أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3133

السباق للفوز بإسطنبول: خطة أردوغان الأصلية والبديلة

سونر چاغاپتاي

متاح أيضاً في English

10 حزيران/يونيو 2019


تشير استطلاعات الرأي الخاصة بإعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول إلى تقدّم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو على مرشح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء السابق بينالي يلدريم (بن علي يلدرم). وعلى الرغم من فوز إمام أوغلو خلال الانتخابات الأولى التي جرت في 31 آذار/مارس، إلا أن مجلس الانتخابات في البلاد ألغى النتيجة، بحجة وجود مخالفات تتعلق بتشكيل لجان الاقتراع في بعض مناطق إسطنبول، ودعا إلى إعادة الانتخابات في 23 حزيران/يونيو.

ونظراً لأن إسطنبول تمثّل ثلث اقتصاد تركيا وأن أردوغان كان عمدة [رئيس بلدية] إسطنبول قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في عام 2003، فيمكن أن تكون هذه الانتخابات منصة يتحدى من خلالها إمام أوغلو الرئيس أردوغان على الصعيد الوطني. ومع ذلك، فلدى أردوغان - الذي يسيطر على العديد من مؤسسات الدولة، بما فيها الكثير من وسائل الإعلام والمحاكم والشرطة ومجالس الانتخابات - خطتان للفوز بمدينة إسطنبول، واحدة صيغت قبل 31 آذار/مارس والأخرى بعد هذا التاريخ.  

الخطة (أ): الفوز بأصوات السكان عبر مزيج سياسي

تنعكس خطة أردوغان المفضلة للفوز في انتخابات إسطنبول لصالح يلدريم من خلال "مجموعة من الأساليب": أي مزج أدوات مختلفة مصممة لتحقيق مكاسب تدريجية لصالح مرشحه المفضل بدلاً من لحظة "تحوّل مصيري" كبرى. أولاً، تمّ التعرّض جسدياً لنحو ستة صحفيين تابعين للمعارضة خلال الأسابيع الأخيرة. وعلى الرغم من إلحاق بعض الجروح الخطيرة، إلّا أنه بالكاد تلقّى الفاعلون أي تأنيب؛ وبدلاً من ذلك، منحتهم الشرطة والمحاكم حصانة. وفي غضون ذلك، روّجت روايات كاذبة ومقاطع فيديو تمّ التلاعب بها ونشرها من قبل وسائل الإعلام الموالية لأردوغان، مزاعم بأن إمام أوغلو هو من "أصل يوناني" وبالتالي يجب استبعاده من تولي منصب العمدة.       

وهناك أيضاً احتمال في أن يشوب يوم الانتخابات تزوير طفيف للأصوات. وكانت تركيا قد شهدت تصويتاً حراً ونزيهاً منذ عام 1950، ويبدو أن تزوير واسع النطاق هو خارج نطاق البحث. ومع ذلك، أيّد مجلس الانتخابات إلى حد كبير قرارات أردوغان في الآونة الأخيرة، على غرار قراره الصادر في 6 أيار/مايو بإلغاء نتائج التصويت في إسطنبول. وفي السادس من حزيران/يونيو، عزل المجلس ثلاثة عشر من رؤساء الدوائر التسعة والثلاثين المسؤولين عن عمليات الاقتراع في إسطنبول.  وبإمكان المسؤولين عن الانتخابات الخاضعين لأردوغان مساعدته على تغيير النتيجة لصالحه في 23 حزيران/يونيو إذا كان الفارق بين إمام أوغلو ويلدريم ضئيلاً مرة أخرى (وفقاً لبعض التقارير كان هذا الفارق حوالي 13000 صوتاً في آذار/مارس).  

فضلاً عن ذلك، يمكن للعمليات العسكرية التركية المستمرة والناجحة ضدّ «حزب العمال الكردستاني»، وهو جماعة مصنّفة كإرهابية، أن تقدّم دعماً إضافياً لمعسكر أردوغان. كما يمكن أن يكون لـ "أزمات الأمن القومي" المختلفة التأثير نفسه - فعلى سبيل المثال، صراع أوسع نطاقاً بين القوات التركية والقبرصية اليونانية في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث دخلت الدولتان في خلاف في الآونة الأخيرة بشأن التنقيب عن الغاز الطبيعي. لكن إذا ما استثنينا مثل هذه الحوادث غير المتوقعة، من المفترض أن يأمل أردوغان أن تساعده سيطرته على المؤسسات التركية - بما فيها "وكالة الأناضول للأنباء" شبه الرسمية، وهي الهيئة الوحيدة المخوّلة بالإعلان عن نتائج الانتخابات - على التلاعب بالنتيجة لصالح يلدريم.  

أردوغان الجديد في تركيا

على الرغم من عدم التناسق بين موارد المرشحَيْن، قد تكون "الخطة أ" التي وضعها أردوغان قد ساعدت عن غير قصد على خلق "أردوغان جديد" من إمام أوغلو الذي ينبغي تحليل نجاحه في إطار سياق صعود الرئيس التركي الخاص في تركيا. تجدر الإشارة إلى أن أردوغان قد وُلد في أحد أحياء إسطنبول ضمن الطبقة العاملة والشجاعة عام 1954. وقامت علامته السياسية الأولية على تصوير نفسه من المستضعفين الفقراء والمتدينين في تركيا التي كانت تحصر في ذلك الوقت السلطة السياسية بالأشخاص الراغبين في التعبير عن ديانتهم صراحةً. وبعدما اعتنق الإسلام السياسي ودخل معترك السياسة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي كعمدة إسطنبول، نجح من خلال الدفاع عن مصالح "المقترعين المتدينين من عامة الشعب" في وجه "المؤسسة العلمانية". وقد ساعد ذلك، من جملة أمور أخرى، «حزب العدالة والتنمية» الذي ينتمي إليه على الفوز بالانتخابات البرلمانية في تركيا عام 2002، مما رفعه إلى منصب رئيس الوزراء، ورئيس البلاد في وقت لاحق.    

وطوال عقد من الزمن بعد عام 2002، أجرى أردوغان تغييرات في تركيا. فقد آمن برؤية تطلعية للبلاد، مشيراً إلى قدرته على تجاوز التحديات الأكثر إلحاحاً، بدءاً بالقضية الكردية مروراً بالفساد وانتهاءً بسوء الإدارة الاقتصادية، وهذا ما فعلَه. ولهذا السبب، دعمه الكثير من الناخبين وأيدوا حزبه في صناديق الاقتراع.

لكن الوضع تغيّر الآن. فقد حكم أردوغان تركيا فترة ستة عشر عاماً وأصبح السياسي الأكثر نفوذاً في البلاد في التاريخ المعاصر. كما أن هناك ما يقرب من 31 مليون تركي، أي حوالي 40 في المائة من السكان، قد بلغوا السنّ القانوني للاقتراع خلال عهده. ويحمّله العديد من هؤلاء المواطنين مسؤولية المشاكل التي تعانيها البلاد حالياً، مثل تجدّد الصراع مع «حزب العمال الكردستاني»، والاقتصاد المنهار، والبيئة القمعية تجاه المعارضة.

وبعبارة أخرى، يمثّل أردوغان حالياً الوضع الراهن، وبهذا المعنى ربما يكون قد ساعد إمام أوغلو عن غير قصد من خلال إلغاء انتخابات آذار/مارس. وفي ظل الظروف العادية، يجب ألا تؤثّر انتخابات رئاسة البلدية على السياسة الوطنية، غير أن أردوغان شارك شخصياً في حملة مرشح حزبه في هذه الانتخابات، محولاً أساساً الاقتراع إلى استفتاء حول شعبيته ومزوّداً إمام أوغلو بمنصة أوسع نطاقاً ليكون "أردوغان الجديد" - المستضعف الذي يمثّل فرصةً للتغيير.

فعلى سبيل المثال، إن إمام أوغلو مسلم متديّن، لكن بخلاف أردوغان، يرغب في فصل الدين عن الدولة، وهو موقف يتردد صداه في أوساط العديد من المواطنين المستائين من تسييس الدين خلال السنوات الأخيرة. كما اعترض إمام أوغلو على الفساد والمحسوبية والإنفاق الحكومي المهدر، وأظهر تضامناً مع الناخبين المستائين من الزيادات الحكومية في وقت تعاني البلاد تباطؤاً اقتصادياً حاداً. فضلاً عن ذلك، دعم إقامة حكومة شاملة، معرباً عن استعداده لمعاملة جميع المواطنين على قدم المساواة بغض النظر عن ممارستهم الدينية أو عدم وجودها، عازفاً على الوتر نفسه كما فعل أردوغان في عام 2002.  

الخطة (ب): إضعاف إمام أوغلو تدريجياً في حال فوزه

إذا فاز إمام أوغلو في 23 حزيران/يونيو، فلن يسارع أردوغان إلى إضعافه على الفور. بدلاً من ذلك، يوفّر جدول الأحداث الزمنية بعد انتخابات 31 آذار/مارس مخططاً لاستراتيجيته المحتملة. فعقب فوزه بالجولة السابقة، اضطر إمام أوغلو إلى الانتظار لأكثر من أسبوعين من أجل تولي مهام منصبه بشكل رسمي. وقد سمح له أردوغان بأن يكون عمدة لما يقرب من ثلاثة أسابيع قبل أن يطلب من مجلس الانتخابات إبطال نتيجة التصويت وطرده من منصبه؛ وقد لبى المجلس طلبه هذا في أقل من ثمانية وأربعين ساعة. فلو دعا أردوغان إلى إبطال النتيجة على الفور، لكان من المحتمل أن يثير احتجاجات واسعة النطاق. وبدلاً من ذلك، اختار مقاربة تدريجية امتدت على مدى خمسة أسابيع، متجنباً بالتالي الكثير من السخط الشعبي الذي كان يمكن أن ينتج عن ذلك.     

وإذا فاز إمام أوغلو مجدداً، من المرجح أن يتأنى أردوغان في اتخاذ خطوات من شأنها إضعاف سلطة العمدة. على سبيل المثال، يمكنه حثّ الأغلبية التابعة له في البرلمان على تمرير تشريع يحدّ من صلاحيات إمام أوغلو. وتتمثل الخطوة التشريعية الأكثر فتكا في وقف تمويل المدينة، لأن للحكومات المحلية في تركيا وسائل محدودة لزيادة الإيرادات وهي تعتمد على الحكومة المركزية لما يقرب من ثلثي ميزانيتها.   

ويتمثّل خيار آخر في إقالة إمام أوغلو وتعيين عمدة "مؤقت"، وهو إجراء لجأ إليه أردوغان سابقاً في مدن أخرى لاستبدال رؤساء البلديات المنتخبين من «حزب ديمقراطية الشعوب» [«حزب الشعوب الديمقراطي»] القومي الكردي استناداً إلى ادعاءات بأن لديهم صلات بـ «حزب العمال الكردستاني». ولكن نظراً لشعبية إمام أوغلو، فإن استبداله بعمدة مؤقت من دون سبب وجيه من شأنه أن يثير احتجاجات على الأرجح.

ومن أجل تخطي هذه العقبة، قد يلجأ أردوغان إلى مجموعة من الأدوات القانونية. فعندما ألغى مجلس الانتخابات نتائج التصويت السابقة في إسطنبول، فعل ذلك بناءً على أسس أثارت جدلاً كبيراً مفادها بأن عدداً من مسؤولي مراكز الاقتراع لم يكونوا موظفين حكوميين، خلافاً للقانون. ومع ذلك، ففي 5 حزيران/يونيو، قرر المجلس عدم استبدال هؤلاء المسؤولين أنفسهم في 23 حزيران/يونيو. وقد سبق أن علّق أردوغان على هذا التناقض الواضح قائلاً: "أعتقد أن هناك سوء تفاهم". ويفتح ذلك المجال أمامه في نهاية المطاف لكي يطلب من المجلس إلغاء التصويت المقبل في إسطنبول استناداً إلى الأسس ذاتها إذا فاز إمام أوغلو مجدداً. وفي الوقت نفسه، قد يلجأ أردوغان إلى اتخاذ خطوات برلمانية للحدّ من التمويل المقدّم إلى حكومة إمام أوغلو الجديدة، ما قد يسفر عن انهيار خدمات المدينة ويحوّل المشاعر الشعبية ضد العمدة على الأمدين القصير والمتوسط، الأمر الذي سيسهّل إزالته من منصبه.    

لقد سبق أن تغلّب إمام أوغلو على "الخطة أ" التي وضعها أردوغان من قبل، حيث تفوّق في انتخابات آذار/مارس رغم كل المصاعب. ومن أجل أن ينجح في ذلك مجدداً، ولتجنب مكائد "الخطة ب"، سيحتاج إلى التغلّب على الألاعيب القانونية لأردوغان وإقناع عدداً كافياً من الناخبين بأنه المستضعف والمدافع الذين يتطلعون إليه.

 

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف الكتاب المرتقب "إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط".