- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4224
التصدي لأحدث مناورة إيرانية في مجال "التحكم الذكي" في مضيق هرمز
تأمل طهران في أن تتمكن "هيئة مضيق الخليج الفارسي" التابعة لها من فرض وقائع جديدة على الأرض ومنحها نفوذاً إضافياً على طاولة المفاوضات، ما يستدعي من واشنطن وشركائها التحرك سريعاً عبر حزمة متكاملة من الإجراءات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية المضادة.
في خضم التبادل العسكري الذي شهده الأسبوع الماضي بين إيران والولايات المتحدة، يتنافس الجانبان أيضاً لفرض سيطرتهما على الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز. في 29 أيار/مايو ، أصدرت القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية (NAVCENT) تنبيهاً مباشراً للبحارة يفيد بأن عمليات عسكرية ستُجرى قريباً شمال شبه جزيرة مسندم العمانية، محذرةً من أن أي سفينة يُشتبه في تورطها في أنشطة زرع الألغام ستكون عرضة للهجوم أو لاتخاذ إجراءات أخرى. كما أوعز إليهم الإشعار بشكل صريح بتنسيق عبورهم مع السلطات البحرية الأمريكية بدلاً من أي نظام تصاريح إيراني.
وبذلك تكون البحرية الأمريكية قد كسرت عملياً محاولة طهران لترسيخ نظامها الرقابي المتمثل في "هيئة مضيق الخليج الفارسي"(PGSA) ،مرتقية بالموقف الأمريكي من الرفض الدبلوماسي إلى خطوة أولى ملموسة نحو فرض حرية الملاحة بالقوة. ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات على جبهات متعددة لضمان انتهاء صلاحية "هيئة مضيق الخليج الفارسي" كأداة للتدخل والإكراه قبل أن تسبب المزيد من الضرر للملاحة العالمية.
الدوافع المحلية، والاستجابات الأجنبية
في 20 أيار/مايو جرى الإعلان عن إنشاء "هيئة مضيق الخليج الفارسي " التي تم إقرارها قبل أربعة أسابيع، وتسعى إلى فرض قيود ورسوم على كل سفينة تدخل "منطقة الأشرفية "التي تقارب مساحتها 22,000 كيلومتر مربع. يمتد الحد الشرقي لهذه المنطقة من جبل مبارك في إيران إلى جنوب الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، بينما يمتد حدها الغربي من نهاية جزيرة قشم إلى أم القيوين. أمرت إيران السفن بتنسيق عبورها مع "هيئة مضيق الخليج الفارسي" مسبقاً، والحصول على تصاريح، والخضوع لعمليات تفتيش من أجل "الأمن " و"الامتثال البيئي"، وتقديم ضمانات مالية، ودفع رسوم "التأمين " عبر منصة العملة المشفرة "Hormuz Safe" التي أنشأتها وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية الإيرانية، واتباع مسارات بديلة شمال وجنوب جزيرة لاراك (بذريعة أنها ممرات لتجنب الألغام).
تعد "هيئة مضيق الخليج الفارسي" التطور الأكثر طموحاً لمفهوم "السيطرة الذكية "الذي تتبناه طهران منذ عقد من الزمن، والذي كان ينطوي في السابق على تعطيل انتقائي، وعمليات تفتيش، ورفض دخول السفن "المحاربة "، دون الوصول إلى حد الإغلاق التام للمضيق. " وتستند السلطة الجديدة أيضاً بشكل مباشر إلى التدريبات البحرية التي أجراها "الحرس الثوري الإسلامي" قبل الحرب تحت عنوان "الرقابة الذكية على مضيق هرمز "، بالإضافة إلى مشروع قانون برلماني قدمه مشرعون متشددون في نيسان/أبريل.
على الصعيد الداخلي، من المرجح أن النظام يهدف إلى أن تكون "هيئة مضيق الخليج الفارسي" بمثابة شعار حشد داخلي في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتزايد. وعلى الصعيد الدولي، يتزامن هذا المخطط مع تكثيف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول مذكرة تفاهم محتملة تهدف إلى كسر الجمود من خلال إعادة فتح المضيق وتخفيف الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ومن خلال فرض رقابة عميقة داخل المياه الإماراتية وطرح بروتوكولات إيرانية - عمانية مشتركة لـ"إدارة" الممر المائي، تهدف طهران إلى ترسيخ الحقائق على الأرض، والحصول على تنازلات، وتطبيع حق النقض الذي تتمتع به على تدفقات الطاقة العالمية قبل أن يتبلور أي اتفاق.
كانت ردود الفعل الأولية على المخطط سريعة وسلبية. إذ رفضت الإمارات العربية المتحدة على الفور هذه المنطقة باعتبارها انتهاكاً صارخاً لسيادتها؛ كما دخلت في شراكة مع البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية لإصدار تحذيرات مشتركة عبر المنظمة البحرية الدولية (IMO) تحث المشغلين التجاريين على عدم الامتثال.
في واشنطن، صنفت وزارة الخزانة في 27 أيار/مايو "هيئة مضيق الخليج الفارسي " على أنها مخطط ابتزاز مرتبط بـ"الحرس الثوري الإيراني"، مما يعرض أي بنوك أو شركات تأمين أو كيانات أخرى لعقوبات ثانوية إذا تعاونت مع الخطة. استند هذا التصنيف إلى تنبيه وزارة الخزانة الصادر في الأول من أيار/ مايو الذي حذر المشغلين من أنهم يخاطرون بفرض عقوبات عليهم إذا امتثلوا لمطالب إيران بدفع رسوم العبور (سواء بالعملة الورقية أو الأصول الرقمية أو "التبرعات" العينية)، أو حتى إذا قدموا معلومات حساسة عن السفن مقابل السماح بمرورها.
وفي الوقت نفسه، صعّدت إيران من استفزازاتها العسكرية خلال الأسبوع الماضي، بما في ذلك محاولات زرع الألغام في 25 أيار/مايو، والهجمات على السفن الدولية بالقرب من المياه العمانية والعراقية في 26 أيار/مايو و1 حزيران/يونيو، وهجمات "الحرس الثوري الإيراني" بالصواريخ والطائرات المسيّرة في 27 و31 أيار/مايو. ومن ثم، دفعت هذه الأعمال الولايات المتحدة إلى شن غارات على البنية التحتية لـ"الحرس الثوري الإيراني" في بندر عباس وسيريك وقشم؛ ورداً على ذلك، أطلقت إيران صواريخ على قاعدة أمريكية في الكويت.
غياب أساس قانوني
أكدت طهران مراراً وتكراراً أن "هيئة مضيق الخليج الفارسي " هي آلية قانونية مشروعة لإدارة المضيق، لكن هذه الادعاءات لا أساس لها في القانون الدولي. بموجب المواد 37– 38 و44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، يُعتبر مضيق هرمز مضيقاً دولياً لا يجوز عرقلة أو تعليق العبور عبره حتى في أوقات الحرب. ويجوز للدول الساحلية وضع مخططات لفصل حركة الملاحة وتنظيم السلامة والملاحة (المواد 41– 43)، ولكن فقط بطرق غير تمييزية تتوافق مع معايير المنظمة البحرية الدولية (IMO) - ولا يجوز لها فرض شروط للحصول على إذن مسبق، أو رسوم، أو رفض انتقائي، أو إنشاء "مناطق إشرافية" واسعة النطاق. عند النظر في المرور عبر مثل هذه المضائق، فإن السيادة تكون بطبيعتها "مقيدة " بموجب المادة 34(2) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي - وهو حكم قانوني فني يميل المتحدثون الإيرانيون إلى تجاهله عند الإدلاء بمطالباتهم بشأن الممر المائي.
إيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتتبنى مفهوم "المرور البريء " الأكثر ملاءمة لمصالحها. ومع ذلك، فإن معظم الدول الأخرى، بما في ذلك عُمان المجاورة، وهي طرف في الاتفاقية، تقبل مفهوم "المرور العابر" الذي قننته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار باعتباره قانوناً دولياً عرفياً في مضيق هرمز. وكما أُشير أعلاه، فإن "منطقة الإشراف" المقترحة في "هيئة مضيق الخليج الفارسي "، ومتطلبات الترخيص، والرسوم، والتوسع في المياه الإماراتية والعُمانية، تتجاوز بكثير حدود التنظيم البحري المشروع. كما أن ادعاءات طهران بالملكية المشتركة للمضيق مع عُمان لا يمكن الدفاع عنها من الناحية القانونية. وعلى عكس اتفاقية مونترو، التي أُبرمت قبل قرن من الزمان لتنظيم المرور عبر ممر مائي حساس آخر هو مضيق البوسفور والدردنيل، لا توجد لدى الدول الساحلية في منطقة الخليج ترتيبات تاريخية مسبقة بشأن المرور عبر هرمز.
باختصار، لا يوجد أي أساس قانوني يدعو المجتمع الدولي إلى دعم الادعاءات الإيرانية بامتلاك غطاء قانوني لاستبدال الحق غير القابل للتعليق في "المرور العابر " برقابة قسرية انتقائية. بل إن ""هيئة مضيق الخليج الفارسي" تشكل تحدياً مباشراً لحرية الملاحة ولأي جهود تهدف إلى إعادة فتح المضيق بصورة مستدامة.
جهود الإنفاذ حتى الآن
بدأت إيران في إنفاذ "هيئة مضيق الخليج الفارسي" بشكل محدود. وتدعي أنها تنسق ما بين 26 و32 عبوراً يومياً، معظمها ناقلات من "أسطولها الخفي" لتهريب النفط وحفنة من السفن الآسيوية المتوافقة، بما في ذلك بعض السفن الصينية. ويقل هذا الرقم بكثير عن متوسط معدل حركة المرور قبل الحرب البالغ 130 سفينة يومياً. وبالتوازي مع ذلك، تشير محاولات إيران الأخيرة لزرع الألغام، والضربات بالطائرات المسيرة، والعمليات الحركية الأخرى إلى جهد نشط لفرض الامتثال من خلال المضايقة والترهيب.
على المدى الطويل، ومع ذلك، ستجعل القيود التشغيلية والاقتصادية إنفاذ هذا المخطط صعباً إن لم يكن مستحيلاً. على الجبهة البحرية، تم تحييد الأسطول السطحي التقليدي الإيراني بشكل فعال، حيث تم تدمير أو تعطيل ما بين 120 و150 سفينة، بما في ذلك فرقاطات الصواريخ الموجهة، وسفن الهجوم السريع، وسفن الإمداد، وسفن زرع الألغام. وعلى الرغم من نجاة العديد من الزوارق السريعة الصغيرة التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني"، فإن مواصلة العمليات بوتيرة عالية في مواجهة الاستهداف الأمريكي المتواصل لمواقع إطلاق القوارب الساحلية، ومرافق الدعم، والطائرات المسيرة، وأصول زرع الألغام، سيكون أمراً بالغ الصعوبة.
على الجانب الاقتصادي، أدى الحصار المضاد الذي فرضته الولايات المتحدة منذ منتصف نيسان/أبريل إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بأكثر من 80%، وفرض تخفيضات في الإنتاج تنطوي على مخاطر إلحاق أضرار طويلة الأمد بالمكامن، وتسبب في خسائر يومية في الإيرادات بمئات الملايين، ودفع مخزون النفط الخام في جزيرة خرج إلى ما يقارب سعته القصوى، وترك للنظام حوالي اثني عشر إلى أربعة عشر يوماً من سعة التخزين البرية القابلة للاستخدام قبل أن يضطر إلى البدء في سد آبار النفط. ومن المؤكد أن الكميات الكبيرة من النفط التي وضعتها طهران في مخازن عائمة وبرية خارج المنطقة لا تزال تمنحها احتياطياً لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر تقريباً قبل أن يبدأ هذا المصدر الرئيسي للدخل في النضوب، لكن الآثار الأخرى بدأت تظهر بالفعل. لا يمكن للاقتصاد الإيراني أن يكون في مأمن من حقيقة أن حركة التجارة الرئيسية عبر المضيق قد انهارت إلى 5– 10% من متوسط ما قبل الحرب، مع ارتفاع أقساط مخاطر الحرب إلى أكثر من ستة عشر ضعفاً عن المستوى الطبيعي. كما يواجه النظام خطر أن تؤدي الأزمة المطولة في المنطقة في نهاية المطاف إلى درجة معينة من "الانفصال" العالمي عن إمدادات النفط والسلع الأخرى التي يتم توصيلها عبر هرمز، بما في ذلك بضائعه المربحة.
توصيات سياسية
في نهاية المطاف، فإن استراتيجية إيران الخاصة بـ "هيئة مضيق الخليج الفارسي "غير قابلة للاستمرار بسبب مزيج من الهشاشة القانونية والخسائر العسكرية والحصار الأمريكي والنزيف الاقتصادي (الذي تفاقمه احتمالية بقاء أعداد العبور عبر مضيق هرمز منخفضة في ظل أي مخطط من هذا القبيل). وإذا أسفرت المفاوضات الجارية عن اتفاق قابل للتطبيق - يتضمن التزاماً إيرانياً بحرية الملاحة بموجب القانون الدولي وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل بموجب خطة فصل حركة الملاحة الحالية لمنظمة الملاحة البحرية الدولية - فإن آلية "هيئة مضيق الخليج الفارسي" ستُلغى، سواء كشرط صريح للاتفاق أو تلقائياً مع دخول شروط الاتفاق حيز التنفيذ. ومع ذلك، إذا فشل المفاوضون الأمريكيون في الحصول على مثل هذه الالتزامات الملزمة وسُمح لـ "هيئة مضيق الخليج الفارسي" بالاستمرار بشكل ما، فستظل هذه الآلية أداة قسرية فعالة.
وبناءً على ذلك، يجب على إدارة ترامب تبني نهج متعدد المستويات واستباقي لمواجهة "هيئة مضيق الخليج الفارسي" في أقرب وقت ممكن، مع التركيز على مجموعة التدابير التالية الواضحة والمتسقة والقابلة للتنفيذ بسهولة:
- الإعلان عن "قوة أمن هرمز" وإطلاقها. وينبغي أن تستند هذه العملية المعززة لحرية الملاحة مباشرة إلى نجاح البيانات الأخيرة للقيادة المركزية الأمريكية والعمليات الدفاعية ضد تهديدات "الحرس الثوري الإيراني". ويمكن أن تندرج ضمن إطار أمني بحري متعدد الجنسيات مُحدث ومدعوم بالتكنولوجيا، يركز على القوة المشتركة 152 الحالية، التي يتم تغيير اسمها أو توسيعها لتصبح قوة مخصصة لمضيق هرمز.
- مواصلة التنديد العلني والخاص بإعلان إيران بشأن "هيئة مضيق الخليج الفارسي "باعتباره محاولة غير مشروعة لإعادة كتابة المعايير البحرية الدولية. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تنسق واشنطن مع فرنسا واليابان وعُمان والإمارات والمملكة المتحدة وغيرها من المستخدمين الرئيسيين للمضيق لإعادة تأكيد نظام فصل حركة الملاحة الحالي التابع للمنظمة البحرية الدولية.
- توسيع نطاق التصنيف الصادر عن وزارة الخزانة في 27أيار/ مايو بفرض عقوبات ثانوية على أي شركات، أو بنوك، أو شركات تأمين ،أو حكومات تمتثل لقيود "هيئة مضيق الخليج الفارسي" أو تسهل هذا النظام بأي شكل آخر. بالإضافة إلى إرسال رسالة قوية، سيساعد ذلك في جعل التعاون مع مطالب طهران غير مُجدى تجارياً.
- الحفاظ على الضغط الاقتصادي وصقله، جزئياً من خلال اعتراض سفن "الأسطول الخفي" الإيراني، وأيضاً من خلال ربط أي مساعدة فنية لإيران (مثل دعم إزالة الألغام بالقرب من خارج) بالتخلي الدائم والقابل للتحقق عن خطة "هيئة مضيق الخليج الفارسي" وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل تحت إشراف دولي.
- تحذير عُمان - ولكن بحذر. يجب أن تكون واشنطن حازمة في إبعاد مسقط عن أي تعاون مع طهران قد يقوض الحق غير القابل للتعليق في المرور العابر عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، في الوقت نفسه، من غير المجدي للغاية اقتراح استخدام الضغط العسكري ضد عُمان أو تفجير العلاقات الثنائية مع دولة تستضيف القوات الأمريكية بشكل متكرر في ثلاثة مواقع عسكرية مهمة. بدلاً من ذلك، ينبغي أن تعمل واشنطن عن كثب مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) وعُمان ودول رئيسية أخرى لدعم ترتيبات إدارة حركة المرور غير التمييزية التي تحترم القانون الدولي الراسخ.
من خلال هذا المزيج من الرفض القاطع لـ"هيئة مضيق الخليج الفارسي "، وفرض عقوبات محددة الهدف، ومواءمة العمليات البحرية للحلفاء، واستخدام النفوذ الاقتصادي، والانخراط في دبلوماسية مبدئية ومتسقة مع عُمان ودول الخليج، يمكن لإدارة ترامب توجيه طهران نحو تراجع عملي بشأن هذه القضية. وبذلك، يمكن أن تساعد في استعادة مضيق هرمز كمشاع عالمي، وتثني الجهات الفاعلة الأخرى عن تفسير هذه الأزمة كسابقة قسرية خطيرة بالنسبة للممرات الحيوية في أماكن أخرى من العالم.