- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4210
زيارة ترامب إلى الصين: الآثار المترتبة على الشرق الأوسط وما وراءه
ستشمل أول زيارة رئاسية إلى الصين منذ ما يقرب من عقد من الزمان قضايا التجارة والتكنولوجيا ومجموعة من الموضوعات الثنائية الأخرى، بما في ذلك محادثات صريحة حول قضايا الشرق الأوسط مثل دعم بكين لإيران والتداعيات العالمية الأوسع نطاقاً لأزمة مضيق هرمز.
القضية الشائكة: دعم الصين لإيران
غرانت روملي
مع انطلاق قمة هذا الأسبوع في بكين، يجد الرئيس ترامب نفسه في موقف لا يحسد عليه وهو طلب مساعدة الرئيس شي جين بينغ في الشرق الأوسط. يمكن القول إن الصين هي الدولة التي تتمتع بأكبر نفوذ على إيران، وقد دعاها المسؤولون الأمريكيون مراراً وتكراراً إلى استخدام هذا النفوذ خلال الحرب الحالية. ومع ذلك، كان رد بكين حذراً حتى الآن - فقد أفادت التقارير أن تدخلها الأبرز كان الضغط على طهران لقبول شروط وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل. وهذا يشير إلى أن القادة الصينيين يتطلعون إلى الحصول على تنازلات مقابلة من الولايات المتحدة.
أظهرت بكين دعمها لطهران في زمن الحرب بطريقتين رئيسيتين: الاستمرار في شراء النفط الإيراني، وتقديم أشكال متنوعة من المساعدات السرية للجهود العسكرية للنظام. بالإضافة إلى ممارستها الطويلة الأمد المتمثلة في إرسال مكونات مزدوجة الاستخدام لبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة إلى طهران. كما وفرت بكين صور جوية طوال فترة الصراع، مما مكن القوات الإيرانية من تحسين معلوماتها عن الأهداف الأمريكية والحليفة. على سبيل المثال، استفادت إيران من بيانات التحليل والتتبع الصادرة عن شركات الاستخبارات الجغرافية المكانية الصينية مثل MizarVision))، بل ووفقاً للتقارير، استأجرت القمر الصناعي الاستخباراتي الصيني عالي الدقة ( TEE– 01B). ورداً على ذلك، اتخذت واشنطن خطوات لمواجهة هذين النوعين من الدعم، بدءاً من اعتراض السفن التي تحمل النفط الإيراني وصولاً إلى فرض عقوبات على شركة (MizarVision) وشركات أخرى.
وفي الوقت نفسه، يصل ترامب إلى بكين في ظل وقف إطلاق النار الهش. وإذا استؤنفت الأعمال العدائية، فإن التصدي من جانب واحد لدعم الصين لطهران سيكون خياراً مكلفاً ويتطلب موارد ضخمة. وقد تتعرض القوات الأمريكية اللازمة لفرض الحصار على الموانئ الإيرانية والعمليات المحتملة الأخرى لضغوط من أجل مواصلة عمليات الاعتراض البحرية، وقد أثبتت الصين استعدادها المتزايد للتحايل على العقوبات الأمريكية. لذلك، قد يسعى ترامب للحصول على تعهدات من شي بوقف بعض جوانب الدعم لطهران في حال انهيار وقف إطلاق النار. والسؤال هو ما إذا كان شي سيحاول ثني ترامب عن استئناف العمليات القتالية أم سيكتفي بالمطالبة بتنازل أمريكي في مسرح آخر مقابل ذلك.
الصمود أمام آخر جولات حرب تجارية مستمرة منذ عقد
هنري توغيندهات
تنطلق قمة هذا الأسبوع عقب إعلان واشنطن عن أكثر العقوبات صرامةً على بكين على خلفية ملف إيران حتى اللحظة، إذ تطال إحدى كبرى مصافي النفط الصينية وأربعين شركة شحن مرتبطة بها. تتناول العقوبات حقيقة أن بكين لا تزال تتمتع بنفوذ هائل على طهران باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني. ومع ذلك، لا توجد ضمانات بأن هذا الضغط الاقتصادي الأمريكي على الصين سيترجم إلى ضغط على إيران.
فمن ناحية، سيشكل وقف شراء النفط تحولاً كبيراً في العلاقات الصينية - الإيرانية، وهو تحول قد تنظر إليه الجمهورية الإسلامية وحكومات أخرى باعتباره تخلياً عن شريك وخضوعاً للمصالح الأمريكية في وقت تريد فيه بكين أن تظهر نفسها كقوة قوية وموثوقة. قد تخلص الصين أيضاً إلى أن إغضاب طهران سيكون أكثر كلفة على المدى الطويل، حيث يبدو أن النظام سيسيطر على تدفقات الشحن المستقبلية عبر الخليج الفارسي - مصدر ما يقرب من50 في المئة من واردات الصين من النفط ووجهة للعديد من صادراتها.
وبشكل عام، من غير المرجح أن يفسر شي الخطوة الأمريكية الأخيرة بشأن العقوبات على أنها تتعلق بإيران وحدها، حيث يتوقع أن تؤثر القيود الجديدة على إمدادات الطاقة المحلية في وقت تشهد فيه الصين ضغوطاً اقتصادية كبيرة. من وجهة نظر بكين، تمثل هذه الإجراءات محاولة أمريكية انتهازية لمواصلة الحرب التجارية القائمة على مبدأ" العين بالعين" التي بدأت قبل عشر سنوات.
بالتأكيد، أضعف قرار المحكمة العليا في شباط/ فبراير بحظر استخدام قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض التعريفات الجمركية موقف إدارة ترامب التفاوضي. وربما يكون الرئيس ترامب قد أجل القمة من أذار/ مارس إلى أيار/مايو بينما كان يبحث عن نقطة ضغط أخرى. في نهاية الأسبوع الماضي، استأنف هجماته على الحكم الصادر، مما يشير إلى أنه لا يزال في مقدمة اهتماماته مع بدء القمة. وعلى وجه الخصوص، يسعى ترامب إلى تجنب التفاوض على المزيد من الرسوم الجمركية ذات القيمة الاستراتيجية المتعلقة بأشباه الموصلات ومكونات الطاقة الشمسية ومصنعي البطاريات ومدخلات المواد.
ردت الصين بما يسمى بـ"قواعد الحجب" التي تحظر بشكل أساسي على شركاتها الامتثال للعقوبات الأمريكية الجديدة. هذه هي المرة الأولى التي تستند فيها إلى هذه القواعد، وستشكل المواجهة القانونية والدبلوماسية الناتجة عنها اختباراً مهماً للصين والدول الأخرى التي تسعى إلى حماية نفسها من الضغوط الاقتصادية الأمريكية في المستقبل. لكن في النهاية، تريد بكين العودة إلى العلاقات التجارية التي كانت تتمتع بها قبل إدارة ترامب الأولى، لذا قد تنظر إلى اجتماع هذا الأسبوع على أنه فرصة لوضع حد أدنى للعلاقة يمكنها من خلاله إعادة بناء مصالحها الاقتصادية.
الخليج لا يزال مفتاح المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين
إليزابيث دينت
على الرغم من أنه من المتوقع أن تحتل الحرب مع إيران مكانة بارزة على جدول أعمال القمة نظراً لتأثيرها المزعزع للاستقرار على الأسواق العالمية وتدفقات الطاقة، فإن القضية الأعمق المطروحة هي مستقبل التحالف التكنولوجي والاقتصادي في الشرق الأوسط. لذلك، إذا أدت زيارة ترامب إلى توسيع التعاون التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين مع حماية التقنيات والمصالح التجارية الأمريكية الأكثر حساسية، فمن المرجح أن يعود بالفائدة على دول الخليج العربية على المدى الطويل.
لسنوات، استثمرت دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مليارات الدولارات لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط ووضع نفسها كمراكز للذكاء الاصطناعي وتصنيع التكنولوجيا والابتكار في مجال الطاقة. كما تتنافس واشنطن وبكين على التأثير في هذا التحول، الذي سيشكل البنية التحتية الرقمية للشرق الأوسط، والشراكات الأمنية، والصفقات الاقتصادية، والتوجه الجيوسياسي لسنوات قادمة.
خلال رحلة الرئيس ترامب إلى الخليج في أيار/مايو 2025، أعلن عن صفقات بمليارات الدولارات في مجالات التكنولوجيا والدفاع والمعادن الحيوية مع شركاء الخليج، مما يعزز تحالفهم مع واشنطن. في آذار/مارس الماضي، أكد السفير الإماراتي يوسف العتيبة وصول الشحنات الأولى من رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة كجزء من صفقة مع شركة (Nvidia)، مما يؤكد التزام واشنطن المستمر بتعزيز هذا التعاون مع دول خليجية مختارة. ويشير الوفد الذي يركز على التكنولوجيا والموفد إلى قمة بكين هذا الأسبوع إلى أن هذه القضايا ستظل أولوية استراتيجية للولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب مع إيران عن نقاط ضعف في العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج، إذ لم تتم استشارة قادة دول الخليج بشأن قرار شن الحرب، وقد أطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة عليهم منذ أذار/مارس، مما عزز مخاوفهم من تحمل العواقب الاقتصادية والأمنية الرئيسية لأي صراع إقليمي. كما أدى الاضطراب الواسع النطاق الناجم عن الحرب إلى إدراك أن المناقشات حول العلاقات الأمنية المستقبلية ستحتاج إلى أن تتجاوز التحالفات العسكرية بكثير، لتشمل مرونة سلاسل التوريد والبنية التحتية للطاقة والبنية التحتية الرقمية.
وإذا تم التعامل مع هذه التحديات بشكل صحيح، فستخلق فرصاً جديدة لدول الخليج، مما يمنحها دوراً بارزاً بشكل متزايد في تشكيل النظام البيئي العالمي للذكاء الاصطناعي. ويمتد نفوذها إلى ما هو أبعد من التمويل، حيث يوفر الوصول إلى مصادر طاقة واسعة النطاق للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتمويل والمساحة الواسعة لمراكز البيانات، والبيئات التنظيمية الجذابة لشركات التكنولوجيا العالمية. كما تهدف إلى وضع أطر حوكمة للذكاء الاصطناعي ومعايير للبنية التحتية الرقمية تمنحها نفوذاً هائلاً في الوقت الذي تحاول فيه الحكومات الأخرى اللحاق بالركب.
في ضوء هذه العوامل، من غير المرجح أن تضغط واشنطن على دول الخليج لقطع علاقاتها مع الصين تماماً، خاصة الآن بعد أن أصبحت سياساتها الخارجية تستند بشكل متزايد إلى المصالح الوطنية أكثر من أي اعتبارات أخرى. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن تنمو أهميتها الاستراتيجية مع تحولها إلى مراكز موثوقة للتكنولوجيا مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين.
ما وراء إيران: كيف تتعامل موسكو مع قمة بكين
آنا بورشيفسكايا
لا يبدو أن قمة ترامب - شي تنطوي على أي سلبيات لموسكو، حيث تتفق روسيا والصين وإيران في السعي إلى تقليص دور الولايات المتحدة في العالم. ومن المرجح أن تستمر شراكات روسيا مع هذه الدول بغض النظر عن النتيجة، لذا يبدو أن موسكو تنظر إلى ما وراء إيران وهي تقيم رحلة ترامب.
في أيار/مايو، أعلن فلاديمير بوتين أن روسيا تقترب من إبرام صفقة "جادة" للغاز الطبيعي والنفط مع الصين. كان هذا التصريح مهمّاً ليس فقط بسبب توقيته قبل قمة ترامب مباشرةً، ولكن أيضاً لأن الجيش الأمريكي يواصل حصار المياه التي تحصل الصين من خلالها على معظم نفطها. ربما يراهن بوتين على أن بكين سترحب بالإمدادات الروسية المباشرة عبر خط الأنابيب. في أيلول/سبتمبر الماضي، وقعت الحكومتان اتفاقية لبناء خط أنابيب "قوة سيبيريا 2"، الذي سينقل الغاز الروسي مباشرةً إلى الصين. يهدف المشروع إلى تحويل صادرات الطاقة الروسية من أوروبا إلى آسيا في أعقاب العقوبات الواسعة النطاق والقيود الأخرى التي فُرضت بعد غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022. ومع ذلك، لا تزال الشروط الرئيسية للصفقة - بما في ذلك التسعير والجدول الزمني - في انتظار تأكيد من المسؤولين الصينيين، الذين يُفترض أنهم يفضلون تجنب الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة إلى درجة تجعل العلاقة تميل لصالح موسكو.
وستكون هذه مسألة مهمة يجب متابعتها خلال زيارة ترامب. وكما ذكر أعلاه، قامت الصين بتفعيل "قواعد الحجب" قبل القمة بوقت قصير وأمرت مصافيها بعدم الامتثال للعقوبات الأمريكية بشأن مشتريات مزعومة من النفط الإيراني، في إشارة إلى قدرتها على مقاومة الضغط الأمريكي. ومع ذلك، ربما يكون بوتين قد حسب أن بكين ستظل منجذبة إلى خطوط إمداد الطاقة البديلة التي توفرها روسيا.
وإذا تم المضي قدماً في صفقة "باور أوف سيبيريا 2"، فإن ذلك سيعزز نفوذ موسكو على المدى الطويل في مواجهتها مع الغرب. وعلى وجه الخصوص، فإن وجود مسار مضمون لمبيعات النفط الروسي خارج أوروبا سيساعد في توليد الموارد التي تحتاجها موسكو لمواصلة حربها في أوكرانيا.
وجهة نظر أوروبا: الآثار التجارية وأزمة مضيق هرمز
سهير ميديني
مع استمرار القمة، سيقوم المسؤولون الأوروبيون أولاً وقبل كل شيء بدراسة كيفية تأثير أي إعلانات بشأن السياسة التجارية على اقتصاد الاتحاد الأوروبي. كما أنهم يبحثون عن أي رؤى تساعدهم على فهم استراتيجية إدارة ترامب في الصراع مع إيران بشكل أفضل، بما في ذلك آثارها على نهجهم الخاص.
يتفق الأوروبيون مع تقييم الولايات المتحدة لإيران باعتبارها قوة إقليمية مزعزعة للاستقرار، نظراً لغموض برنامجها النووي، وقدراتها المتنامية في مجال الصواريخ الباليستية، ودعمها للجماعات العنيفة التي تعمل بالوكالة. وبالتالي، فسوف يدعمون بلا شك قرار مجلس الأمن الدولي المعلق بشأن الدفاع عن حرية الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، تعتبر الصين وروسيا أن مشروع القرار الحالي الذي ترعاه البحرين هو قرار أحادي الجانب، ومن المرجح أن تستخدما حق النقض ضده.
علاوة على ذلك، يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يدركوا أن بعض أهم مصالح أوروبا والصين تتوافق في الأزمة الحالية، نظراً لتعرضهما الشديد لعواقب عدم إعادة فتح مضيق هرمز - وهي عواقب محدودة بالنسبة للولايات المتحدة، على الأقل في الوقت الحالي. وللحفاظ على اقتصادها، تحتاج بكين إلى استعادة "المرور الآمن الطبيعي " على المدى المتوسط، وقد وضع استمرار تضييق المضيق العديد من دول الاتحاد الأوروبي في مأزق مماثل. ولهذا السبب يجد بعض المسؤولين الأوروبيين أنفسهم يدافعون عن نتيجة تفضلها الصين: تهدئة حقيقية تسمح بإعادة فتح المضيق، إلى جانب رفض أي نظام دائم لحق المرور. أصبحت هذه المسألة الأخيرة أكثر إرباكاً بعد تصريحات الرئيس ترامب في نيسان/أبريل حول مشروع مشترك لـ" رسوم العبور " مع إيران، لذا سيتطلع المسؤولون لمعرفة ما إذا كانت المناقشات هذا الأسبوع ستسفر عن أي توضيح.
تأتي رحلة ترامب أيضاً وسط جهود أوروبية مستمرة لتفعيل مبادرتهم لإعادة فتح المضيق بمجرد أن تصبح الظروف أكثر" ملاءمة". سيكون التنسيق القوي بين هذه المبادرة ومشروع الحرية البحرية الذي تقوده الولايات المتحدة (والذي يهدف إلى دعم" مشروع الحرية") ضرورياً لضمان تكامل هذين الجهدين - لا سيما بالنظر إلى أنه من غير المرجح أن تشارك الصين في أي من المبادرتين.
أصبح إصدار هذا العدد من المرصد السياسي ممكناً بفضل الدعم المقدم جزئياً من برنامج مؤسسة "ديان وجيلفورد جليزر" التابع لمعهد واشنطن حول المنافسة بين القوى العظمى والشرق الأوسط.