- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4192
زولغادر على رأس الأجهزة الأمنية الإيرانية
يُظهر تعيينه أميناً لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني" أن النظام يعتمد على شخصية متشددة مخضرمة لإدارة الأزمة والحفاظ على السيطرة.
في 24 آذار/مارس، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان تعيين الجنرال محمد باقر زولغادر أميناً لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني"، خلفاً للرئيس المؤثر علي لاريجاني، الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية في 17 آذار/مارس. ثم، في 25 آذار/مارس، أفادت قناة" الحدث " عن تقرير يبدو أنه صادر عن جيش الدفاع الإسرائيلي يشير إلى استهداف زولغادر في غارة جوية، لكن حالته لا تزال غير مؤكدة حتى وقت كتابة هذا التقرير.
سواء كان لا يزال على قيد الحياة أم لا، فإن مجرد تعيين زولغادر في هذه اللحظة من الأزمة يظهر كيف تتكيف الجمهورية الإسلامية تحت الضغط. بدلاً من اختيار دبلوماسي أو ما يُسمى بتكنوقراطي أو شخصية سياسية معروفة للجمهور، اختار النظام شخصية قديمة من "الحرس الثوري الإيراني" (IRGC) امتدت مسيرته المهنية بين الحرب غير المتكافئة والأمن الداخلي والتنسيق المؤسسي وإدارة الدولة القسرية. من الناحية العملية، تشير هذه الخطوة إلى أن النظام الإسلامي يعزز هيكله الأساسي لصنع القرار حول شخصية ترتبط بالحفاظ على النظام من خلال الانضباط والسيطرة والتنسيق بالقوة الصلبة أكثر من ارتباطها بالمرونة.
سنوات التكوين كثوري
قبل ثورة 1979، انضم زولغادر إلى منظمة إرهابية إسلامية سرية تدعى "منصورون"، والتي شاركت في عام 1978 في قتل المدير التنفيذي الأمريكي لشركة نفطية بول إي. جريم وزميله الإيراني مالك محمد بوروجردي في جنوب إيران. في وقت لاحق، اعترف زولغادر علناً بدوره في محاولات الاغتيال التي قامت بها "المنصورون" - وكما قال، أرسل الضحايا "إلى الجحيم ".
ومع ذلك، يُعرف زولغادر أكثر بالدور الذي لعبته الحرب الإيرانية - العراقية في تشكيل تجربته كقائد في "الحرس الثوري الإيراني". ولا تكمن أهمية هذا الدور في البطولات الميدانية التي حققها على الخطوط الأمامية، بقدر ما تكمن فيما يمكن وصفه ببناء بنية أمنية عابرة للحدود للنظام. ففي عام 1984، أسس سلف "قوة القدس" الحالية، المعروف باسم "مقر رمضان". وكانت قيادة العمليات الخارجية في زمن الحرب غير تقليدية، نظراً لطبيعتها متعددة المجالات، إذ عملت مع الأكراد العراقيين وعناصر أخرى مناهضة لـ"حزب البعث" في شمال العراق، ومزجت بين العمل العسكري والتسلل وبناء الشبكات والحرب السياسية عبر الحدود. وفي تصريحاته الاستعادية، وصف زولغادر "مقر رمضان" بأنه يعمل "على مستوى تنظيمي مماثل للحكومة"، ولا يهدف فقط إلى محاربة القوات العراقية، بل إلى توسيع نطاق الثورة الإسلامية داخل العراق. وقد وضعه هذا الدور ضمن الكوادر التي تعلمت مبكراً النظر إلى الحرب ليس فقط كوسيلة للدفاع عن الأراضي، بل كأداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية خارج حدود إيران، بهدف "تصدير الثورة" وتوسيع نفوذ النظام.
المسيرة المهنية بعد الحرب مع العراق
تكتسب مسيرة زولغادر المهنية بعد الحرب أهمية أكبر في تقييم نفوذه. فقد خدم ثماني سنوات (1989– 1997) كرئيس لهيئة الأركان المشتركة لـ"الحرس الثوري الإيراني" تحت قيادة محسن رضائي، وثماني سنوات أخرى كنائب القائد العام للحرس (1997– 2005)، هذه المرة تحت قيادة يحيى رحيم صفوي، مما أكسبه اطلاعاً واسعاً على الكواليس الداخلية للمؤسسة الأمنية. وخلال هذه الفترة، تطور"الحرس الثوري الإيراني" من قوة قتالية ثورية إلى مؤسسة أمنية حكومية أوسع نطاقاً، ذات أدوار سياسية واستخباراتية واقتصادية وإقليمية متنامية. وكانت هذه هي الحقبة التي عزز فيها الحرس بنيته البيروقراطية الاستراتيجية، وزاد من أصوله المادية، وعمّق شبكاته الخارجية، ووسّع نفوذه داخل الدولة. وبالتالي، كان زولغادر جزءاً من طبقة القيادة العليا التي أشرفت على التحول المؤسسي لـ"الحرس الثوري الإيراني" ونضوجه ليصبح أداة مركزية في ممارسة السلطة داخل النظام.
كما أن انتقال زولغادر إلى وزارة الداخلية في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد يكشف الكثير عن طبيعة دوره. فخلال الولاية الأولى لأحمدي نجاد (2005– 2009)، شغل منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية. وقد اتسمت تلك الفترة بتحديات أمنية داخلية خطيرة، بما في ذلك الاضطرابات العربية ذات الطابع العرقي والتفجيرات في خوزستان (2005– 2006)، وتصاعد التمرد السني في سيستان وبلوشستان (لا سيما خلال 2007– 2009)، وكذلك الاضطرابات الكردية والأنشطة المتمردة في الشمال الغربي خلال الفترة نفسها. وتُظهر هذه التطورات أن زولغادر لم يُعيَّن لأداء مهام إدارية روتينية، بل لإدارة وقمع الاضطرابات الداخلية في وقت كان فيه النظام يتعامل مع الأطراف بوصفها تهديداً مباشراً للأمن القومي. ويتماشى انتقاله لاحقاً إلى القضاء الإيراني مع هذا النمط. فقد عُيِّن أولاً في منصب يتعلق بمنع الجريمة والأمن الاجتماعي، ثم نائباً للشؤون الاستراتيجية، وشملت فترة ولايته أزمة "الحركة الخضراء" عام 2009، عندما عمل النظام بكثافة غير مسبوقة على طمس الخط الفاصل بين الإجراءات القضائية وإنفاذ الأمن. وفي الواقع، أُوكلت إليه مهمة دمج أدوات القمع بشكل أكثر منهجية ضمن مؤسسات الدولة.
قد تبدو فترة ولايته منذ عام 2021 كأمين عام لـ"مجمع تشخيص مصلحة النظام"، وهو كيان مُصمَّم ظاهرياً لحل النزاعات، ذات طابع بيروقراطي، لكنها كانت في الواقع ذات بعد أيديولوجي واضح، ووضعته في صميم المستويات السياسية والنخبوية العليا في إيران. وفي النظام الإسلامي، يُعد هذا النوع من المناصب النخبوية مناصب تُمنح للمقربين الموثوق بهم الذين يُتوقع منهم المساهمة في مواءمة المؤسسات المتشددة.
وتكمن حسابات مماثلة وراء تعيينه الأخير، فمجلس الأمن القومي الأعلى يُعد أحد الهيئات التنسيقية الرئيسية للنظام في مجالات الدفاع والاستخبارات والسياسة الخارجية. ويرأسه الرئيس رسمياً، ويقع عند نقطة التقاء بين القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والسلطة التنفيذية المدنية ومكتب المرشد الأعلى، أو ما تبقى منه. ويشير استبدال لاريجاني بزولغادر إلى أن طهران تريد أميناً لا تتمثل ميزته النسبية في مهارة التفاوض، بل في القدرة على دمج أدوات القوة القسرية في ظروف الأزمات. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل بيئة الحرب الحالية، وخسائر القيادة، والضغط المتزايد على نظام القيادة والسيطرة. فشخصية بخلفية مثل زولغادر تُعد مناسبة للحفاظ على تماسك الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والقضاء، والجهازين السياسي والأمني، عندما تكون القيادة غير واثقة وتتعرض لضغوط.
ومع ذلك، فإن المعنى الأوسع ليس أن النظام اختار مجرد متشدّد، فالنظام كان متشدّداً بالفعل. النقطة الأهم هي أنه اختار شخصية تتوافق مسيرته المهنية مع بناء الدولة الأمنية للجمهورية الإسلامية، بما في ذلك العمليات الخارجية خلال الحرب مع العراق، والقيادة العليا خلال التوسع المؤسسي لـ"لحرس الثوري"، وإدارة الأمن الداخلي في سنوات أحمدي نجاد، وتكامل القضاء والأمن بعد عام 2009، والتنسيق بين النخبة عبر "مجمع تشخيص مصلحة النظام". كل هذه التجارب تشير إلى مدير مؤهل لإدارة الحكم القمعي المنهجي.
الخلاصة والتوصيات السياسية
إلى جانب الصورة العامة المتاحة، يمكن قراءة ترقية زولغادر بصورةٍ أكثر تحديداً ضمن سياق نظامٍ يبدو مستعداً لاستكشاف تنازلات محدودة تحت ضغطٍ شديد في زمن الحرب، بما في ذلك عبر قنوات يُقال إنها قد تشمل باكستان. وإذا كانت طهران تختبر بالفعل شكلاً من أشكال وقف إطلاق النار أو صفقة مؤقتة، فإن تعيين زولغادر قد يشير إلى أن أي تنازل ذي مغزى سيتم ترشيحه عبر النواة الأمنية للنظام، وليس عبر الجهاز الدبلوماسي التقليدي بقيادة وزير الخارجية عباس أراغشي. ومن الناحية العملية، يعني هذا أن إدارة ترامب قد تضطر للتفاوض فعلياً مع الدائرة المقربة من "الحرس الثوري الإيراني"، التي شاركت في قمع وقتل الشعب الإيراني على نطاق واسع.
وستتضح هذه الحقيقة أكثر إذا لم تؤدِ الحرب إلى انهيار النظام، مما يضع زولغادر على الأرجح في موقع المدير الرئيسي لموقف إيران بعد الحرب. وسيتضمن هذا الدور تحديد نطاق القمع الداخلي، ومدى التصعيد الخارجي الممكن، ومدى إحكام التنسيق بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والقضائية والتنفيذية في ظل الضغوط. وقد يكون لهذا الدور تأثير كبير على كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذها.
بالنسبة للجمهور الإيراني، الإشارة واضحة تماماً، ففي لحظة الضعف، اختار النظام شخصية لها تاريخ طويل في ممارسة السلطة القسرية بدلاً من شخصية تصالحية، أو تكنوقراطية، أو وسيط سياسي وطني - وهو مسؤول سيضمن استمرار القمع والسيطرة للحفاظ على النظام. أما بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين، فالنتيجة الرئيسية هي أنه في أي مفاوضات - سواء كانت حول وقف إطلاق النار، أو تخفيف التوتر البحري، أو إطار عمل نووي وصاروخي أوسع - من المرجح أن يكون زولغادر صانع القرار الرئيسي، وفي بعض الجوانب العملياتية قد يكون له أهمية أكبر حتى من المرشد الأعلى مجتبی خامنئي. قد يظل أراغشي يلعب دورًا في توفير قناة دبلوماسية، لكن بعد مغادرة ظريف، فإن خليفته - سواء كان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أو غيره - سيكون في موقعٍ أفضل لدعم وحماية التيار المتشدد داخل النظام.
من وجهة نظر غربية، لا ينبغي أن يُعتبر تعيين زولغادر مصدر طمأنينة. فعلى عكس أمناء مجلس الأمن القومي السابقين مثل لاريجاني، يشير سجله إلى تورط عميق في آليات النظام الداخلية وخبرة محدودة جداً في التعامل مع النظراء الأجانب، مما ينذر بمستقبل يركّز على التماسك الداخلي للنظام على حساب المرونة مع الأطراف الخارجية. وبالطبع، فهو ليس المركز الوحيد للقوة في القيادة الإيرانية الحالية المتدهور، إذ يتمتع قاليباف بنفوذ كبير، شأنه شأن القائد العام الحالي لـ"الحرس الثوري الإيراني" أحمد واهدي، وبدرجة أقل بكثير، القائد السابق المتقاعد للحرس الثوري الإيراني محسن رضائي. لكن النقطة الأوسع نطاقاً تبقى واضحة فمركز الثقل الظاهر في طهران متمركز في يد "الحرس الثوري الإيراني"، مما يجعل رجال الدين أقل بروزاً بشكل ملحوظ كمديرين للأزمة.