أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 3035

إيران تكثف قمعها لمواطنيها في الخارج

مهدي خلجي

متاح أيضاً في English

2 تشرين الثاني/نوفمبر 2018


في 30 تشرين الأول/أكتوبر، استدعت الدنمارك سفيرها لدى طهران ودعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات جديدة على إيران بعد أن اكتشفت [كوبنهاغن] بأن عملاء استخبارات النظام خططوا لتنفيذ عملية اغتيال على الأراضي الدنماركية. وتفيد التقارير بأن المستهدف كان الزعيم المنفي لـ"حركة النضال العربي لتحرير الأحواز" - الجماعة التي اتهمتها طهران بتنفيذ هجوم إرهابي في تلك المنطقة المسمّاة على إسمها خلال أيلول/سبتمبر؛ وتجاهلت إيران بما يلائم مصالحها إدعاء تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن وقوع الحادثة قبل أسابيع، وواقع أن القوات الإيرانية أطلقت صواريخ على قواعد تابعة لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا رداً على ذلك. وجاء قرار الدنمارك في أعقاب تطورات مماثلة في فرنسا حيث طُرِد دبلوماسي إيراني في 26 تشرين الأول/أكتوبر بعد أن كشفت السلطات الفرنسية مخططاً لاستهداف تجمع في باريس نظمته جماعة معارضة أخرى، هي "حركة مجاهدي خلق".

وعلى مدى سنوات، افترض العديد من المراقبين أن إيران تخلّت إلى حد كبير عن أجندتها الرامية إلى قتل المعارضين في الخارج من أجل بناء الثقة مع الغرب وتطبيع العلاقات مع المجتمع الدولي. إلّا أنّ هذه الحوادث وغيرها تُظهر بأن النظام كان يسعى منذ بعض الوقت وباهتمام شديد إلى التخطيط لتنفيذ اغتيالات جديدة في الخارج، بالتوازي مع المناورات المحلية التي تهدف إلى منع الاحتجاجات السياسية المستمرة فضلاً عن ممارسة ضغوط إعلامية مكثفة على المستوى المحلي.

استئناف الهجمات في أعقاب الحركة الخضراء

خلال السنوات الأولى من حكم الجمهورية الإسلامية، تردد أن عملاء النظام قتلوا مئات المعارضين الإيرانيين في دول مختلفة. ففي عام 1991، على سبيل المثال، قاموا باغتيال رئيس الوزراء السابق في عهد الشاه، شهبور بختيار في إحدى ضواحي باريس. وبعد ذلك بعام، لقي عدد كبير من قادة المعارضة الأكراد الإيرانيين حتفهم في مطعم ميكونوس في برلين، مما دفع بالقضاء الألماني إلى اتهام المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني ووزير الاستخبارات علي فلاحيان بإصدار الأوامر بتنفيذ الاعتداء.

وتراجعت وتيرة هذه العمليات عند وصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة عام 1997. ومع ذلك، عاد النظام على ما يبدو إلى اعتماد هذه السياسة في عام 2009 عندما شنت "الحركة الخضراء" احتجاجات واسعة ضد الانتخابات الرئاسية المزوّرة. وفي 5 تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، وعد المسؤول العسكري الكبير الجنرال مسعود جزايري بأن إيران "ستحدد هوية المعارضين سواء داخل البلاد أو خارجها، وستقوم بقمعهم في الوقت المناسب"، في إشارة صريحة إلى احتمال تنفيذ عمليات على أراضٍ أجنبية. وأضاف، "إذا ارتأت الجمهورية الإسلامية أنه لا مفر من ذلك، فيمكنها ملاحقة داعمي الانقلاب حتى خارج الحدود".

وشهدت السنوات التالية العديد من الاغتيالات لأشخاص رفيعي الشأن في الخارج. فعلى سبيل المثال، في 29 نيسان/أبريل 2017، أُردي صاحب قناة "جي إي أم تي في" (GEM TV) سعيد كريميان وشريكه الكويتي قتيلين أمام مكتب كريميان في اسطنبول. وكوْن هذه القناة شبكة الأقمار الصناعية الإيرانية الأكثر شعبيةً، فغالباً ما تقوم  ببث برامج ترفيهية تروّج للقيم الثقافية الغربية، مما دفع بمحكمة في طهران بالقيام بمحاكمة كريميان غيابياً والحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات بسبب نشره حملات دعائية معادية للجمهورية الإسلامية.

ومؤخراً في 8 أيلول/سبتمبر، أطلق "الحرس الثوري الإسلامي" صواريخ على المقر العراقي لـ «الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني». وبعد يومين، كرر الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى والقائد الأعلى السابق لقوات «الحرس الثوري» الإيراني التهديد الذي أطلقه جزايري عام 2009 حول استهداف أشخاص في الخارج وقال: "إذا لزم الأمر، سيطارد «الحرس الثوري» المعارضين والأعداء ويقضي عليهم خارج الحدود وما وراء البحار".

تعريف "أعداء" إيران

حافظ النظام الإيراني بصورة غير محددة على تعريفه لمصطلح "العدو" رهناً بالوضع السياسي المحلي. ففي كانون الثاني/يناير 2010، وفي وقت قريب من ذروة "الحركة الخضراء"، أفادت بعض التقارير أن وزارة الاستخبارات أطلقت قائمةً ضمّت أسماء ستّين منظمة أجنبية "متورطة في حرب ناعمة" ضد الجمهورية الإسلامية، بما فيها شبكات إعلامية، ومراكز أبحاث، وجامعات، وكيانات تابعة. وحذّرت الوزارة من أن إقامة علاقات مع أي من هذه المنظمات "مخالفاً للقانون"، حيث منعت على المواطنين الإيرانيين التوقيع على عقود أو طلب أموال أو أي دعم آخر منها.

وقد وفّر هذا التعريف الواسع النطاق لمصطلح "العدو" الأساس القانوني للنظام لاعتقال مواطنين مزدوجي الجنسية. وفي مقابلة أجريت مع وزير المخابرات الإيراني محمود علوي في 28 آب/أغسطس، صرّح للتلفزيون الحكومي أنه تمّ اعتقال "عشرات الجواسيس" العاملين في الجهاز البيروقراطي للدولة. وشدّد بعدها قائلاً إننا "نمنع تولّي المواطنين مزدوجي الجنسية أي مناصب حكومية". وعلى نحو مماثل، أفادت وكالة "رويترز" في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 بأن «الحرس الثوري» اعتقل "ما لا يقلّ عن 30 من مزدوجي الجنسية خلال العامين الماضيين، ومعظمهم بتهم التجسس، وفقا للمحامين والدبلوماسيين والأقارب".

ومن أجل تنفيذ مثل هذه العمليات القمعية، يستخدم النظام شبكة واسعة من أجهزة الاستخبارات. فإلى جانب وزارة الاستخبارات الرئيسية و«فيلق القدس» - جناح القوات الخاصة في «الحرس الثوري الإسلامي» المسؤول عن العمليات الخارجية - يشرف المرشد الأعلى بشكل مباشر على عدة وكالات قادرة على اتخاذ إجراءات ضد المعارضين، بما فيها مكاتب الاستخبارات ضمن «الحرس الثوري الإسلامي»، والشرطة، والجيش النظامي، والسلطة القضائية، ومكتب الرئيس، ووزارة الداخلية. فعلى سبيل المثال، تم اعتقال العديد من الرعايا الإيرانيين المزدوجي الجنسية من قبل جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»  (مثلاً المواطن البريطاني نازانين زاجاري راتكليف، المعتقل منذ عام 2016).

ويؤدي انتشار هذه المنظمات في بعض الأحيان إلى قيام خلافات علنية بين الوكالات الحكومية. فعلى سبيل المثال، حين تمّ اعتقال دری نجف آبادی، مواطن يحمل الجنسيتين الإيرانية والكندية كان يعمل مع فريق التفاوض النووي، في العام الماضي، أعلنت استخبارات «الحرس الثوري» مسؤوليتها عن اعتقاله واتهمته بالتجسس. غير أن وزارة الاستخبارات دعت مراراً إلى إطلاق سراحه، مشددةً على أنها لا تعتبره جاسوساً. وفي النهاية، قام «الحرس الثوري» بنقض قرار الوزارة، كما يفعل عادة في مثل هذه الأمور.

"لا أمل في أوروبا"

قد ينظر البعض إلى العمليات الإرهابية الإيرانية المتجددة في الخارج على أنها تكتيك متشدد لتقويض حكومة الرئيس حسن روحاني وإظهار المزيد من عدم فعالية الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن منه في وقت سابق من هذا العام. ومع ذلك، فبعيداً عن كون مخططات النظام في أوروبا بمثابة مؤشرات على الثقة بالنفس، تبدو أنها أشبه بفقدان الأمل من قدرة الاتحاد الأوروبي على مقاومة الضغط الأمريكي وإنقاذ الاتفاق النووي. فعلى سبيل المثال، نقل مقال في صحيفة "فاينانشال تايمز" صدر في 28 تشرين الأول/أكتوبر عن دبلوماسيين قولهم إن "الاتحاد الأوروبي واجه صعوبات في إيجاد دولة عضو من أجل استضافة قناة مالية جديدة لحماية التجارة مع إيران من العقوبات الوشيكة".

ولا شك في أن خامنئي يعتبر مثل هذه التقارير دليلاً على ما ذكره في خطاب ألقاه في 17 تشرين الأول/أكتوبر، حيث قال: "يجب أن ينصب تركيزنا بشكل أساسي على الشرق. فالتطلع إلى الغرب وأوروبا ليس سوى ضياعاً للوقت، ويسبب لنا المتاعب والإذلال". وعلى نحو مماثل، خلال اجتماعه في 29 آب/أغسطس مع الرئيس والحكومة، طلب من المسؤولين تعديل توقعاتهم حول الاتحاد الأوروبي بقوله: "لا بأس في إقامة علاقات مع أوروبا واستمرار المفاوضات معها، ولكن حتى في خضم ذلك، يجب ألا نبني أي أمل حول أمور مثل [الاتفاق النووي] أو الاقتصاد". وطلب منهم أيضاً "أن يراقبوا الأمور بحذر دائم" عند التفاوض مع أوروبا. 

وترافقت الخطابات المماثلة مع توجيه تحذيرات للحكومات الأوروبية، الأمر الذي زاد من الشعور باليأس. ففي 3 تموز/يوليو، قال وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي - المعروف بأنه مقرّب من خامنئي - بصورة تُنذر بالشؤم، "إذا أغمضتُ عيني لأربع وعشرين ساعة، سيمر أكثر من مليون لاجئ عبر حدود إيران الغربية إلى أوروبا". وفي هذا الصدد، وصف مقال نُشِر على موقع "مرصاد نيوز" التابع لـ «الحرس الثوري» التهديد الذي وجّهه فضلي "بأنه أخطر من إغلاق مضيق هرمز".

أرضية جديدة للتعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

في الوقت الراهن، يعمل آلاف الإيرانيين الموجودين خارج البلاد في الأوساط الأكاديمية، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام باللغة الفارسية، وغيرها من المؤسسات. ويعتبر النظام الإيراني المتشدد أن القسم الأكبر من هؤلاء المواطنين يشكلون تهديدات أمنية كبيرة، وأظهر مؤشرات على تكثيف جهوده لقمعهم أينما كانوا - سواء عبر تنفيذ أعمال إرهابية على الأراضي الأوروبية، أو منع مزدوجي الجنسية من دخول إيران، أو اعتقال أولئك الذين يحملون الجنسية الأوروبية أو الكندية أو الأمريكية.

وبناء على ذلك، يتعين على حكومات الدول الغربية الوقوف إلى جانب أبناء الشعب الإيراني، لا سيما أولئك الذين يعيشون ضمن حدود هذه البلدان أو يحملون جنسية مزدوجة. إن استعداد طهران لترهيب الجالية الإيرانية في الشتات من خلال مثل هذه الانتهاكات الصارخة يوفر أساساً مشتركاً لتحرّك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويشمل ذلك فرض عقوبات مكثّفة على كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين في قضايا حقوق الإنسان. 

 

مهدي خلجي، هو زميل "ليبيتزكي فاميلي" في معهد واشنطن.