- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4180
تداعيات الحرب مع إيران على القوى العظمى: الآثار المترتبة على الصين وروسيا وتركيا وأوروبا
يشرح خبراء معهد واشنطن ما يجب على المسؤولين الأمريكيين والمخططين العسكريين الانتباه إليه في الوقت الذي تدرس فيه القوى العظمى المنافسة والحلفاء المقربون خارج المنطقة ردود أفعالهم على الأزمة.
خطوات ترامب التالية ستتردد أصداؤها خارج الشرق الأوسط
غرانت روملي
يضيف قرار الرئيس ترامب بمهاجمة إيران طبقة أخرى من عدم القدرة على التنبؤ يتعين على القوى العظمى المنافسة للولايات المتحدة التعامل معها. كان نهجه تجاه الصراع العسكري خلال ولايته الأولى مختلفاً بشكل ملحوظ عن نهجه خلال ولايته الثانية. في بعض الأوقات خلال فترة ولايته الأولى - ولا سيما عندما نشأت توترات مع كوريا الشمالية وإيران - قام الرئيس بتعزيز القوات في مسرح العمليات ليتراجع بعد ذلك قبل استخدامها. لكن خلال العام الماضي وحده، استخدم القوة العسكريةفي اليمن وفنزويلا ونيجيريا وإيران (مرتين).
كما أظهرت الطريقة التي يستخدم بها الرئيس الجيش اختلافات واضحة، بما في ذلك الضربات الاستراتيجية عن بعد (مثل استخدام قاذفات B– 2 ضد إيران العام الماضي)، والتحشيد التقليدي لدعم عملية سرية محددة الهدف (فنزويلا)، والتحشيد التقليدي لدعم حملة جوية وبحرية تقليدية (الحرب الحالية مع إيران). ورغم اختلاف كل عملية من الناحية التشغيلية، إلا أنها جميعاً عكست نفس المبدأ الاستراتيجي المتمثل في استخدام قوة حاسمة وساحقة لتحقيق هدف محدد. بالنسبة لروسيا (التي تخوض حالياً حرباً كبرى) والصين (التي تفكر في صراع محتمل في المستقبل)، فإن "عملية الغضب الملحمي" تزيد من حالة عدم اليقين بشأن ما إذا كانت إدارة ترامب سترد على أنشطتهما وكيف سترد.
ومع ذلك، في الشرق الأوسط، قد توفر قرارات ترامب المقبلة فرصة لموسكو وبكين. فقد أعرب الرئيس عن رغبته في "استسلام إيران دون شروط" وظهور "قادة مقبولين". ومع ذلك، إذا لم تحقق العمليات الأمريكية الإسرائيلية هذه الأهداف، فستسعى روسيا والصين بلا شك إلى الاستفادة من تورط الولايات المتحدة الأخير في المنطقة. ومن المفترض أن يشمل ذلك زيادة دعمهما لطهران، وبالتالي نفوذهما عليها، وجذب شركاء الولايات المتحدة في الخليج إلى صفهما بعروض للتوسط بينهم وبين إيران.
وبناءً على ذلك، يجب على إدارة ترامب التركيز على تلبية احتياجات دول الخليج وشركاء آخرين خلال هذا الصراع، جزئياً من خلال إشراكهم في المناقشات حول مستقبل إيران. كما يجب على واشنطن المضي قدماً في تشكيل إيران ما بعد الحرب بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وشركائها. وعدم القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى تعزيز انتقادات روسيا والصين للولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير موثوق به ومهتماً بمصالحه الخاصة في نهاية المطاف.
تقاعس الصين المحسوب
هنري توغيندهات
كُرس قدر كبير من التحليل لعدم تقديم الصين دعماً ملموساً لإيران وللخسائر الاستراتيجية التي قد تواجهها نتيجة لهذه الحرب. ولكن بعيداً عن حقيقة أن الحكومة الصينية تتبع سياسة "عدم التحالف " بشكل افتراضي، فإن الواقع هو أن بكين ليس لديها الكثير لتخسره في هذه الحرب، على الأقل في الوقت الحالي.
أكبر نقطة ضعف للصين هي الاضطرابات طويلة الأمد في مضيق هرمز، حيث أن حوالي 45 في المئة من وارداتها النفطية تأتي عبر هذا الممر المائي. وقد يشكل ارتفاع أسعار النفط مشكلة للاقتصاد الصيني، الذي يعاني بالفعل من الانكماش، حيث أن انخفاض قيمة عملتهابشكل مصطنع يجعل شراء النفط غير الخاضع للعقوبات (أي المقوم بالدولار الأمريكي) أكثر تكلفة، على افتراض أن الصادرات الروسية لا يمكن أن تحل محل التدفقات من إيران بالكامل.
ومع ذلك، هناك عدة عوامل قد تعمل لصالح الصين. أولاً، بدأت بكين في بناء احتياطياتها الاستراتيجية من النفطالعام الماضي، ولديها الآن ما يعادل حوالي 104 أيام من الواردات المخزنة - وهي ليست كمية ضخمة، ولكنها أعلى من الحد الأدنى الموصى بهمن قبل الوكالة الدولية للطاقة وهو 90 يوماً. ثانياً، في الأسابيع التي سبقت الحرب، أشارت تقارير متعددة إلى أن كميات كبيرة من النفط الإيراني لا تزال مخزنة في ناقلات بسبب انخفاض الطلب الصيني العام الماضي، من بين أسباب أخرى. ويمكن الاستفادة من هذه المخزونات إذا لزم الأمر. ثالثاً، لا يزال بيع النفط إلى الصين المصدر الرئيسي لدخل إيران، لذا فإن النظام لديه حافز كبير لإيجاد حل لبكين إذا نفدت المخزونات الحالية أو ثبت عدم إمكانية تسليمها عبر القنوات العادية.
وعلى هذا النحو، من المرجح أن تكون الصين على ما يرام على صعيد الطاقة طالما أن الحرب لن تستمر لفترة طويلة. كما أنها تستفيد استراتيجياً من تحويل الأصول العسكرية الأمريكية. وبالتالي، لا يوجد سبب لتوقع أن تتصرف بشكل مختلف في الأسابيع المقبلة. من المرجح أن تستمر الصين في بيع الأسلحة والمدخلات التي يمكنها تحمل تكلفتها للنظام، لكن إرسال أصولها العسكرية إلى إيران من شأنه أن يشكل مخاطر أكبر بكثير مقارنة بانتظار رؤية كيف ستسير الأمور.
بالنسبة لروسيا، انتكاسة وفرصة
آنا بورشيفسكايا
كان رد فعل روسيا على الحرب متوقعاً حتى الآن. فقد أدان فلاديمير بوتين بشكل لفظي ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل ووصفها بأنها "عدوان غير مبرر" دون إصدار أي تهديدات أو خطوط حمراء أو عروض للمساعدة لطهران. ثم حاول الكرملين أن يضع نفسه في موقع الوسيط من خلال إجراء سلسلة من المكالمات الهاتفية مع قادة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، مشيراً إلى "اتصاله المستمر" بالقادة الإيرانيين.
لم يكن بوتين ينوي أبداً إنقاذ طهران، ولم يكن ملزماً رسمياً بالقيام بذلك عند توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية العام الماضي، التي تفتقر بشكل ملحوظ إلى بند الدفاع المتبادل. يعرف بوتين أنه سيخسر أي معركة عسكرية مباشرة ضد الولايات المتحدة. كما أن الانحياز بشكل كبير إلى إيران من شأنه أن يعرض علاقات روسيا مع إسرائيل ودول الخليج للخطر، مما يقوض سياسة بوتين الطويلة الأمد المتمثلة في الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط.
من المؤكد أن عدم مساعدة إيران وخسارة نظام آخر متحالف مع روسيا في المنطقة سيشكل انتكاسة لبوتين. لكنه لا يزال يمتلك أوراقاً يمكنه لعبها في الشرق الأوسط، وسيسعى إلى استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب. ومن المؤكد أنه سيواصل وضع روسيا في موقع الوسيط. وقد يقدم أيضاً مساعدة عسكرية وأمنية محدودة لإيران، مثل معدات للمساعدة في قمع الاحتجاجات أو رفع تكاليف الحملة الأمريكية.
والجدير بالذكر أن بوتين سيركز في المقام الأول على أوكرانيا أكثر من إيران عند اتخاذ مثل هذه الخطوات. فمن ناحية، من المرجح أنه يأمل في أن تستمر الأزمات المتتالية في إيران في صرف انتباه الولايات المتحدة عن الضغط عليه بشأن الحرب في أوكرانيا. ومن المرجح أيضاً أن تستفيد روسيا من الارتفاع الحالي في أسعار النفط.
باختصار، قد تفوق الفرص التي تخلقها الحرب الانتكاسات المحتملة لموقف موسكو في الشرق الأوسط. فلدى روسيا تاريخ حافل في التعافي من الفشل، وبوتين بارع في اللعب على المدى الطويل في المنطقة.
تركيا عالقة بين إيران والولايات المتحدة
سونر چاغاپتاي
تُعد تركيا وإيران منافستين تاريخيتين تشتركان في حدود عمرها قرابة 400 عام، وهو ما يعكس توازنًا طويل الأمد في القوة بينهما. وبناءً على ذلك، عارضت أنقرة مساعي طهران للحصول على أسلحة نووية، لأن ذلك من شأنه أن يقلب التوازن القديم بينهما رأساً على عقب ويعرض تركيا لتهديدات إيرانية مباشرة في المستقبل. وفي الوقت نفسه، لا تريد أنقرة أن ترى إيران تتفكك، جزئيًا لأن مثل هذا الانهيار قد يؤدي إلى فوضى إقليمية وتدفق هائل آخر للاجئين نحو تركيا.
كما يشعر المسؤولون الأتراك بالقلق من ظهور مناطق خارجة عن السيطرة في إيران في حالة انهيار النظام. وقد تم مؤخراً حل حزب "العمال الكردستاني" (PKK)، العدو اللدود لأنقرة، تحت ضغط تركي، ولكن في حالة انهيار إيران، قد يعود هذا الحزب إلى الحياة تحت راية فرعه الإيراني، "حزب الحياة الحرة الكردستاني" (PJAK). ويُعد هذا الاحتمال مقلقًا بشكل خاص لتركيا بالنظر إلى التقارير الأخيرةالتي تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تخططان للتعاون مع "حزب الحياة الحرة الكردستاني" وجماعات كردية أخرى لإضعاف النظام الإيراني. إذا تم تنفيذ مثل هذه الخطط، فإنها قد تُحدث شرخًا بين واشنطن وأنقرة طوال فترة الحرب، وربما لفترة أطول.
وفي الوقت نفسه، فإن الهجوم الصاروخي الإيراني الذي استهدف أهدافاً داخل تركيا في 4 مارس/آذار قد وضع أنقرة في مأزق. وإذا استمرت مثل هذه الهجمات، فستجد تركيا نفسها مضطرة للانحياز إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب، على الأقل من الناحية الخطابية والدبلوماسية.
حتى الآن، كانت أنقرة متحفظة في تصريحاتها العلنية، حيث أصدرت وزارة الخارجية في 28 شباط/فبراير بياناً أعربت فيه عن قلقهاإزاء الهجمات التي تشنها جميع الأطراف. ويمكن تفسير النبرة المحايدة لهذا البيان - وموقف تركيا العام تجاه الحرب - بالكيمياء القوية بين ترامب والرئيس أردوغان، وبإعادة ضبط العلاقات الأمريكية - التركية مؤخراً. وما لم تحدث هجمات إيرانية أخرى على أراضي تركيا أو جهود أمريكية - إسرائيلية جادة لفتح جبهة كردية في إيران، فمن المرجح أن تضغط أنقرة من أجل إنهاء القتال بمجرد أن تكون واشنطن وطهران مستعدتين - ثم تطلب دوراً تركياً كبيراً في التوسط للتوصل إلى حل سياسي.
على الرغم من شكوكها، سيتعين على أوروبا أن تضطلع بدور عسكري
سهير مديني
عندما تعرضت قبرص - وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي - لضربة من طائرة مسيرة إيرانية الصنع هذا الأسبوع، انخرطت أوروبا رغماً عنها في الحرب الإيرانية وأصبحت الآن مضطرة لحل الازمة. من ناحية، تدعم عدة دول أوروبية الحملة العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية، مقتنعة بأن نجاحها في إضعاف أو تغيير النظام الإيراني سيؤدي إلى تحسين الأمن الأوروبي. ويرتكز هذا الرأي إلى حد كبير على حقيقة أن طهران لا تزال عاملاً مهماً في تمكين روسيا من شن حربها في أوكرانيا. وقبل الحرب الإيرانية بوقت قصير، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة كبيرةبإضافة "الحرس الثوري الإيراني" إلى قائمته للمنظمات الإرهابية.
من ناحية أخرى، تنظر العديد من الدول الأوروبية بعين الريبة إلى تجاهل إدارة ترامب المتكرر للقانون الدولي. فهي تدرك أن التغاضي عن تصرفات واشنطن الحالية في الشرق الأوسط قد يقوض قدرتها على معارضة سلوك مماثل إذا ما حدث بالقرب من أراضيها (على سبيل المثال، في أوكرانيا أو غرينلاند. كما أنها تشعر بالقلق إزاء أسوأ السيناريوهات مثل اندلاع حرب أهلية في إيران، لأن ذلك قد يؤدي إلى موجة من الهجمات الإرهابية وتدفق اللاجئين على غرار ما شهدته أوروبا عندما اندلعت الحرب في سوريا قبل عقد من الزمن.
نظراً لهذه المخاوف، سيكون من الحكمة أن تواصل إدارة ترامب إطلاع شركائها الأوروبيين على العمليات الأمريكية مع التنسيق مع أولئك الذين هم على استعداد وقادرون على لعب دور عسكري -على الرغم من أن أي دور من هذا القبيل سيكون مقتصراً على العمليات التي تتم في إطار يتوافق مع القانون الدولي. في بيان مشترك صدر في 1 آذار/مارس، أكدت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة استعدادها لاتخاذ "الإجراءات الدفاعية اللازمة والمتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من مصدرها". وقد سمحت المملكة المتحدة بالفعل للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لأغراض دفاعية متفق عليها، بينما أرسلت فرنسا طائرات مقاتلة من طراز رافال لإسقاط الطائرات المسيرةالتي تهدد المجال الجوي لحلفائها الإقليميين. كما أمرت باريس حاملة طائراتها الوحيدة التي تعمل بالطاقة النووية بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط للمساعدة في حماية أصول الحلفاء. ومع ذلك، من المرجح أن تتعرض الالتزامات الأوروبية لضغوط بسبب محدودية الموارد نتيجة استمرار دعمها لدفاع أوكرانيا ضد روسيا.