- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4228
رصد تنظيم «الدولة الإسلامية»: اتجاهات النشاط، والتمدد الأفريقي، والجمود الأمريكي
في الوقت الذي تبلغ فيه أداة بارزة لتتبع نشاط التنظيم محطة جديدة موجعة، لا يمكن للمسؤولين الأمريكيين أن يسمحوا للأزمات الإقليمية بأن تحجب تماما التحولات المهمة في التهديدات الجهادية حول العالم.
في آذار/مارس 2023، أطلق معهد واشنطن خريطة النشاط العالمي المنتقى لتنظيم «الدولة الإسلامية» بهدف تتبع التنظيم بصورة أكثر شمولا مما تتيحه بيانات الهجمات وحدها، عبر إدراج النشاط الدعائي، وإعلانات تبني المسؤولية، والعقوبات المالية، والقضايا القانونية. وبعد ثلاث سنوات وخمسة آلاف قيد في قاعدة البيانات، تغيرت الصورة التي تقدمها هذه الخريطة التفاعلية بطرق تؤكد الاتجاهات التي جرى تحديدها عند مرور عام على إطلاقها وتعقدها في آن واحد. إن «ولايات» تنظيم «الدولة الإسلامية» الأساسية في العراق وسوريا لم تتراجع فحسب، بل خرجت إلى حد كبير من الخريطة العملياتية. وحلت محلها مجموعة من «الولايات» الأفريقية بالكامل تقريبا، باتت تحمل شعلة التنظيم في التمرد والإرهاب الجهاديين على مستوى العالم. وحتى مع تزايد فتك هجمات التنظيم في كل حادثة على حدة، فإن الأدوات التي تملكها الحكومة الأمريكية لمواجهة شبكات التنظيم المالية وشبكات التجنيد تبقى غير مستخدمة إلى حد بعيد.
تصاعد العنف والتحول نحو أفريقيا
عند إطلاق الخريطة، بدأت بفهرسة نشاط التنظيم بأثر رجعي منذ عام 2019، ثم شرعت في تسجيل النشاط الجديد فور وقوعه، بما مكن الباحثين من تقييم الاتجاهات السنوية. ووفقا لهذه البيانات، تبنت الإدارة الإعلامية المركزية للتنظيم أكثر من 3500 هجوم بين عامي 2019 و2026، أسفرت عن أكثر من 15 ألف إصابة مبلغ عنها. ورغم أن الوتيرة السنوية لهذه الهجمات بقيت على حالها تقريبا، فإن فتكها ظل يتزايد باطراد: إذ ارتفع عدد الإصابات من نحو 4.1 في كل هجوم إلى 4.6. ولعل كون الهجمات خلال العام الماضي كانت في المتوسط الأكثر فتكا على الإطلاق منذ بدء الخريطة في التسجيل هو خير تذكير بأن ثبات وتيرة الهجمات لا يعني انخفاض التهديد.
في غضون ذلك، أعيد رسم التراتبية بين «الولايات» التي ورد وصفها عند مرور عام على إطلاق الخريطة. فقد أصبحت «ولاية غرب أفريقيا» التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» (ISWAP) الأكثر نشاطا على الإطلاق، وإن تراجعت إعلانات تبنيها للهجمات عن ذروتها في السنة الثانية. وجاء التحول الأكثر حدة من الجبهات الأفريقية الأخرى للتنظيم. فقد ضاعفت «ولاية وسط أفريقيا»، التي تتخذ من جمهورية الكونغو الديمقراطية مقرا لها، إعلانات تبنيها أكثر من الضعف في السنة الثانية للخريطة، فيما واصلت «ولاية الساحل» في مالي صعودها أيضا. أما «ولاية موزمبيق» فقد ردعت مؤقتا بفعل استنزاف قياداتها، لكنها عادت بعد ذلك إلى هجوم متواصل وارتفعت إلى أعلى عدد من إعلانات تبني الهجمات في السنة الثالثة. والأكثر لفتا للنظر أن «ولاية الصومال» ارتفعت من 7 هجمات متبناة في السنة الأولى للخريطة إلى 93 هجوما في السنة الثالثة، أي بزيادة قدرها ثلاثة عشر ضعفا تعكس تنامي مكانة هذه المجموعة الفرعية داخل شبكة التنظيم.
وفي مقابل هذا الصعود الأفريقي، خفت نشاط مهد التنظيم نسبيا. فقد انهار عدد الهجمات المتبناة في العراق من 145 هجوما في السنة الأولى إلى 14 هجوما في السنة الثالثة، وهي نتيجة لضغوط مكافحة الإرهاب المتواصلة. وتراجعت إعلانات التبني في سوريا أيضا، بما يتسق مع سياسة التنظيم المتعمدة بالتقليل من الإبلاغ هناك، وكذلك مع الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بنظام الأسد في عام 2024. وعلى نحو مماثل، تراجعت إعلانات تبني الهجمات من جانب «ولاية خراسان» (ISKP) داخل أفغانستان تراجعا حادا، بما يعكس تصعيد حركة طالبان لإجراءاتها العسكرية ضد التنظيم. غير أن «ولاية خراسان» وسعت الجانب الأكثر أهمية لسياسة الولايات المتحدة من عملياتها: التخطيط الخارجي.
توقف عمليات التصنيف الأمريكية
خلال السنة الأولى من عمر الخريطة، أصدرت الحكومة الأمريكية أربعة قرارات تصنيف فرضت عقوبات على أربعة وعشرين فردا. وفي ذلك الوقت، كان تركيز واشنطن المتزايد على روسيا والصين وإيران قد بدأ بالفعل بصرف الانتباه عن تصنيف شبكات التنظيم، وقد تحول هذا الانجراف منذ ذلك الحين إلى توقف تام. وبعد صدور دفعة أخيرة في 23 تموز/يوليو 2024، لم تسجل الخريطة أي عمليات تصنيف أمريكية إضافية.
ويصعب التوفيق بين هذا الخمول والتطورات على الأرض. فخلال الفترة نفسها، وسعت «ولايات» التنظيم الأفريقية نطاق سيطرتها الإقليمية وقدرتها على استخلاص موارد يمكن استخدامها لتمويل الإرهاب، وهي بالضبط الظروف التي تستدعي تحديد ومعاقبة الممولين والميسرين والقادة الذين يبقونها قائمة. وطالما شكلت عمليات التصنيف وسيلة مفيدة لا لتقييد النشاط غير المشروع فحسب، بل أيضا لإبراز شخصيات جديدة غامضة أمام الرأي العام. ومن خلال السماح بتعطل هذه الأداة في الوقت الذي يتنوع فيه تهديد التنظيم، تتخلى واشنطن عن كلتا الفائدتين.
أنماط الاعتقالات
بقي حجم القضايا القانونية المرتبطة بالتنظيم التي تتبعتها الخريطة كبيرا: نحو 480 قضية في السنة الأولى، ارتفعت إلى 549 قضية في السنة الثانية قبل أن تتراجع إلى 408 قضايا في السنة الثالثة. ويمتد هذا الكم من القضايا ليشمل أكثر من تسعين بلدا في الإجمال، وقد تبدل تكوينه بطريقتين بالغتي الأثر.
أولا، تحرك مركز الثقل الجغرافي. فقد تصدرت تركيا والعراق وشمال شرق سوريا الأرقام المبكرة. وبحلول السنة الثالثة، احتلت سوريا صدارة القائمة بثبات، بما يعكس موجة الاعتقالات والملاحقات القضائية التي رافقت المرحلة الانتقالية لما بعد الأسد، واستمرار هشاشة أوضاع المعتقلين في الشمال الشرقي.
ثانيا، والأكثر إثارة للقلق، أن القضايا في الغرب باتت تميل نحو فئات أصغر سنا وأكثر ارتباطا بالفضاء الإلكتروني. فقد بلغت القضايا التي تشمل قاصرين ذروتها في السنة الثانية، متركزة إلى حد كبير في فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا والنمسا وكندا. وترتبط هذه القضايا في معظمها بالتطرف عبر الإنترنت، والنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، ومخططات تستهدف أهدافا داخلية بدلا من القتال في الخارج. ويشكل استخدام الذكاء الاصطناعي اتجاها ناشئا لكنه مهم؛ فقد تتبعت الخريطة ست قضايا تنطوي على استخدام الذكاء الاصطناعي، استخدم في معظمها من قبل مراهقين لاكتساب الدراية بإنتاج المتفجرات. ومع تطور الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة، من المرجح أن يكون عاملا مضاعفا للقوة وثغرة أمنية في آن واحد، مع استغلال المستخدمين الإرهابيين منصات ذكاء اصطناعي متزايدة التطور.
النشاط الدعائي
تكشف بيانات الخريطة عن تباين بين الدوريتين الرئيسيتين لتنظيم «الدولة الإسلامية»، بما يعكس مساره الأوسع. فنشرته الأسبوعية الناطقة بالعربية، «النبأ»، حافظت على وتيرتها. في حين سلكت مجلة «صوت خراسان»، وهي المجلة الناطقة بالإنجليزية التابعة لـ«ولاية خراسان» والموجهة إلى جمهور عالمي وجمهور الشتات، مسارا مختلفا. فقد صدرت بانتظام نسبي خلال السنتين الأوليين للخريطة قبل أن تنهار في السنة الثالثة، إذ تقلصت إلى حفنة من الأعداد بعد أن خفت صوت المطبوعة إلى حد كبير في النصف الثاني من عام 2025. ويساعد تفكيك الشرطة الباكستانية لشبكة إعلامية تابعة لـ«ولاية خراسان» في آب/أغسطس الماضي على تفسير هذا التراجع.
وتؤدي المطبوعتان وظيفتين متمايزتين، وفي التباين بينهما دلالة مفيدة. فمجلة «النبأ» تعمل كنشرة للأخبار والعقيدة، توثق عمليات التنظيم الميدانية وأنشطته في الحكم (في أفريقيا في الغالب الأعم). وقد بات محتواها يركز بصورة متزايدة على الولايات المتحدة وإدارة ترامب، مع مواصلة بث خطاب معاد لليهود بكثافة، والتنديد الطائفي بالمسلمين المنافسين، بمن فيهم حركة طالبان و«حماس» و«هيئة تحرير الشام»، المجموعة المنحلة الآن التي كان يقودها سابقا الرئيس السوري أحمد الشرع.
أما مجلة «صوت خراسان» فهي أقرب إلى مجلة للتعليم والتجنيد. ويتألف محتواها الأكثر تكرارا من سير دينية لصحابة النبي محمد، وقصص قرآنية، ودعوات إلى النفير والهجرة، وتنديدات بحركة طالبان وباكستان، ومسار مخصص يخاطب القارئات، ونداءات إلى الأقليات المسلمة المحلية، من الأويغور إلى كشمير.
وأوضح أرضية مشتركة بين المطبوعتين هي عداؤهما لإسرائيل واليهود. وقد اشتد هذا الموضوع في كلتا المطبوعتين بعد هجوم «حماس» على إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
من السنة الرابعة حتى الآن
توحي الأسابيع الأولى من السنة الرابعة لتتبع الخريطة لتنظيم «الدولة الإسلامية» باستمرارية لا بقطيعة. وتشير وتيرة الهجمات المتبناة إلى عام آخر ضمن النطاق المألوف الذي يتراوح بين نحو 1100 و1300 حادثة، أي لا الاندفاعة التي خشيها البعض بسبب تدهور الوضع الأمني في أفريقيا، ولا الانهيار الذي تمناه آخرون. ولا تزال «ولاية غرب أفريقيا» (ISWAP) مهيمنة، فيما تحافظ «ولايات» وسط أفريقيا وموزمبيق والساحل على ثباتها، ويواصل العراق وسوريا التلاشي.
وثمة مؤشران مبكران يستحقان الانتباه مع تكشف أحداث السنة الرابعة: إذ يبدو أن إعلانات «ولاية الصومال» للتبني آخذة في الفتور بعد طفرة السنة الثالثة، لكن إعلانات «ولاية خراسان» (ISKP) عن هجمات داخل أفغانستان تظهر علامات أولية على معاودة الصعود. وإذا استمرت هذه الأنماط خلال الأشهر المقبلة، فإن السنة الرابعة للخريطة سترسخ الاستنتاج المحوري للسنوات الثلاث الأولى: وهو أن تنظيم «الدولة الإسلامية» بات الآن، أولا وقبل كل شيء، تمردا أفريقيا يمتلك قدرة خطيرة على التخطيط العابر للحدود ترتكز في أفغانستان. وقد دفع هذا التمحور الأفريقي التنظيم بعيدا عن قلب العالم الإسلامي، بما قد يطعن في ادعاءاته بالشرعية الدينية. غير أنه قد يجعل التنظيم أيضا أكثر خطورة من منظور السياسة الأمريكية، لأنه بات متركزا في منطقة يهيمن فيها المرتزقة الروس على مشهد مكافحة الإرهاب، وتتخلف فيها القدرة العملياتية الأمريكية، ولا تزال فيها آلية التصنيف الحكومية الأمريكية جامدة.
التداعيات السياسية
تبرز سنوات البيانات التي جمعتها خريطة نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية» الحاجة إلى استمرار انخراط السياسة الأمريكية في هذه المسألة، مع التركيز على الاتجاهات التالية:
- لم يعد ترسخ «ولايات» التنظيم الأفريقية اتجاها يتوقع حدوثه، بل بات واقعا يجب مواجهته. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة الأمريكية قد تخلت حتى الآن عن آلية الاستجابة الأنسب: ألا وهي تجديد وتوسيع عمليات تصنيف شبكات التنظيم المالية والقيادية. وقد تجلى هذا الاتجاه أيضا في وثيقة استراتيجية مكافحة الإرهاب التي أصدرتها إدارة ترامب مؤخرا، وهي ثغرة ينبغي للمسؤولين العمل على سدها قدر الإمكان.
- إن ميل بيانات الاعتقالات الأخيرة نحو فئات شابة ونشطة عبر الإنترنت يدعو إلى استثمار متواصل في برامج الوقاية والإخراج من دائرة التطرف، التي تعالج التطرف قبل أن يبلغ مرحلة التخطيط للهجمات، لا سيما في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. ويعد تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص أمرا أساسيا لهذا المسعى، لأن شركات وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تقع في طليعة عملية التطرف التي يقودها التنظيم.
- إن طموح «ولاية خراسان» (ISKP) المستمر إلى التخطيط لعمليات خارجية وتنفيذها قد كشف زيف الضمانات التي قدمتها حركة طالبان بشأن مكافحة الإرهاب، بما يوضح استمرار الحاجة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية على المستوى العالمي لمنع أي هجمات فظيعة واسعة النطاق في المستقبل.
- وفوق كل ذلك، فقد غير سقوط نظام الأسد بؤرة التنظيم الأصلية بطريقة لم تكن التحليلات السابقة قادرة إلا على افتراضها في سيناريوهات تخيلية. فقد نقل معظم العدد الكبير من المعتقلين في الشمال الشرقي إلى العراق، وبات العبء الواقع على «قوات سوريا الديمقراطية» يتقاسم الآن من خلال اتفاق دمج مع الحكومة المركزية، وحسم التنازع على الأرض في ذلك الجزء من سوريا في أواخر كانون الثاني/يناير. ولدى التنظيم كل الحوافز لاستغلال حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين المستمرة في البلاد، بل إن منافذه الدعائية قد انتهزت هذا الوضع بلهفة، وفق ما رصدته الخريطة منذ أواخر عام 2024. غير أن جميع المؤشرات توحي بأن دمشق باتت الآن قادرة على النهوض بهذه المهمة ويمكن أن تكون عضوا رئيسيا في «التحالف العالمي» لمكافحة التنظيم.
وفي خضم الدعوات المستمرة إلى إنهاء عمل تحالف مكافحة التنظيم، فإن الدرس المستفاد من السنوات الثلاث ونيف الأولى من عمل الخريطة هو أن التنظيم يتكيف بأسرع مما يولى له من اهتمام. وستواصل «خريطة النشاط العالمي لتنظيم الدولة الإسلامية» تتبع هذا التكيف أينما انتقل لاحقا.