أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2391

غضب لا يلقى صدًى على الأرض: رد إدارة أوباما على "صور قيصر" عن الحرب في سوريا

آدم انتوس, مايكل إيزيكوف, جوش روغين, كاميرون هدسون, و أندرو جيه. تابلر

متاح أيضاً في English

26 آذار/مارس 2015


"في 19 آذار/مارس، خاطب الصحفيون آدم انتوس، مايكل إيزيكوف، وجوش روغين منتدى سياسي في معهد واشنطن أداره كاميرون هدسون من "متحف ذكرى الهولوكوست" في الولايات المتحدة. وقد قام الزميل البارز في برنامج السياسة العربية في المعهد أندرو تابلر بتقديم المتناقشين. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم."

 

أندرو تابلر

تصادف هذا الشهر الذكرى الرابعة لاندلاع الثورة السورية. ففي آذار/مارس ٢٠١١، دوّن أربعة أطفال رسالة على جدار في مدينة درعا الجنوبية كُتب عليها: "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو الشعار ذاته الذي أسقط حكومتي تونس ومصر. وفي أعقاب توقيف الأطفال على يد نظام الأسد، تجلت ردة فعل سكان درعا باحتجاجات مطالبة بالإصلاح وقعت في ١٥ آذار/مارس، وردّ النظام بإطلاق النيران الحية [على المتظاهرين]. وقد ترافقت كل عملية قتل مع جنازة والمزيد من الاحتجاجات، وعمّ الغضب الشعبي جميع أنحاء البلاد. ونادى المتظاهرون بالتدخل الدولي لوضع حد لمجازر النظام، إلا أن نداءاتهم لم تلق آذاناً صاغية. وقد شرع بعضهم بالتسلح لحماية أنفسهم من نيران النظام، محوّلين الثورة إلى احتدام تغذيه نيران الأسلحة لقي فيه حوالي ربع مليون شخص حتفه وهُجّر ما يقرب من نصف سكان البلاد.

وأصبحت الحرب بالوكالة بين نظام الأسد وإيران من جهة والمعارضة المدعومة من قبل السنّة من جهة أخرى مصدراً لا يستهان به للتطرف السني - الشيعي، فضلاً عن أنها أضحت إحدى أكبر الأزمات الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. إلا أن السياسة الأمريكية تجاه الوضع اعتمدت بشدة على تقديم المساعدة غير الفتاكة؛ ويتضمن ذلك رفض الرئيس أوباما إنفاذ الخط الأحمر الذي أعلن عنه في عام ٢٠١٣ حول استخدام النظام للأسلحة الكيميائية على الرغم من استمرار هذه الهجمات حتى يومنا هذا.

وفي ظل تأزم الحرب، عمد مصوّر سوري يعمل لمصلحة النظام، ويعرف حالياً بـ "قيصر" فقط، إلى الفرار من البلاد وبحوزته ٥٥ ألف صورة لحوالي ١١ ألف جثة لأشخاص تم تعذيبهم وقتلهم في مراكز اعتقال تابعة للنظام. واليوم، بعد مرور عام ونصف على الكشف عن الصور، ما زالت الحكومة الأمريكية في صدد تقييمها. وقد استضاف معهد واشنطن حلقة نقاش مع الخبير في مجال الإبادة الجماعية كاميرون هدسون وثلاثة صحافيين بارزين يقومون بالاستقصاء عن قصة قيصر، وذلك لمناقشة رد الإدارة الأمريكية على التحريات بشأن الصور وسياستها تجاه الأدلة المتعلقة بالقتل الجماعي وجرائم الحرب.

كاميرون هدسون

يحفل تاريخ الهولوكوست بأشخاص شبيهين بقيصر. نذكر على سبيل المثال المقاتل في صفوف "المقاومة البولندية جان كارسكي" الذي دخل خلسة إلى "معسكر بيلزيك" و"غيتو وارسو" أكثر من مرة ليتحرى بنفسه عما يجري بداخلها. ولم يكن كارسكي يهودياً بل كاثوليكياً، ولكنه أراد زيارة واشنطن في صيف عام ١٩٤٣ لإطلاع المسؤولين عن استهداف اليهود في جميع أنحاء أوروبا.

عندما اطّلع القيمون على "مركز سايمون سجوت للوقاية من الإبادة الجماعية" التابع لـ "متحف الهولوكوست" على قصة قيصر، أرادوا مساعدته على نشرها، وفقاً لما قاله ذات مرة مؤسس المتحف إيلي فيزيل، بأنه يجب الحرص على "أن لا تصبح قصته [مشابهة] لمستقبل أشخاص آخرين". وتُعتبر المحاكمة والمساءلة أساسيتان لهذه الغاية، ولكن الرسالة التي يوجهها المسؤولون الأمريكيون تفيد أنه يُعمد إلى تأخير عملية تحقيق العدالة واتخاذ التدابير اللازمة على ضوء الصور التي نشرها قيصر، في إشارة واضحة إلى أن الإدارة الأمريكية تستشعر خطراً ما من ناحية المضي قدماً بالعملية. وقد تكون "مذبحة سربرنيتسا" قد وقعت بالفعل في السياق السوري في صيف عام ٢٠١٣، حين استُخدمت الأسلحة الكيميائية، إلا أن واشنطن بقيت مكتوفة الأيدي. ولكن جهود الفريق المساعد لقيصر ("فريق قيصر") لإزالة الغشاوة عن الوجوه الواردة فيها قد تؤدي إلى اتخاذ تدابير على الصعيد الدولي، وخاصة لأن العديد من الضحايا هم من الأجانب. وقد تحظى هذه الجهود بزخم إضافي إذا نفذت الأمم المتحدة ما وعدت به في تقاريرها بأن تكشف عن أسماء الأفراد المشتبه بارتكابهم جرائم حرب في سوريا.

جوش روغين

إن أكثر ما يصدم في الأدلة التي قدمها قيصر هو تغطيتها لشريحة صغيرة فقط من الأعمال الوحشية المرتكبة في سوريا. فكما ذكر قيصر أمام الكونغرس عند إدلائه بشهادته في تموز/يوليو ٢٠١٤، تغطي الصور فترة زمنية محدودة (بين العامين ٢٠١١ و٢٠١٣) ومنطقة جغرافية محدودة بالقرب من دمشق - هناك حوالي ١٥٠ ألف مدني ما زالوا معتقلين اليوم في كافة أنحاء البلاد بينما تستمر الأعمال الوحشية.

وتوجد أسباب متعددة وراء عدم التفاعل الظاهر الذي تبديه الحكومة الأمريكية إزاء هذه الأدلة الدامغة والمباشرة: أولاً، الخلاف القائم بين "فريق قيصر" وفريق المسؤولين الأمريكيين الذي يتولى النظر في هذا الملف. ثانياً، الخلاف القائم بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس. وثالثاً، الخلاف القائم ضمن المجتمع الدولي.

تمثلت أولى خطوات "فريق قيصر" بطلب مساعدة الحكومة الأمريكية للتحقق من الأدلة التي ستستخدم في محاكمات مستقبلية تعنى بجرائم الحرب. وقد سُلمت نسخة من الأدلة إلى بلد ثالث للمحافظة عليها، وسُلمت نسخة أخرى إلى "مكتب التحقيقات الفيدرالي" تحت إشراف وزارة الخارجية الأمريكية. إلا أن "فريق قيصر" لم يشعر قط طوال العملية أن "مكتب التحقيقات الفيدرالي" ووزارة الخارجية كانا يعملان بالسرعة الكافية. ونشأت خلافات حول اختيار قاعدة البيانات التي ستُستخدم لإثبات هوية الضحايا وحول التقرير اللاحق الذي سيصدره "مكتب التحقيقات الفيدرالي". وفي النهاية، لم يكن "فريق قيصر" راضياً عما آلت إليه الأمور. وفي غضون ذلك، قال الكونغرس أن وزارة الخارجية عارضت بشدة إدلاء قيصر بشهادته العلنية أمام الكونغرس، بينما ادعت وزارة الخارجية أنها كانت قلقة بشأن التدابير الأمنية. وهناك شيء من الصحة في كلتي الحجتين، ولكن أياً كانت الحالة، ساهمت هذه السياسات البيروقراطية في التشكك بوجه عام من استعداد الحكومة لاتخاذ الخطوات المناسبة.

وعلى الصعيد الدولي، توشك "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" المعنية بالجمهورية العربية السورية على الكشف عن أسماء بعض الأشخاص المتورطين في الجرائم، إلا أنه من غير المرجح أن يتخذ مجلس الأمن أي خطوات في هذا الصدد. وباختصار، لا يوجد مسار واضح للخروج من الأزمة، بالرغم من أن آلة القتل العائدة لنظام الأسد هي الأسوأ منذ حقبة النازيين ونظام التوثيق الخاص به شبيه بذلك الذي كان معتمد من قبل السوفييت.

ورداً على هذا الجمود، تبنّى "فريق قيصر" استراتيجية جديدة تحت عنوان "تسمية الأشخاص ووصمهم بالعار ولومهم"، عبر نشر آلاف الصور على الفيسبوك والقيام بعروض حظيت بتغطية إعلامية كبرى في مقر الأمم المتحدة. ولكن حتى ذلك لم يُحدث أي تغيير في المقاربة التي تعتمدها إدارة أوباما. فالمحاكمات المختصة بجرائم الحرب ضمن كل دولة بعينها تشكل الخيار الأكثر قابلية للتطبيق، ولكن الإدارة الأمريكية تعتقد على ما يبدو أن مثل هذه الإجراءات القانونية ستصعب مهمة التفاوض على حل سياسي مع نظام الأسد. وخلافاً لـ "فريق قيصر"، لدى نظام الأسد آليات متطورة لنشر رسائله.

وسبب آخر مرجح وراء تردد الإدارة الأمريكية المستمر هو أن البعض فيها يرون إيران كشريك محتمل في سوريا. فوفقاً لتقارير عن مناقشات جرت داخل وزارة الخارجية، قد تُنسب إلى طهران مهام أمنية في سوريا عبر اتفاق مع الحكومة الأمريكية يتم تدوينه من قبل مجلس الأمن الدولي. وبالتالي، قد تقلق الإدارة الأمريكية من احتمال أن تعتبر إيران أي عمل عسكري دولي في سوريا كعمل من أعمال الحرب، لذلك حرصت على عدم الاستهانة بالخطابات الإيرانية في هذا الشأن.

وفيما يتعلق بالتقارير حول هجمات الكلورين المتواصلة من قبل النظام، أدرجت واشنطن وشركاؤها بعض العناصر في اتفاق نزع الأسلحة الكيميائية الذي أُبرم مع سوريا (على سبيل المثال، السارين وغاز الخردل)، مستثنيةً الكلورين. وبقيامها بذلك، تكون قد أقرت ضمنياً أنه لن تتم مجابهة النظام في حال استعماله للكلورين أو عناصر أخرى لم يأتِ ذكرها.

آدم انتوس

في الوقت الذي يعمد فيه "فريق قيصر" إلى تكثيف الضغوط على الرئيس أوباما، يسعى المسؤولون في فريق "مجلس الأمن القومي" الأمريكي بشكل أساسي إلى تخفيف هذه الضغوط. وقد شكل الجدل الذي أثاره هجوم الأسلحة الكيميائية في آب/أغسطس ٢٠١٣ خير مثال على كيفية تعامل الرئيس الأمريكي مع هذه المسائل المعقدة، إذ يؤخر اتخاذ القرارات الصعبة بقدر الإمكان عندما يعتقد بأنه ليس هناك مسار عمل ملائم.

منذ اندلاع الحرب في ليبيا، تحاول الإدارة الأمريكية المماطلة للبحث عن نتائج أكثر مؤاتية في سوريا، خشية أن يُسجل لها تدخل آخر قد يخرج عن مساره الصحيح. ووفقاً لبعض المسؤولين الرفيعي المستوى، لا تريد واشنطن أن تولد ردة فعل عنيفة من جانب إيران، والتي قد تتخذ شكل هجمات عسكرية من قبل عناصر شيعية ضد القوات الأمريكية في العراق. إن الكونغرس منقسم حول هذه المسألة بينما تنظر الإدارة بدورها إلى الكونغرس من خلال هذه العدسة الحزبية. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو استطاعت المعارضة السورية ترتيب صفوفها، سوف يبقى هناك الكثير من المصالح المتضاربة.

مايكل إيزيكوف

لم تبق أي شكوك جدية حول صحة الصور التي قدمها قيصر، فكيف يجوز أن تكون قلة قليلة من الأمريكيين على علم بها؟ يُعتبر التوقيت العامل الأهم عند نشر قصص جديدة، وقد انصب التركيز على تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») منذ أن أدلى قيصر بشهادته أمام الكونغرس في تموز/يوليو الماضي. فضلاً عن ذلك، لم تناسب هذه الصور البيت الأبيض لأن بعض المسؤولين أرادوا عدم تذكر ما كان قد يمكن تحاشيه لو أخذ الرئيس بنصيحة بعض من كبار مسؤولي الأمن القومي البارزين بشأن تقديم المساعدة للثوار السوريين. ولم تكن الصور مناسبة بشكل خاص إلى أي شخص في الكونغرس أيضاً. فباستثناء بعض المسؤولين - مثل السيناتور جون ماكين والعضو الجمهوري إيد رويس وآخرين الذين أولوا أهمية كبرى لصور قيصر - يوجد شكوك حول القيام بتدخل آخر في الخارج.

من المفترض أن تحدد الأدلة التي قدمها قيصر طريقة تفكير الجميع بما يتوجب على الولايات المتحدة فعله. فظهور الصور لا يناسب أحد تماماً كما كان عليه الحال عند صدور التقارير الأولية حول الهولوكوست، والتاريخ لا يرحم أولئك الذين يغضون الطرف عن مثل هذه التقارير. وكانت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامنثا باور قد حبست دموعها أثناء عرض هذه الصور على مجلس الأمن وأدلت بتعليقات علنية بشأنها. ولكن على المواطنين أن يتساءلوا إلى أي مدى تباحث المسؤولون فعلاً حول صور قيصر. ولا بد أيضاً أن يشككوا في ازدواجية المعايير الظاهرة والتي بموجبها لا تُطبق المبادئ التي تسري في نظام العدالة الأمريكي على الساحة الدولية. وباختصار، لا يجوز أن يطغى النقاش المعني بالسياسات على المفعول القوي للصور التي كشف عنها قيصر.

 

أعدت هذا الملخص علا عبد الحميد الرفاعي.