- تحليل السياسات
- تنبيه سياسي
زيارة شي إلى مصر: خطوات محسوبة بعناية
من المرجح أن تؤكد هذه الزيارة مسار النمو في العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية، وربما الدفاعية أيضا، بين مصر والصين، رغم أنه من غير المرجح أن تحصل القاهرة على الدعم الذي تسعى إليه لمواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية التي تشكلها إيران والحوثيون.
يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ مصر هذا الأسبوع للمرة الأولى منذ عام 2016. وباستثناء توقف قصير في المغرب عام 2024، تعد هذه زيارته الأولى إلى الشرق الأوسط منذ أن ترأس قمة الصين والدول العربية في المملكة العربية السعودية عام 2022. ومن المرجح أن تتضمن أجندته تصريحات كبيرة بشأن الاستثمارات والتعاون، لا سيما في المجالين التكنولوجي والاقتصادي. وقد يأتي بعض هذه التصريحات على حساب تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة؛ والسؤال الذي يطرح نفسه على صانعي السياسات الأمريكيين هو ما إذا كان ينبغي الرد على ذلك، وكيف.
أعلنت بكين أن علاقتها مع مصر "في أفضل حالاتها على مر التاريخ"، ويصعب دحض هذا الادعاء. ففي العقد الذي أعقب الزيارة السابقة لشي، ضخت الصين مليارات الدولاراتفي الاستثمارات المحلية ومشاريع البناء، بدءاً من الحي التجاري المركزي في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة وصولاً إلى "منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري"، وهي مجمع تجاري مشترك في عين السخنة. وقد ارتفع حجم التجارة الثنائية السنوية إلى ما يقرب من 20 مليار دولار في عام 2025، كما تسارعت وتيرة التدريبات العسكرية المشتركة بينهما، بما في ذلك المناورات الجوية الحديثة " نسور الحضارة". وتنتشر منذ سنوات تقارير تفيد بأن القاهرة مهتمة بشراء مقاتلات J-10 الصينية، وهو ما سيشكل أول صفقة لبيع هذا الطراز إلى دولة عربية. كما يستعد البلدان لتوسيع تعاونهما في مجال التكنولوجيا، حيث قدمت شركة الاتصالات العملاقة "هواوي" مؤخراً عرضاً لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر.
وبالفعل، فإن اختيار الصين لمصر كوجهة لهذه الزيارة الإقليمية النادرة ليس من قبيل الصدفة. فمن منظور تاريخي، كانت مصر أول دولة في أفريقيا أو العالم العربي تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية في عام 1956. والأهم من ذلك، أن التوقيت - أي الزيارة الأولى لـ"شي" إلى الشرق الأوسط منذ الحرب مع إيران - وكذلك اختيار مصر - التي تُعَدُّ أكثر حياداً من دول الخليج في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران - يُشيران إلى أن الزيارة خُطِّطَ لها بعناية لتعزيز مصالح بكين دون الإضرار بأيٍّ من علاقاتها الأخرى في المنطقة. ويأتي وصول شي أيضاً في أعقاب رحلته إلى قيرغيزستان لافتتاح القمة السنوية لـ"منظمة شنغهاي للتعاون" (SCO)، حيث تعد مصر وعدة دول عربية أخرى "شركاء في الحوار".
وأثناء وجوده في القاهرة، من المرجح أن يسلط شي الضوء على القوة الاقتصادية للصين وقدراتها التكنولوجية، فضلاً عن جهودها الدبلوماسية المتواصلة الرامية إلى استعادة الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك ترويجها مؤخراً لمقترح سلام جديد بشأن غزة. ومن جانبه، من المرجح أن يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي للحصول على ضمانات من شي بشأن القضايا الإقليمية الأكثر أهمية بالنسبة للقاهرة، بما في ذلك الحفاظ على حرية تدفق التجارة عبر البحر الأحمر والحد من أي اضطرابات إضافية يسببها الحوثيون في اليمن. بل وقد يعبر عن بعض الإحباط تجاه شي، حيث إن ترتيبات بكين مع الحوثيين قد اقتصرت حتى الآن على حماية الأصول التجارية الصينية. وقد يطلب السيسي أيضاً مزيداً من المساعدة الصينية في احتواء إيران، خاصة بعد أن تعرضت منشأة غاز مصرية لهجوم محتمل بمسيرة إيرانية في تموز/يوليو. ومن المرجح أن يخرج السيسي بخيبة أمل في كلا الملفين.
وفي ظل تبلور الرد الأمريكي المحتمل، يقال إن إدارة ترامب تعمل على إعداد عرض منافس لعرض "هواوي" لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر. ومع ذلك، فقد أبدت الصين عموماً استعداداً أكبر بكثير لضخ استثمارات أضخم، وتنفيذ مشاريع بناء، وتوفير تقنيات متطورة للقاهرة، إلى جانب تقديم منصات عسكرية بقيود أقل بكثير من تلك التي يفرضها المنافسون الأمريكيون. وطالما أن الولايات المتحدة غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على القاهرة لمنعها من تعميق علاقاتها مع بكين أو تقديم بدائل مجدية للعروض الصينية، فمن المرجح أن تستمر مصر في قبول هذه العروض.