- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4266
اجتماع ترامب مع مجلس التعاون الخليجي: مسار للخروج من الصراع
في ضوء التحولات التي شهدتها خريطة التهديدات هذا الشهر، ينبغي للإدارة الأمريكية الدفع نحو اتفاق توافقي جديد شبيه بمذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو. غير أن إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات ستتطلب قبول بعض مخاطر التصعيد، وتقديم ضمانات أمنية أكثر وضوحاً وملموسية لشركاء الخليج الذين باتوا أكثر عرضة للخطر.
في 22 أيلول/سبتمبر، يلتقي الرئيس ترامب قادة دول مجلس التعاون الخليجي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة الخطوات المقبلة في التعامل مع إيران. وحتى الآن، لم تكشف الإدارة سوى القليل عن تصور الرئيس. ورغم تلويحه علناً بتصعيد عسكري كبير ضد النظام الإيراني، فإن النهج الأكثر ترجيحاً – وربما الأنجح – يتمثل في طرح تسوية شبيهة بمذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو، إذ يمكنها تحقيق الأهداف الأمريكية الأساسية من دون محاولة فرض استسلام إيراني يبدوبعيد المنال في الظروف الراهنة. لكن دول مجلس التعاون ستكون شريكاً حاسماً في أي مسار من هذا النوع؛ ولذلك يتعين على الرئيس أولاً إقناعها، بدءاً بالسعودية، بأن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبها في مواجهة إيران ووكلائها.
التفاوض هوالحل الوحيد
إذا كان التصعيد الأمريكي مطروحاً بجدية، فمن المستبعد أن يحظى الرئيس بدعم واسع من دول مجلس التعاون إذا اختار هذا المسار، كما ظهر في ظروف مماثلة مطلع آب/أغسطس. وبعد قصف خط أنابيب النفط السعودي شرق– غرب في وقت سابق من هذا الشهر، بات قادة الخليج ينظرون إلى بنيتهم التحتية باعتبارها شديدة التعرض لردود انتقامية من إيران ووكلائها إذا شنت الولايات المتحدة ضربات جديدة. ومن حقهم أيضاً التساؤل: كيف يمكن لجولة أخرى من التصعيد أن تُخضع القادة الفعليين الحاليين لإيران – وهم من المحاربين المخضرمين في الحرس الثوري الإسلامي – بينما لم تحقق الجولات السابقة تقدماً ملموساً نحوهذا الهدف؟
حتى قبل الأسبوعين الماضيين، بدت استراتيجية الإدارة وكأنها تحقق نتائج، وإن ببطء. فقد مارست واشنطن ضغطاً على إيران من خلال عقوبات جديدة وتجديد الحصار على موانئها، وفي الوقت نفسه خففت من أثر أساليب الضغط المضاد الإيرانية في الاقتصاد العالمي، جزئياً عبر تسهيل زيادة صادرات النفط الخليجية رغم تعرضها للهجمات. غير أن هجمات نفذها مؤخراً شريكان لإيران - هجوم خاطف للحوثيين على طول ساحل مضيق باب المندب، وضربات شنتها ميليشيات عراقية على خط الأنابيب السعودي الرئيسي المؤدي إلى البحر الأحمر – أثارت تساؤلات حول جدوى الاستراتيجية الأمريكية، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بسرعة وحذر خبراء من أن أزمة الطاقة قد تزداد حدة. ومن ثم، يتيح اجتماع نيويورك فرصة لصياغة نهج تفاوضي جديد وحشد الشركاء لدعمه.
لا تزال لدى الإدارة أوراق يمكن استخدامها. ورغم عدم وضوح مدى تأثير الحصار والإجراءات الاقتصادية الأخرى في قادة إيران، فإن أثرها بالغ على اقتصاد البلاد وسكانها. ومن شبه المؤكد أن هذه التداعيات لا تكفي لإجبار طهران على الاستسلام، لكنها قد تكون كافية لإقناعها بقبول تسوية جديدة، كما فعلت لفترة وجيزة مع مذكرة تفاهم حزيران/يونيو. وإذا لم تختر إدارة ترامب تصعيداً كبيراً أو الانسحاب، فإن العودة إلى نهج حزيران/يونيوتظل الخيار الأفضل.
لكن هذا النهج محكوم عليه بالفشل مجدداً ما لم تحدد الإدارة وشركاؤها الخليجيون مساراً واضحاً يركز على العناصر الآتية:
- إعادة تأكيد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في هذا الصراع.
- وضع استراتيجية لتعزيز هذه المصالح في ضوء التحولات التي شهدها هذا الشهر.
- إعداد خطة تدفع إيران إلى الموافقة على تسوية جديدة.
- تحديد مطالب واضحة من دول مجلس التعاون تُعد ضرورية لنجاح الولايات المتحدة.
توضيح المصالح والاستراتيجية الأمريكية
ينبغي أن تنسجم الأهداف الأمريكية الشاملة في هذا الصراع مع المصالح الأساسية التي سعت الولايات المتحدة إلى حمايتها في الشرق الأوسط على مدى عقود: تحقيق الاستقرار الإقليمي، ومنع هيمنة قوة معادية واحدة، وتقليص الحاجة إلى زيادات عسكرية أمريكية متكررة في المنطقة. وقد أكدت الهجمات التي شنتها إيران ووكلاؤها على إسرائيل ودول أخرى منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 الأهمية البالغة لهذه المصالح.
ولحسن الحظ، تحقق الكثير منذ ذلك التاريخ. فقد سقط نظام الأسد؛ وتعرضت حماس وحزب الله لهزائم عسكرية بدرجات متفاوتة؛ ولا يزال الحوثيون والميليشيات العراقية مقيدين عن مهاجمة أهداف أمريكية أوإسرائيل بشكل مباشر، رغم ضرباتهم الأخيرة ضد السعودية. وفي الوقت نفسه، دُمّر جزء كبير من البرنامج النووي الإيراني – على الأقل في الوقت الراهن – وتراجعت قدرات ترسانتها الصاروخية. كما أن ورقتها الأقوى، والمتمثلة في إغلاق مضيق هرمز، لا تزال غير محكمة، فضلاً عن أنها تفرض كلفة اقتصادية باهظة تتمثل في حصار صادرات إيران النفطية نفسها.
وبالتالي، ليس من الضروري السعي إلى الهدف غير الواقعي المتمثل في استسلام إيران من أجل تحقيق أهداف الولايات المتحدة الأوسع في الاحتواء والاستقرار. وبدلاً من ذلك، تستطيع واشنطن ترسيخ الاحتواء والردع عبر التفاوض على تسوية تهدئ الموقف، على أن تركز أولاً على وقف محاولات إغلاق الممرات المائية الإقليمية، ثم تبدأ، بعد تحقيق هذا الهدف، محادثات بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني. وقد تحققت هذه النتيجة عملياً في مذكرة التفاهم السابقة. ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى تلك الوثيقة، ينبغي أن تشكل صيغة ما من اتفاق حزيران/يونيوأساس النهج الأمريكي الجديد تجاه الأزمة.
ما الذي ينبغي أن يتضمنه الاتفاق المقبل؟
على الرغم من مزايا مذكرة تفاهم حزيران/يونيو، فقد صيغت على عجل وافتقرت إلى الدقة، وربما قدمت لإيران تنازلات أكثر مما كان ضرورياً في ذلك الوقت. ويمكن لنهج مُحسّن يستند إلى تلك الوثيقة أن يتضمن في مرحلته الأولى الشروط الآتية:
· الوقف الفوري والدائم للهجمات العابرة للحدود على جميع الجبهات من جانب إيران والولايات المتحدة وحلفائهما وشركائهما، سواء كانوا دولاً أوجهات من غير الدول.
- فتح مضيق هرمز أمام جميع أشكال الملاحة.
- وقف أي عمل عسكري – بما في ذلك زرع الألغام والحرب الإلكترونية – من أي طرف ضد أي سفينة أوطائرة داخل هذا الممر المائي.
- إعادة المضيق إلى وضعه الذي كان قائماً قبل الحرب.
- وفي مرحلة ثانية تبدأ في موعد محدد بعد تنفيذ البنود السابقة، ينبغي للولايات المتحدة الإصرار على إجراء محادثات مباشرة مع إيران بشأن اتفاق نووي دائم، من دون فرض سقف زمني صريح على المفاوضات. ويمكن للموقف الأمريكي هنا أن يستند إلى عناصر من مذكرة تفاهم حزيران/يونيو:
- إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، تحافظ إيران على الوضع القائم في برنامجها النووي. وفي الحد الأدنى، ينبغي إلزامها بعدم إجراء أي تخصيب جديد لليورانيوم.
- يتعين على إيران الالتزام بالتخلص من مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب، على الأقل من خلال خفض مستوى تخصيبه داخل البلاد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- ينبغي لواشنطن الإصرار على أن يكرّس أي اتفاق جديد التزامات دائمة وغير محددة المدة على الجانبين.
وبمجرد انطلاق المرحلة النووية من هذا المسار الدبلوماسي، ينبغي لواشنطن أن تتفاوض مع إيران، في مسار منفصل، بشأن وضع قيود على صواريخها بعيدة المدى.
وفي المقابل، تتخذ الولايات المتحدة الخطوات الآتية بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل: رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية؛ وإنهاء جميع العقوبات المرتبطة بإنتاج الهيدروكربونات الإيرانية ومعالجتها وشحنها وبيعها؛ والإفراج عن جزء من الأموال المتأتية من المبيعات السابقة.
وخلال المفاوضات النووية، تلتزم واشنطن بعدم فرض عقوبات جديدة أونشر قوات عسكرية إضافية في المنطقة. وبعد التوصل إلى اتفاق، تنهي جميع العقوبات الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وتطلب من الدول الأخرى والأمم المتحدة إنهاء العقوبات النووية التي تفرضها، وتعيد إلى طهران جميع الأموال المجمدة المرتبطة بقطاع الهيدروكربونات.
إقناع إيران ودول مجلس التعاون
لزيادة فرص أن تنظر إيران بجدية في مثل هذا الاتفاق، يتعين على واشنطن أن تقدم العرض بصورة صريحة ومباشرة، وأن توفر ضمانات بأنها لن تتراجع عن أي اتفاق يتم التوصل إليه. وهذا مصدر قلق يثيره الإيرانيون باستمرار في ظل التحولات الدورية بين الإدارات الأمريكية المختلفة، بل وأحياناً داخل الإدارة الواحدة. وبطبيعة الحال، ستكون الشروط المقترحة أعلاه أقل جاذبية لطهران من شروط مذكرة تفاهم حزيران/يونيو. ولدفع النظام إلى قبولها رغم ذلك، ستحتاج واشنطن على الأرجح إلى مواصلة سياستها الحالية القائمة على الضغط الاقتصادي ومرافقة المزيد من ناقلات النفط إلى خارج الخليج رغم تعرضها للهجمات.
ولردع إيران ووكلائها عن شن ضربات جديدة على البنية التحتية الخليجية خلال هذه المرحلة الخطرة التي تسبق المفاوضات، سيتعين على واشنطن وشركائها قبول قدر إضافي من المخاطر الجسيمة، عبر تحذير طهران من أن منشآتها للطاقة ستتعرض لضربات قاسية إذا استمرت هذه الهجمات. وإلا، فستنهار الاستراتيجية الأمريكية برمتها مع ارتفاع أسعار النفط ولجوء دول الخليج إلى إبرام صفقات أحادية غير مواتية مع إيران. والأهم أن تتحلى واشنطن بالصبر خلال هذه العملية، وأن تتشاور بوتيرة أكبر مع شركائها المتشككين لنقل موقف متسق، وأن توضح أهدافها للرأي العام الأمريكي القلق.
لا شك أن دول مجلس التعاون ستكون معرضة لمخاطر شديدة خلال هذه العملية، سواء من خلال الإضرار بشريانها الاقتصادي أو احتمال تعرضها لهجمات أكثر خطورة. ولذلك يتعين على واشنطن الإقرار بالمخاطر الوجودية الاستثنائية التي تواجهها هذه الدول. ومع ذلك، تدرك تلك الدول جيداً أن الولايات المتحدة تظل الضامن الأمني الحقيقي الوحيد لها في هذا الصراع، رغم تباين نجاح الحلفاء في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وعليه، ينبغي أن تتمثل أهم أولويات الرئيس ترامب في اجتماع هذا الأسبوع في طمأنة قادة الخليج إلى استمرار الدور الأمني الأمريكي، وإقناعهم في الوقت نفسه بالاستراتيجية الجديدة تجاه إيران الموضحة أعلاه. ويجب أن تكون الإدارة مستعدة لترجمة هذه التطمينات إلى إجراءات ملموسة إذا شنت إيران أووكلاؤها هجمات كبيرة أخرى على هذه الدول. وقد يشمل ذلك رداً عسكرياً أمريكياً على إيران نفسها، وتقديم دعم عسكري أكبر للرياض في مواجهة الحوثيين. ويمكن للرئيس أيضاً منح الضوء الأخضر لدول مجلس التعاون للتوصل إلى تفاهمات جانبية مع إيران بشأن مضيق هرمز، شريطة أن تُطلع واشنطن على أي محادثات من هذا النوع، وأن تحافظ على الوضع الدولي للممر المائي، وألا تسمح بإنشاء أي نظام فعلي لتحصيل رسوم تتلقى بموجبه طهران مدفوعات كبيرة مقابل مرور الشحنات.
وأخيراً، تحتاج واشنطن إلى أن تتحدث دول مجلس التعاون، التي تعاني انقسامات مزمنة، بصوت واحد خلال هذه الأزمة. كما يتعين عليها أن تكون مستعدة لتحصين قواعدها العسكرية والقواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، والسماح بنشر منظومات هجومية أمريكية لديها لردع أي هجمات إيرانية جديدة.