن بعضهم ينحدر من عائلات مستوطنة راسخة، إلا أنهم يظهرون عموماً سمات مرتبطة بالشباب المعرضين للخطر، مثل التسرب من المدرسة، والانعزال عن الشبكات الاجتماعية والعائلية، والعيش دون إشراف من البالغين، وفي بعض الحالات وجود سوابق جنائية. وهم يعملون في مجموعات صغيرة، ويطورون هويات أيديولوجية متطرفة تغذيها الحياة في بيئات تفتقر إلى الحدود الواضحة وتتميز بضعف إنفاذ القانون، مما يسمح لهم بتحويل أنماط الانحراف السابقة إلى ما يصورونه على أنه "مهمة أيديولوجية".
يعمل العديد من هؤلاء الشباب ويعيشون أحياناً في "المزارع الخضراء" المحلية ويستخدمونها كنقاط انطلاق لشن هجماتهم. وعادة ما يكون أصحاب المزارع أكبر سناً وغير مهمشين اجتماعياً، لكنهم يقدمون دعماً غير مباشر للجناة من خلال توفير دخل ثابت وأراض وبنية تحتية لوجستية لهم. ووفقاً لبيانات "جمعية المزارع"، فقد تضاعف عدد هذه المواقع تقريباً ليصل إلى أكثر من 100 مزرعة منذ حرب غزة، تغطي حوالي 250,000 فدان من الأراضي في جميع أنحاء الضفة الغربية، مما أدى إلى توسيع نطاق العمليات المتاح لهؤلاء المتطرفين بشكل كبير.
ومع ذلك، لا توجد سلسلة قيادة رسمية - فهؤلاء الجناة الشباب يعملون من خلال هيكل لامركزي وغير هرمي. لكنهم يستخدمون بالفعل بضعة مراكز جغرافية كأماكن للتواصل الاجتماعي وتعزيز الأيديولوجية، وأبرزها مستوطنة يتسهار الواقعة جنوب نابلس مباشرة. ورغم أن هذا المكان ليس مركز قيادة، إلا أنه يشكل بيئة تحظى فيها الأفكار المتطرفة بقدر أكبر من الشرعية، وتنشط فيها شخصيات حاخامية وأيديولوجية واجتماعية مؤثرة.
وبعض هذه الشخصيات الدينية البارزة من أتباع الحاخام يتسحاق غينسبورغ ومدرسة "أود يوسف تشاي" الدينية. ولا يصدرون تعليمات عملياتية للمتطرفين العنيفين، لكن تعاليمهم تخلق أساساً مفاهيمياً غالباً ما يستخدمه الجناة لتبرير أفعالهم. على سبيل المثال، في مقال نشر في 11 أيلول/سبتمبر في صحيفة "مكور ريشون" الإسرائيلية، أعلن الحاخام مناحيم بن-شهار - وهو شخصية متطرفة بارزة اعتقل في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بتهمة التحريض على العنف - أن "شباب التلال" يخوضون "صراعاً أخلاقياً ودقيقاً" ويجب الاقتداء بهم. وتضمن المقال شهادة أحد المتطرفين الذي اعترف بسرقة ممتلكات من الفلسطينيين - وهو مثال صريح على كيفية إضفاء الشرعية علناً على الجهات الفاعلة التي تعمل خارج نطاق القانون. وبالمثل، غالباً ما يسهم نشطاء أيديولوجيون وسياسيون مثل مئير إتنجر وإليشا ييريد في صياغة سرديات متطرفة داخل مجتمع المستوطنين الأوسع، مما يعزز الشعور بالمهمة لدى المتطرفين العنيفين دون توجيه أفعالهم المحددة. (ومن ناحية أخرى، أدانت شخصيات قيادية في المستوطنات، من بينها رؤساء مجالس وحاخامات بارزون، مثل إليعازر ميلاميد من مستوطنة هار براخا، أعمال العنف ضد الفلسطينيين، مؤكدة أنها تخالف تعاليم التوراة وتضر بالمستوطنات.
كما يتزامن تصاعد العنف مع التوجه المتزايد نحو التوسع الإقليمي الإسرائيلي في المنطقة "ج"، مما يعكس الديناميكيات السائدة في سياسة الحكومة. منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، اتخذت الوزارات الإسرائيلية سلسلة من الخطوات لزيادة عدد الأسلحة والمعدات ذات الصلة في حوزة المستوطنين خاصة في المزارع والبؤر الاستيطانية وتعزيز قدراتهم التنظيمية:
- أنشأت "وزارة الأمن القومي"، بقيادة إيتامار بن-غفير، فرقاً مدنية للاستجابة السريعة مجهزة ومخولة بصلاحيات مماثلة لوحدات الشرطة. وعلى الرغم من أن هذه الفرق تعمل تحت قيادة "جيش الدفاع الإسرائيلي" أثناء الحوادث الأمنية، فإن صلاحياتها الشرطية مستمدة من وزارة بن-غفير.
- ووفقاً لبيانات "مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها" (ACLED)، جندت "وزارة الدفاع" ما يقرب من 5,500 مستوطن في وحدات الاحتياط الخاصة بـ"الدفاع الإقليمي" المتمركزة بالقرب من المستوطنات.
- وقد وسعت "وزارة الأمن القومي" نطاق أهلية المواطنين للحصول على تراخيص الأسلحة النارية الشخصية، في حين سهلت "وزارة الدفاع" توزيع الأسلحة على نطاق أوسع في مستوطنات الضفة الغربية.
- وقد زودت الحكومة المستوطنات بمركبات "بولاريس رينجر" (Polaris Ranger) المخصصة للطرق الوعرة لأغراض دفاعية، لكن العناصر المتطرفة تستخدمها بشكل متزايد للوصول إلى نقاط الاحتكاك بسرعة أكبر، ومضايقة المزارعين والرعاة الفلسطينيين، ونقل الأسلحة والمعدات والأفراد بين المزارع والبؤر الاستيطانية.
ورغم أن هذه الجهود الحكومية قد عززت القدرات الدفاعية في المستوطنات، إلا أنها أدت أيضاً إلى طمس الحدود الفاصلة بين النشاط الأمني والنشاط الأيديولوجي والتوسعي. ويتجلى ذلك بشكل خاص في المزارع والبؤر الاستيطانية، حيث غالباً ما يعمل السكان المسلحون في آن واحد كمدافعين، وجنود احتياط، وأطراف فاعلة رئيسية في الصراع على السيطرة على الأراضي. وفي بعض الحالات، أصبحت هذه المساعدة الحكومية عاملاً مضاعفاً للقوة يسهم في تهجير الفلسطينيين.
المخاطر الأمنية والسياسية التي تواجه السلطة الفلسطينية
وفقاً لـ" مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية"، تم تهجير 47 تجمعاً فلسطينياً يبلغ إجمالي عدد سكانها حوالي 6,200 شخص بشكل دائم بين عام 2023 وتموز/يوليو 2026 بسبب عنف المستوطنين المتطرفين والقيود التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على الوصول. ورداً على ذلك، ظهرت مجموعات دفاع فلسطينية محلية “لجان الحراسة" في بعض المجتمعات المحلية بالضفة الغربية، لا سيما في المنطقة "ب". وتقوم هذه المجموعات بتوثيق أنشطة المستوطنين، وإبلاغ منظمات حقوق الإنسان، وتشارك أحياناً في قطع الطرق، وإلقاء الحجارة، ومواجهة المستوطنين.
هذه المجموعات غير مسلحة حالياً، ولا توجد أدلة على أن مسؤولين في "السلطة الفلسطينية" أو أعضاء في حركة "فتح" يشجعون تشكيل لجان مسلحة. ومع ذلك، فإن خطر التصعيد المسلح حقيقي. على سبيل المثال، في 24 تموز/يوليو، أثناء "نزهة" (وهو تعبير ملطف شائع يستخدم للدلالة على الدوريات المنظمة) قام بها مستوطنون في قرية تل الفلسطينية بالقرب من نابلس، استولى فلسطيني على سلاح أحد المستوطنين، وقتل المستوطن، ومن المرجح أنه قتل أيضاً ضابطاً في "جيش الدفاع الإسرائيلي" وصل إلى مكان الحادث. وقتل أربعة فلسطينيين في الرد الذي نفذه "جيش الدفاع الإسرائيلي" بعد ذلك. وفي 7 أيلول/سبتمبر، قتل فلسطيني بعد محاولته طعن مستوطن كان موجوداً في بلدة قصرة - في إطار مواجهة شملت مجموعة من المستوطنين الذين حاولوا إقامة بؤرة استيطانية غير قانونية فوق منزل فلسطيني.
حتى الآن، سعت "السلطة الفلسطينية" إلى التصدي لعنف المستوطنين المتطرفين بتدابير غير عنيفة مثل تقديم المساعدة المالية والتقنية للمجتمعات المتضررة، وتوثيق أنشطة المستوطنين، وتقديم شكاوى إلى الهيئات الدولية، ودعم إنشاء "لجان حراسة". ومع ذلك، فإن عجزها عن حماية المدنيين ينطوي على خطر استمرار تآكل شرعيتها وقدرتها على الحكم - وهو سيناريو قد يؤدي تدريجياً إلى خلق فراغ أمني، ويجذب الجماعات الإرهابية الفلسطينية مثل "حماس"، و/أو يدفع السكان المحليين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. وبدلاً من ذلك، قد تقرر "السلطة الفلسطينية" غض الطرف عن الأنشطة الإرهابية أو حتى مواجهة المستوطنين ووحدات "جيش الدفاع الإسرائيلي" بنفسها. وفي كلتا الحالتين، فإن دوامة الفعل ورد الفعل الناتجة عن ذلك قد تزعزع استقرار النظام الأمني والسياسي بأكمله في الضفة الغربية.
السياق السياسي الإسرائيلي
على الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية لا تدعم رسمياً عنف المستوطنين المتطرفين، إلا أنه من الصعب تجاهل التصور السائد لدى معظم الجناة بأن أفعالهم تتماشى مع السياسة الحكومية الأوسع نطاقاً في الضفة الغربية. ولم تؤدى ممارسات الحكومة الإسرائيلية المتساهلة في إنفاذ القانون سوى إلى تعزيز هذا التصور.
وللتوضيح، وفقاً لبيانات "الشرطة الإسرائيلية" التي نشرت في تموز/يوليو، زادت التحقيقات المتعلقة بـ"الجرائم القومية" ضد الفلسطينيين بشكل حاد في السنوات الأخيرة، من 139 حالة في عام 2019 إلى 779 حالة في عام 2025، وسجلت الزيادة الأكبر منذ عام 2023. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الاتجاه، لا يزال معدل الملاحقات القضائية منخفضاً للغاية، حيث لم تقدم سوى 52 لائحة اتهام في عام 2025، وهو ما يمثل 6.6 في المائة فقط من إجمالي القضايا. وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتز وقف أوامر الاعتقال الإداري ضد المشتبه بهم اليهود في الضفة الغربية - وهي ممارسة تسمح للسلطات العسكرية باحتجاز الأفراد المشتبه في أنهم يشكلون تهديدات أمنية دون توجيه تهم رسمية إليهم - مع الإبقاء على هذه السياسة تجاه الفلسطينيين. وأكد من جديد رفضه التوقيع على مثل هذه الأوامر هذا العام. ومع ذلك، تشير تقارير إعلامية إلى أن قراره يتعارض مع توصيات أجهزة الاستخبارات باستئناف مثل هذه الاعتقالات بحق بعض المتطرفين العنيفين، وهو ما اعتبره مسؤولو "جهاز الأمن الإسرائيلي" (ISA) ضرورياً في بعض الحالات، نظراً لصعوبة تحويل المعلومات الاستخباراتية إلى أدلة يمكن قبولها في المحاكم المدنية.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن كاتز في آب/أغسطس أن مسؤولية إجراءات إنفاذ القانون ضد مستوطني الضفة الغربية ستنقل من "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى "الشرطة الإسرائيلية"، وهي هيئة تابعة لبن-غفير. ورغم تقديم هذا الأمر على أنه تحول مهني ضروري، فإن الأثر العملي سيكون على الأرجح حدوث فجوة كبيرة في إنفاذ القانون، نظراً لتفضيلات بن-غفير السياسية والنقص المزمن في القوى العاملة في منطقة الضفة الغربية التابعة للشرطة. كما سيؤدي هذا النقل إلى تعميق استخدام المؤسسات المدنية الإسرائيلية في ممارسة الصلاحيات الحكومية في الضفة الغربية، مما يقلص الفارق العملي بين المستوطنات وإسرائيل.
وعلى نطاق أوسع، استغل بتسلئيل سموتريتش - الذي يرأس "وزارة المالية" ويحظى أيضاً بسلطات رئيسية متعلقة بالمستوطنات داخل "وزارة الدفاع" - فرصة الانتخابات البرلمانية المقبلة لتقديم خطة مدتها أربع سنوات تهدف إلى إرساء سيطرة إسرائيلية لا رجعة فيها في الضفة الغربية. ويتمثل أحد المكونات الرئيسية لهذه الخطة في زيادة عمليات الاستيلاء على أراضي الدولة والسيطرة على المناطق المفتوحة من خلال توسيع المزارع والبؤر الاستيطانية، مع تقويض صلاحيات "السلطة الفلسطينية" في هذه المناطق في الوقت نفسه. ومن ثم، على الرغم من أن الدولة لا تنسق بشكل مباشر أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون، فإن هذه الحوادث غالباً ما تسفر عن نتائج تتماشى مع أهداف الحكومة الحالية.
توصيات سياسية: أربعة مسارات متوازية
بشكل عام، تشكل الديناميات المقلقة الموصوفة أعلاه مخاطر منهجية متعددة، بما في ذلك التآكل المتسارع لشرعية "السلطة الفلسطينية" وقدرتها على الحكم، وانتشار "لجان الحراسة" الفلسطينية التي قد تتحول إلى ميليشيات مسلحة، ودورات أكثر تواتراً من التصعيد الإسرائيلي-الفلسطيني. وعلى الصعيد الدولي، ينظر إلى الارتفاع الحاد في أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرفون بشكل متزايد ليس كقضية داخلية تتعلق بالقانون والنظام، بل كجزء مما يسميه البعض سياسة الضم الفعلي التي تنتهجها إسرائيل. وهذا يزيد من احتمال توسيع نطاق العقوبات الأجنبية ضد المستوطنات الإسرائيلية (على سبيل المثال، انظر الحظر التجاري الأوروبي الجديد)، وشركات البناء، وتقنيات المراقبة، وحتى صادرات الأسلحة. وما لم تغير القدس استراتيجيتها، فإن هذه الاتجاهات قد تزعزع استقرار الضفة الغربية وتلحق ضرراً بالغاً بالمكانة الاستراتيجية لإسرائيل. وهناك أربعة مسارات للعمل تكتسب أهمية بالغة:
إعادة بناء أجهزة إنفاذ القانون في الضفة الغربية. يجب أن تتضمن إعادة الهيكلة الجذرية لنظام إنفاذ القانون في الضفة الغربية لمعالجة هذه الظاهرة ما يلي:
- إعادة تفعيل جميع أدوات الإنفاذ الجنائية والإدارية اللازمة لمواجهة العنف المتطرف بشكل كامل؛
- تفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية وإزالة المزارع غير المرخصة التي تستخدم كمراكز للتوسع الإقليمي وللأنشطة العنيفة؛
- مصادرة الأسلحة والمعدات من الأفراد الذين يستخدمونها بشكل غير قانوني؛
- تطبيق آليات رقابة صارمة على حيازة المدنيين للأسلحة النارية في الضفة الغربية، وتقييد الوصول إلى هذه الأسلحة في المناطق الحساسة؛
- استعادة قدرات "جهاز الأمن الإسرائيلي" الإدارية والاستخباراتية في الضفة الغربية، مما قد يتيح اتخاذ إجراءات فعالة وفي الوقت المناسب ضد الشبكات العنيفة والمحرضين؛
- إعادة سلطة إنفاذ القانون إلى "جيش الدفاع الإسرائيلي" في المنطقة "ج" حتى يتم تعزيز قدرات "الشرطة الإسرائيلية" بشكل كبير، مما قد يسهل الاستجابة بشكل أسرع وأكثر فعالية للحوادث.
إنشاء فرقة عمل مخصصة لمكافحة الإرهاب. تتطلب معالجة العنف المدفوع أيديولوجياً جهوداً منسقة وطويلة الأمد على جبهات متعددة، لذا ينبغي لإسرائيل إنشاء فرقة عمل دائمة مشتركة بين الوكالات لمكافحة عنف المستوطنين المتطرفين، تضم "جيش الدفاع الإسرائيلي"، و"جهاز الأمن الإسرائيلي"، ومنطقة الضفة الغربية التابعة لـ"الشرطة الإسرائيلية"، و"الإدارة المدنية. كما ينبغي للمسؤولين صياغة خطة متعددة السنوات لمواجهة العنف المتطرف من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة نقاط الاحتكاك، واتخاذ إجراءات وقائية أخرى، مع العمل في الوقت نفسه على بناء تنسيق استخباراتي محكم وآليات استجابة سريعة للحوادث الخطيرة. ومن شأن هذا النهج أن يمكن السلطات من معالجة المشكلة بشكل منهجي بدلاً من الاكتفاء بالرد على الأحداث الفردية.
المساعدة على إرساء الاستقرار في الساحة الفلسطينية. على الرغم من نقاط ضعفها، تظل "السلطة الفلسطينية" طرفاً حاسماً في الحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية، فهي تقلل من الاحتكاكات اليومية، وتحد من التوسع المحلي للتنظيمات الإرهابية الفلسطينية، وتتيح لإسرائيل تقليل تدخلها الأمني المباشر. وعلى هذا النحو، فإن المزيد من إضعاف "السلطة الفلسطينية" من شأنه أن يخلق فراغاً خطيراً في الحكم. ومن ثم، لدى إسرائيل عدة وسائل للمساعدة في منع حدوث هذا السيناريو، مثل استئناف تحويل عائدات المقاصة إلى "السلطة الفلسطينية" بعد تعليقها بالكامل العام الماضي؛ وتعزيز قوات الأمن الفلسطينية (على سبيل المثال، عن طريق تسهيل تحركاتها، وتحسين التنسيق الاستخباراتي التكتيكي، والسماح باستخدام المعدات غير الفتاكة، والامتناع عن توغلات "جيش الدفاع الإسرائيلي" في المناطق التي تستطيع فيها قوات "السلطة الفلسطينية" العمل بشكل مستقل)؛ وتوسيع نطاق النشاط الاقتصادي المشترك في ظل إجراءات الفحص الأمني؛ والحد من فرص حدوث احتكاكات يومية بين المدنيين الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية.
اتخاذ موقف عام حازم ضد أعمال المستوطنين المتطرفين. إن عنف المستوطنين المتطرفين يسرع من تآكل شرعية إسرائيل في الخارج ويؤجج انتقادات الحلفاء الرئيسيين. ولوقف هذا الاتجاه، ينبغي على كبار المسؤولين الحكوميين إصدار إدانات لا لبس فيها لمثل هذا العنف؛ والحفاظ على حوار مستمر مع الحلفاء (بما في ذلك في أوروبا) بشأن إصلاحات إنفاذ القانون من أجل إظهار التزام إسرائيل بالحكم الرشيد وسيادة القانون؛ واتخاذ إجراءات إنفاذ واضحة تظهر أن السلطات تتعامل بصورة متسقة مع العنف الأيديولوجي بغض النظر عن هوية مرتكبيه.
وعند النظر في هذه التغييرات وغيرها من التغييرات العاجلة في الأشهر المقبلة، يجب على المسؤولين ألا يغفلوا عن مدى الضرر الذي يلحقه عنف المستوطنين المتطرفين بدولة إسرائيل نفسها - سواء من خلال إضعاف سيادة القانون، أو تقويض الحوكمة، أو تزويد أشد منتقدي إسرائيل بمزيد من الحجج ضدها، أو تضييق مجال المناورة الاستراتيجي لها، أو كل ما سبق. وقد أصدرت المؤسسة الأمنية ومعاهد البحوث الإسرائيلية تحذيرات متكررة بشأن مخاطر هذا التهديد، لكن قدرة الدولة على مواجهته تآكلت بسبب ضعف إنفاذ القانون، وغياب الردع، والسياسات الحكومية التي تقيد سلطة الأجهزة الأمنية في اتخاذ الإجراءات اللازمة. وفي جميع أنحاء الضفة الغربية، أصبحت شبكات المزارع والبؤر الاستيطانية سريعة الانتشار مراكز للعنف، مع دعم بعض الوزراء الحكوميين للبنية التحتية التي ينطلق منها هذا العنف.
باختصار، المشكلة أخطر بكثير من مجرد فشل في إنفاذ القانون. فقد أصبحت إخفاقاً منهجياً يتطلب استجابة حازمة ومنظمة.