- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4260
محاكمات "الدولة الإسلامية" في العراق: دور الولايات المتحدة
في الوقت الذي تنتقل فيه بغداد إلى المرحلة التالية فيما يتعلق بالمعتقلين المرتبطين بتنظيم "الدولة الإسلامية" الذين تم نقلهم من سوريا، ينبغي على واشنطن تشجيع إعادتهم إلى أوطانهم، وإجراء محاكمات عادلة، وتعزيز التعاون بين الشركاء من أجل بناء إطار عمل مستدام على المدى الطويل.
في الأول من /سبتمبر، أعلن العراق أنه انتهى من استجواب أكثر من 5,700 محتجز مرتبط بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وهي مهمة أنجزها بعد سبعة أشهر فقط من قيام "القيادة المركزية الأمريكية" بنقلهم من شمال شرق سوريا وسط انهيار نظام الاحتجاز التابع لداعش. وبعد سنوات من التردد الدولي، قد تشكل عملية النقل والتحقيق التي تقوم بها بغداد مصدر ارتياح كبير للضحايا وأسرهم الذين يسعون إلى محاسبة مرتكبي جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية"، وللمعتقلين الذين انتظروا مدة غير محددة للنظر في قضاياهم. ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول إجراءات جمع الأدلة، والمحاكمات العادلة، وسرعة التحقيقات، واحتمالية المشاركة الدولية.
ومع دخول العملية مرحلتها التالية، ينبغي على واشنطن أن تتعامل معها باعتبارها فرصة لتعزيز هدف أمني وطني أمريكي طويل الأمد، إذ إن ضمان التعامل مع المعتقلين بشكل سليم أمر بالغ الأهمية لمنع عودة التنظيم. علاوة على ذلك، أفادت التقارير أن الولايات المتحدة وافقت على تقديم الدعم المالي لتغطية تكاليف الاحتجاز والمحاكمة، في حين أن إدارة ترامب تتوقع من العراق الوفاء بالتزاماته التعاهدية، وتعمل مع بغداد والشركاء الدوليين لدعم "عمليات احتجاز وتحقيقات ومحاكمات وإعادة آمنة وإنسانية إلى الوطن". وعلى الرغم من أن البعثة العسكرية متعددة الجنسيات في العراق وسوريا ستنتهي هذا الشهر، فإن الذراع السياسي لـ"التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية" سيستمر. وينبغي على واشنطن أن تستغل دورها الريادي في كلا الهيئتين لتسهيل إجراء مناقشات ملموسة حول الإعادة إلى الوطن، وإجراءات المحاكمة المناسبة، وإطار عمل مستدام لإدارة ما سيكون بالضرورة عملية طويلة الأمد.
من هم المحتجزون؟
بعد الهزيمة الميدانية التي لحقت بـ"تنظيم "الدولة الإسلامية" في عام 2019، نقل آلاف الرجال والنساء والأطفال الذين كانت تربطهم صلة بالتنظيم، سواء من خلال العضوية أو الروابط الأسرية أو غيرها، إلى مراكز احتجاز في شمال شرق سوريا تديرها "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة من الولايات المتحدة والتي يقودها الأكراد. كانت النساء والأطفال الصغار يحتجزون عموماً في مخيمي روج والهول، بينما كان أكثر من 10,000 رجل ومراهق يحتجزون في مرافق أخرى. وكانوا ينتمون إلى جنسيات مختلفة، بما في ذلك حوالي 5,000 سوري، و3,000 عراقي، و2,000 من الرعايا الأجانب الآخرين.
وقد استمر هذا الترتيب، الذي كان يقصد به أن يكون حلاً مؤقتاً، لسنوات، تاركاً آلاف الأشخاص في مواقع احتجاز لأجل غير مسمى دون أي مسار لحل قانوني أو الإفراج عنهم. ونظراً لأن "قوات سوريا الديمقراطية" كانت جهة فاعلة غير حكومية لا تتمتع بسلطة قانونية لترحيل هؤلاء الأفراد أو محاكمتهم، فقد تم تشجيع الدول على إعادة رعاياها طوعاً إلى أوطانهم. وبحجة مخاوف أمنية وسياسية، رفضت العديد من الدول ذلك، بما في ذلك عدة دول في أوروبا؛ بل إن بعضها سحب الجنسية من بعض المعتقلين. أما الدول التي قامت بإعادة رعاياها إلى أوطانهم، فقد أعطت الأولوية في الغالب للأطفال والنساء، متجاهلة الرجال والمراهقين. وفي الوقت نفسه، اتهمت "قوات سوريا الديمقراطية" باستخدام ادعاءات كاذبة بالانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" لترهيب المعارضين المحليين، وتفاقمت الأزمة بشكل أكبر بسبب سوء الأوضاع، ومحدودية الوصول إلى الغذاء والدواء، وسوء المعاملة المزعومة، وتقييد الرقابة الدولية.
في كانون الثاني/يناير، وفي مواجهة مزيد من عمليات هروب المعتقلين في أعقاب الحملة العسكرية التي شنتها الحكومة السورية في الشمال الشرقي، طلبت بغداد من واشنطن تسهيل نقل ما يقارب 5,700 رجل إلى العراق، ومن بينهم، حسبما ورد، 3,497 سورياً، و470 عراقياً، و710 مواطنين من دول عربية أخرى، و980 مواطناً أجنبياً آخر. وقد أبرزت عمليات النقل هذه مخاوف المسؤولين من أن دمشق قد لا تتمكن من إدارة هذه المجموعة، وقد تكتفي ببساطة بالإفراج عن محتجزين يحتمل أن يشكلوا خطراً، ولا سيما السوريين.
تعامل العراق مع القضية
في كانون الثاني/يناير، صرح "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" (NCIJC)، الذي يقود التحقيقات، قائلاً: "جميع المشتبه بهم، بغض النظر عن جنسياتهم أو رتبهم داخل التنظيم الإرهابي، يخضعون حصرياً لسلطة القضاء العراقي، وستطبق إجراءاتنا القضائية عليهم جميعاً دون استثناء". وستستند الملاحقات القضائية إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 13لعام 2005 (الذي يسمح للمحاكم بالحكم بالإعدام على المشتبه بهم المرتبطين بالإرهاب)، فضلاً عن قانون العقوبات المعدل رقم 111 (1969) وقانون الإجراءات الجنائية رقم 23 (1971). والجدير بالذكر أن تطبيق عقوبة الإعدام يتعارض مع قوانين العديد من الدول التي ينحدر منها المحتجزون.
وقد تم إحراز تقدم سريع، ففي تموز/يوليو، صرح مسؤولو "اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية" بأن 85 في المائة من التحقيقات قد اكتملت. وفي آب/أغسطس، اتفقت دمشق وبغداد على مناقشة قضية المحتجزين السوريين على الرغم من خلافاتهما السابقة حول هذه القضية. كما أعلن العراق أنه ينسق مع واحد وستين دولة للتوصل إلى اتفاقات لإعادة المحتجزين إلى أوطانهم من شأنها تخفيف الضغط على نظام السجون المثقل بالأعباء، بما يتماشى مع هدف واشنطن المتمثل في تشجيع الحكومات الأخرى على تحمل المسؤولية عن مواطنيها.
ورغم أنه ينبغي الإشادة ببغداد لدورها القيادي، فإن التدقيق في هذه العملية يظل مبرراً بالنظر إلى تاريخ البلاد. فقد أثارت المحاكمات الجماعية التي أجراها العراق في الماضي لمشتبهي الانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، لا سيما في الفترة من 2017 إلى 2019، انتقادات بسبب الإجراءات المتسرعة، واتهامات بـالاعترافات القسرية، واستخدام عقوبة الإعدام. ولا يزال هذا القلق الأخير قائماً حتى اليوم، إلى جانب تساؤلات حول مشروعية عمليات نقل المعتقلين وقدرة العراق على استيعاب هذا العبء من القضايا في ظل نظام السجون المثقل بالأعباء بالفعل. كما تفتقر الحكومة إلى تشريعات تتعلق بمقاضاة "الجرائم الدولية الأساسية" وفق تعريف "المحكمة الجنائية الدولية"، وهي الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. وفي ولايات قضائية أخرى، يتيح الجمع بين هذه الجرائم وتهم الإرهاب إجراء ملاحقة قضائية تراكمية، مما يوفر نهجاً أكثر شمولاً للتعامل مع جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية".
على الرغم من هذه المخاوف، استمرت التحقيقات وأسفرت عن الإفراج عن بعض المعتقلين. ففي آذار/مارس، أفرج "المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي" عن قاصرين من فنلندا والولايات المتحدة بعد عدم العثور على أدلة تثبت انتماءهما إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، كما تم تحديد حالات أخرى تتعلق بقاصرين. كما أعلن العراق هذا الشهر أنه من بين 3,497 سورياً تم نقلهم، لم يجد أدلة كافية لمواصلة احتجاز 457 منهم، ويستعد لإعادتهم إلى أوطانهم. كما أفرج عن سبعة عراقيين بالمثل.
وتتعلق تحقيقات أخرى بأفراد متهمين بارتكاب جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية" أو شغل مناصب بارزة في التنظيم، بما في ذلك مناصب قيادية وأمنية، ودينية، وعسكرية، وإعلامية. ومن بينهم أفراد متورطون في أنشطة الدعم المالي واللوجستي والإداري، والطبي، والتقني، وغيرها. وترتبط ست حالات على الأقل باستعباد نساء يزيديات.
وقد تعاون العراق مراراً مع جهات دولية بشأن هذه الأنواع من التحقيقات. ففي الفترة ما بين عامي 2017 و2024، تعاون مع "فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش"، وهو الفريق المسؤول عن جمع وتحليل الأدلة المتعلقة بجرائم تنظيم "الدولة الإسلامية" المرتكبة في العراق. وقبل انتهاء عمل الفريق في عام 2024، طلبت بغداد منه مشاركة هذه الأدلة. ومؤخراً، وقع العراق اتفاقية عمل مع "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية" (يوروجست) لتبادل المعلومات بشأن التحقيق في جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية" وملاحقتها قضائياً. وفي إحدى القضايا، تحققت السلطات العراقية من المعلومات المتوفرة وقدمت أدلة إضافية للمساعدة في محاكمة متهمين من تنظيم "الدولة الإسلامية" في سلوفينيا، مما يسلط الضوء على الأهمية الحاسمة لوصول السلطات العراقية إلى الأدلة اللازمة للملاحقات القضائية المستقبلية لأعضاء التنظيم في أوروبا.
اعتبارات سياسية
وقد وصفت واشنطن السجناء المرتبطين بتنظيم "الدولة الإسلامية" بأنهم "أكبر تجمع للإرهابيين المحتجزين في العالم"، وجعلت حل أوضاعهم أولوية عبر عدة إدارات. ومع استمرار احتجاز مواطنين من 61 دولة، يظل حل هذه القضايا بشكل سليم أمراً بالغ الأهمية، وذلك جزئياً لمنع عناصر "الدولة الإسلامية" المتمرسين في القتال والمتشبعين بأيديولوجيتها من العودة إلى الميدان. ومع انتهاء المهمة العسكرية لـ"التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش" واستمرار ذراعه السياسي، ينبغي على واشنطن أن تستخدم نفوذها لدى الدول الأعضاء للمضي قدماً في تحقيق هذا الهدف الطويل الأمد من خلال الخطوات التالية:
الضغط من أجل إعادة المعتقلين الذين تربطهم صلات "غير كافية" بتنظيم "الدولة الإسلامية" إلى أوطانهم. لطالما أكدت الولايات المتحدة أن إعادة المعتقلين إلى أوطانهم هي الحل المستدام الوحيد، وعلى الرغم من أن العراق يتولى الآن مسؤولية هذه العملية، فإنه لا يمكنه حل المشكلة بمفرده - ولا ينبغي له أن يحاول القيام بذلك. ولدعم جهود بغداد، ينبغي لواشنطن أن تواصل الضغط على شركاء "التحالف" لإعادة مواطنيهم إلى أوطانهم على الرغم من ترددهم المستمر. ويعد التقييم على أساس كل حالة على حدة أمراً ضرورياً، وينبغي إعطاء الأولوية للحالات التي وجد المحققون فيها أسباباً غير كافية لاستمرار الاحتجاز، بما في ذلك القاصرون، والأفراد المتهمون بجرائم لا علاقة لها بتنظيم "الدولة الإسلامية"، والأفراد الذين تم تبرئتهم من أي صلة بالتنظيم.
السعي إلى مشاركة متعددة الأطراف في المحاكمات. أثار إعلان العراق بأن جميع المعتقلين، بمن فيهم الرعايا الأجانب، يخضعون لنظامه القضائي ردود فعل متباينة في الخارج: فبعض الدول ترغب في إعادة مواطنيها إلى أوطانهم، بينما تسعى دول أخرى إلى ترك المسؤولية على عاتق بغداد. في الأسبوع الماضي، أعلن العراق أن قضايا الرعايا الأجانب ستعالج على أساس كل حالة على حدة، بما في ذلك من خلال اتفاقيات ثنائية قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل. ويمكن أن تسمح مثل هذه الترتيبات للأفراد بالمثول أمام المحاكم أو قضاء عقوباتهم في بلدانهم الأصلية، مع تخفيف الضغط على النظامين القضائي والسجني في العراق. على سبيل المثال، بدأت تركيا في إعادة مواطنيها الذين كانت مترددة في السابق في استلامهم من مراكز الاحتجاز التابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية". ومع ذلك، هناك حاجة إلى آليات لضمان قيام الدول بالتحقيق بجدية ومقاضاة الأفراد العائدين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية".
مع استمرار هذه المناقشات، ينبغي لـ"التحالف الدولي" والمنظمات الدولية الأخرى دعم مناقشات شفافة حول إجراءات المحاكمة، وظروف السجون، واستخدام عقوبة الإعدام بحق الرعايا الأجانب. وينبغي تشجيع الدول التي تحظر عقوبة الإعدام على السماح لمواطنيها بقضاء عقوبات بديلة في أوطانهم. وبالنسبة للدول التي تسعى إلى محاكمة رعاياها بنفسها، يمكن لـ"وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية" (يوروجست) و/أو آليات أخرى تيسير تبادل الأدلة والمساعدة في ضمان محاكمات عادلة. علاوة على ذلك، سبق لشركاء الولايات المتحدة مثل ألمانيا وهولندا أن قادوا الجهود المتعلقة بالمساءلة عن جرائم الحرب المرتبطة بتنظيم "الدولة الإسلامية"، لذا ينبغي تشجيعهم على مساعدة العراق والدول الأخرى في تعزيز قوانينها المحلية التي تتيح الملاحقة القضائية للجرائم الدولية الجسيمة.
الاستفادة من علاقات الولايات المتحدة مع دمشق وبغداد لتعزيز التعاون. ويكتسي التنسيق بين هذين الشريكين أهمية خاصة بالنظر إلى تجربتهما المشتركة مع عنف تنظيم "الدولة الإسلامية" والعدد الكبير من المعتقلين السوريين الذين نقلوا إلى العراق. وفي الشهر الماضي، اتفقا على تشكيل لجنة لمناقشة أوضاع هؤلاء الأفراد، وينبغي لواشنطن أن تستخدم علاقاتها مع كلتا الحكومتين لدعم هذه العملية. ويعد قرار العراق بإعادة 457 من أصل 3,497 محتجزاً سورياً بعد عدم العثور على أدلة كافية لاحتجازهم فرصة مبكرة لبناء الثقة، ولتبديد مخاوف سوريا من أن يواجه المحتجزون لأسباب سياسية الملاحقة القضائية بتهمة ارتكاب جرائم تنظيم "الدولة الإسلامية" التي لم يرتكبوها. وفي الوقت نفسه، يجب على دمشق أن تثبت بالأقوال والأفعال أنها ستحقق بجدية مع المحتجزين السوريين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وتلاحقهم قضائياً قبل المضي قدماً في عمليات إعادة أخرى.
إنشاء إطار عمل مستدام للمعتقلين المتبقين. دعم "صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم داعش" (CTEF) التابع للبنتاغون عملية النقل الأصلية للمعتقلين من سوريا، وينبغي أن يستمر هذا الصندوق في تغطية بعض تكاليف الاحتجاز والمحاكمة بموجب الاتفاقيات القائمة مع العراق. لكن لا ينبغي أن يقع العبء على عاتق واشنطن وحدها. ينبغي أن تستعين الولايات المتحدة بشبكة "التحالف الدولي" المكونة من تسعين دولة لمساعدة بغداد على وضع إطار عمل قابل للتطبيق على المدى الطويل بالنسبة لبقية المعتقلين، نظراً لأن عمليات المحاكمة والإعادة إلى الوطن قد تستغرق سنوات، وقد تقرر بعض الدول عدم إبرام اتفاقيات ثنائية مع العراق. وينبغي أن يشمل هذا الإطار التزامات تمويلية متعددة السنوات من شركاء "التحالف"، ومساعدة تقنية، وتبادل الأدلة.