- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4171
أفضل خيارات ترامب تجاه إيران: ضربات محدودة وضغط عسكري واقتصادي ودبلوماسي مستمر
بدلاً من الاختيار بين اتفاقية نووية ضيقة الأهداف وحرب مفتوحة الأمد، ينبغي للولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية محدودة استهدافاً لبرنامج الصواريخ الإيراني وأجهزته الأمنية، ومضاعفة استراتيجية الضغط التي كانت تُثمر نتائجها.
في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025، بدا أن إدارة ترامب خفّضت مرتبة إيران في سلم أولوياتها السياسية الخارجية. وكثيراً ما أكد الرئيس ترامب أن الضربات قد "دمّرت" البرنامج النووي الإيراني، فيما رأى المقربون من الإدارة أن تلك الحملة العسكرية قد أخّرت الجهود الإيرانية لامتلاك سلاح نووي بسنوات عدة.
غير أن هذه الاستنتاجات تبقى محل جدل. فرغم أن المواقع التي استُهدفت أصيبت بأضرار جسيمة وقُتل عدد من كبار العلماء النوويين، لا تزال إيران تحتفظ بكميات ضخمة من اليورانيوم عالي التخصيب، ويُرجَّح أنها تمتلك من القدرات ما يكفي لتصنيع أسلحة نووية بدائية في غضون أشهر قليلة. ويرتكز قدر كبير من التقييمات المتعلقة بالقدرات النووية الإيرانية المتبقية على مجاهيل عديدة، من بينها: حجم اليورانيوم عالي التخصيب الذي لا يزال في متناول اليد، وخبرات العلماء الناجين، والسرعة التي يمكن لطهران بها إعادة بناء قدراتها في مجال التسليح.
ومع ذلك، يكاد يُجمع المراقبون على أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد يشكّل تهديداً وشيكاً عقب هذه الضربات، وإن ظل تهديداً جدياً. وهو ما يجعل الأمر أكثر إثارة للدهشة: إذ باتت المفاوضات الجارية، التي انطلقت على وقع تهديد ترامب بالتدخل دفاعاً عن المحتجين الإيرانيين، تدور هي الأخرى بشكل شبه حصري حول الملف النووي.
الملفات المطروحة للتفاوض
في خضم التعزيزات العسكرية الأمريكية التي أعقبت مجازر كانون الثاني/يناير في إيران، حددت إدارة ترامب أربعة ملفات تسعى لمعالجتها: الأسلحة النووية، والقدرات الصاروخية، ومعاملة المحتجين، ودعم الوكلاء كـ"حزب الله". بيد أن معضلة هذا الأجندة تكمن في أن ثمة استراتيجية واحدة لن تكفي وحدها لمعالجة جميع هذه الملفات. فمعالجة القدرات النووية الإيرانية المتبقية تستلزم على الأرجح نقل اليورانيوم عالي التخصيب من المنشآت والأنفاق التي طالها قصف حزيران/يونيو، في حين لن يُجدي استهدافها مجدداً نفعاً يُذكر. كذلك، فإن التحقق من توقف النشاطات النووية الأخرى لن يتأتى إلا بإعادة المفتشين إلى إيران، وهو هدف لا يمكن بلوغه إلا عبر الدبلوماسية.
في المقابل، يبدو من غير المرجح أن تُقدّم إيران تنازلات تفاوضية بشأن سائر المخاوف الأمريكية. فعلى مدى عقدين على الأقل، لم يُبدِ النظام أي استعداد للتفاوض الجدي في أي ملف سوى البرنامج النووي. ويرى النظام على الأرجح أن تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الصواريخ والوكلاء والشؤون الداخلية سيُفضي إلى تقويض ركائز استراتيجيته الأمنية بالكامل، وسيُعدّ استسلاماً أمام الضغط الأمريكي وأمام الاضطرابات الداخلية. وفي ظل هذه المخاطر الجسيمة، قد يعتقد النظام أن الحرب أقل ضرراً على فرص بقائه من هذه التنازلات.
لذا، يبدو أن المخاوف غير النووية لواشنطن تستلزم اللجوء إلى أدوات تتخطى النطاق الدبلوماسي المباشر. فالقدرات الصاروخية الإيرانية يمكن إضعافها في المدى القريب عبر ضربات عسكرية، أما على المدى البعيد فقد توافق إيران على إطار إقليمي للحد من الترسانات الصاروخية والانتشار النووي، لكنها ستسعى في الغالب للإبقاء على قدرتها في استهداف إسرائيل حتى بتكاليف باهظة. أما تهديد دعم إيران للوكلاء فيتطلب منظومة أشمل من الأدوات، تشمل إضعاف هؤلاء الوكلاء مباشرة، وفرض إجراءات عقابية على إيران لثنيها عن دعمهم. والأهم من ذلك كله، دعم الحكومات الصديقة في الدول التي ينشط فيها هؤلاء الوكلاء —كلبنان واليمن والعراق— من أجل سد الفراغات الأمنية والحوكمية التي تعيش فيها الأذرع الإيرانية وتترعرع.
مسار المضي قدماً
في الأزمة الراهنة، يبدو أن الرئيس ترامب يُقيّم خيارين لا ثالث لهما: إما صفقة نووية يتفاوض عليها مباشرة مع إيران، أو ضربات عسكرية لا تزال نطاقها وأهدافها غير محددة. أما الخيار الأول، فلا شيء يدل على أن إيران مستعدة لقبول صفقة تعالج المخاوف الأمريكية معالجة شاملة أو حتى جزئية تُذكر. وقد أعدّ المفاوضون الإيرانيون وفق ما يُفاد، مقترحاً يُصرّ على "حق" طهران في التخصيب، ويطلب من واشنطن القبول بقدرة تخصيبية إيرانية محدودة يزعمون أنها ستكون حكراً على الأبحاث الطبية. وقد رفق طهران هذا الطلب بتنازلات كالامتناع عن تخزين اليورانيوم المخصّب وإعادة المفتشين الدوليين.
بيد أن مثل هذه الصفقة ستُمثّل تراجعاً أمريكياً فادحاً. فهي لا تعالج جذر الأزمة الراهنة —وهو معاملة إيران للمحتجين— فحسب، بل تطلب من واشنطن أن تقف متفرجة بينما تُعيد طهران بناء أنشطة التخصيب التي أُبيدت في حزيران/يونيو. فضلاً عن ذلك، فإن التنازلات الإيرانية المُعلنة أقل قيمة مما تبدو عليه للوهلة الأولى: إذ إن السماح حتى بمستوى رمزي من التخصيب يعني على الأرجح الإذن لإيران بالاحتفاظ بسلسلة التوريد النووية بأسرها، من استخراج اليورانيوم وتحويله إلى إنتاج أجهزة الطرد المركزي، علاوة على اكتساب الخبرة في عملية التخصيب ذاتها. وحتى لو تحقق المراقبون الدوليون من عدم تراكم اليورانيوم المخصب عبر التصدير أو التمييع، فإن هذا الوضع يبقى قابلاً للانقلاب في أي وقت.
في المقابل، لا يبدو الخوض في حرب مطوّلة وطموحة أمراً مرغوباً فيه، ولا هو البديل الوحيد عن أي صفقة يطرحها المفاوضون الإيرانيون. فمثل هذه الحرب تنطوي على أثمان باهظة: استنزاف الموارد الأمريكية بعيداً عن المسارح ذات الأولوية في المحيط الهندي - الهادئ والنصف الغربي للكرة الأرضية، ومزيد من الاستنزاف لمخزونات الذخائر المستنفدة أصلاً، ومخاطر التعرض للخسائر البشرية وإلحاق الأضرار بالقوات الأمريكية وسائر الأهداف الأمريكية والحليفة.
وقد روّج بعضهم لهذه الحرب باعتبارها وسيلة للإطاحة بالنظام الإيراني. غير أن تحقيق هذه الغاية دون جهد عسكري أضخم بكثير أمر مشكوك في أمره، ولا تملك الولايات المتحدة حتى الآن في المنطقة القوات الكافية لخوض عمليات من هذا الحجم. ويظل الشك قائماً أيضاً حول ما إذا كانت حرب كهذه ستصب في مصلحة المنطقة أو في مصلحة الإيرانيين أنفسهم الذين أراد الرئيس ترامب مساعدتهم. فعمليات تغيير الأنظمة في الماضي سجّلت نتائج سيئة، حتى حين كانت الولايات المتحدة مستعدة لنشر قوات تثبيت ومنح استثمارات اقتصادية ضخمة، وهو ما لا يبدو متاحاً هذه المرة. وينبغي أن يدفع ذلك صانعي القرار إلى التريث. وقد تكون الإدارة شجّعها ما يبدو أنه نجاح في "فنزويلا"، لكن يبقى غير محسوم ما إذا كانت إزاحة الرئيس "نيكولاس مادورو" تُمثّل تغيير نظام حقيقياً، وسيمضي وقت ليس بالقصير قبل أن يُحكم على هذه السياسة بالنجاح أو الإخفاق.
بدلاً من الانزلاق إلى حرب لتغيير النظام، ينبغي للإدارة أن تتذكر أن احتجاجات كانون الثاني/يناير التي أشعلت فتيل الأزمة الراهنة جاءت في جزء منها ثمرةً لسياسة أمريكية ناجحة قائمة على الضغط متعدد الأوجه. وأفضل مسار أمام الرئيس ترامب ليس تبديل تلك الاستراتيجية، بل مضاعفة الرهان عليها من خلال المضي في الخطوات الآتية:
- توجيه ضربات عسكرية محدودة. ينبغي للولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل حيثما أمكن، شنّ ضربات محدودة على الترسانة الصاروخية الإيرانية وأهداف في أجهزتها الأمنية. وهذا من شأنه معالجة التهديد الراهن للصواريخ الإيرانية —التي ستدفع إسرائيل على الأرجح إلى استهدافها هذا العام في كل الأحوال— ويُتيح للرئيس ترامب القول إنه وفّى بتحذيراته بشأن معاملة النظام للمحتجين. وقد ترد طهران على هذه الضربات، لكن واشنطن والقدس أثبتتا في مناسبات سابقة قدرتهما على تحجيم فاعلية الردود الإيرانية. كما ينبغي لواشنطن أن تُوضّح صراحة استعدادها لتكرار الضربات مستقبلاً، وأنها ستدعم الضربات الإسرائيلية الإضافية كلما دعت الضرورة.
- مضاعفة الضغط الاقتصادي. اشتعلت احتجاجات كانون الثاني/يناير على وقع الانهيار الحاد في قيمة العملة الإيرانية. وينبغي لإدارة ترامب السعي إلى تصعيد الضغط الاقتصادي على النظام بوضع هذا الملف في صدارة جدول أعمال قمة الرئيس ترامب مع الزعيم الصيني "شي جين بينغ" في نيسان/أبريل. وبينما تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني خلال الأشهر الأخيرة على ما يبدو، فإن تراجعاً إضافياً وأكثر ديمومة سيُضيّق على إيران خيارات التصدير البديلة. ويمكن لبكين أن تُضيف زخماً لهذا الضغط بالامتناع عن مساعدة طهران في إعادة بناء برامجها الصاروخية والنووية. وفي الوقت ذاته، يمكن لإدارة ترامب أن تُوضّح ما سيتاح من مكاسب اقتصادية لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية.
- دعم الشعب الإيراني. الهدف الأمريكي الأعمق في إيران، المشترك بين إدارات متعاقبة، هو إحداث تغيير حقيقي ينبثق من داخل البلاد. غير أن واشنطن كثيراً ما تبادر إلى التفكير الجدي في دعم الشعب الإيراني في أوقات الاحتجاجات فحسب. وعوضاً عن ذلك، ينبغي لإدارة ترامب صياغة استراتيجية طويلة الأمد لدعم المعارضين الإيرانيين. وقد تشمل هذه الاستراتيجية توفير التقنيات الرقمية كشبكات الـ VPN ومحطات "ستارلينك" وخدمة الاتصال المباشر عبر الأقمار الاصطناعية، وتمويل توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والأنشطة ذات الصلة، ونشر المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، واستئناف البث الإذاعي والتلفزيوني الحكومي الأمريكي. كما يمكن أن تشمل أشكالاً أخرى من الدعم، كتيسير منح التأشيرات للناشطين الإيرانيين، وإجراء تعديلات على منظومة العقوبات إذا لزم الأمر لتمكين المغتربين من تقديم مساعدات مالية للناشطين داخل إيران.
- تعزيز الانخراط في الشرق الأوسط. ينبغي لواشنطن البدء في معالجة دعم إيران للوكلاء عبر انخراط أكثر فاعلية في المناطق التي ينشطون فيها. لقد كرّست الإدارة جهداً ووقتاً كبيرَين على ملف غزة، ومع ذلك خرجت "حماس" سياسياً —وإن كانت عسكرياً منهكة— بنفوذ يمكن القول إنه أقوى مما كانت عليه قبل أكثر من عامين من الحرب. وفي لبنان، بات "حزب الله" أضعف عسكرياً، لكنه لا يزال يفتقر إلى أي منافس في حيازة السلطة السياسية داخل المجتمع الشيعي. أما في اليمن، فإن النفوذ السياسي للحوثيين هو الركيزة التي تمكّنهم من بسط قوتهم. وفي كل هذه الأماكن، ينبغي للولايات المتحدة السعي لتحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية —وبالتالي استراتيجية— أكثر ديمومة.
وإن كانت هذه الخطوات لا تعالج البرنامج النووي الإيراني المتبقي مباشرةً، فإنها في المقابل لا تُغلق الباب أمام مفاوضات ثنائية أو دولية مستقبلية بشأن هذه القدرات. يُضاف إلى ذلك أن إيران أظهرت حتى الآن ما يشبه الردع عن إعادة بناء قدراتها النووية أو تطويرها بصورة ملحوظة، وسيظل هذا الوضع قائماً على الأرجح ما دامت الولايات المتحدة مستعدة لتوظيف القوة متى استدعت الضرورة.
تواجه إيران معضلة استراتيجية حقيقية: فاستراتيجيتها التقليدية القائمة على تهديد الخصوم بترسانتها الصاروخية وشبكة وكلائها وقدراتها النووية الكامنة قد أخفقت، ويبدو أن النظام يفتقر إلى أفكار لاستراتيجية بديلة أو المرونة اللازمة للانتقال إليها. وفي المقابل، يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران قد أفضت إلى ضغط غير مسبوق على النظام. وأفضل رهان لإدارة ترامب، وأنجع مسار لمساندة الشعب الإيراني في تطلعاته نحو غدٍ أفضل، هو الاستمرار بصبر في استراتيجية الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.