- تحليل السياسات
- تنبيه سياسي
ما بعد الطلقة التحذيرية الأولى: متابعة "عملية النبذ الاقتصادي" لعزل إيران اقتصادياً
استهداف مصرف مقره الإمارات بإجراء جاد لكنه مؤجل زمنياً قد تكون له آثار رادعة مفيدة — رغم أن معالجة المشكلة الأوسع المتمثلة في التمويل الإيراني غير المشروع في الإمارات ستتطلب حملة أطول وأكثر تنسيقاً من وزارة الخزانة.
الأسبوع الماضي، أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية "عملية النبذ الاقتصادي" ضد إيران، حيث وعد وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنها "أكبر هجوم مالي يُحشد على الإطلاق ضد خصم". ورغم أن الإجراءات الأولية جاءت دون مستوى هذه التصريحات، فإن أحد التدابير يمكن أن يشكّل طلقة تحذيرية فعالة: قاعدة مقترحة صادرة عن شبكة إنفاذ الجرائم المالية (فينسن) بموجب المادة 311 من قانون "باتريوت"، تقضي بقطع فرع "بنك مصر" الإماراتي عن النظام المالي الأمريكي. وكما أشارت مقالة سابقة لمعهد واشنطن، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعد من أهم مراكز التمويل والتجارة الإيرانية، بما في ذلك المعاملات غير المشروعة التي تُفيد مباشرة أسوأ أنشطة النظام في الداخل والخارج. وإذا كان هذا الإجراء وسيلة واشنطن لتحذير الإمارات والمؤسسات المالية العاملة فيها من احتمال استهدافها بشكل أكثر مباشرة قريباً، فقد يكون له تأثير حقيقي.
خطوة قوية لكنها محدودة
اتهمت وزارة الخزانة فرع بنك مصر بكونه مؤسسة مالية "مثيرة للقلق الأساسي بشأن غسل الأموال"، وذلك عبر تصريفه ما يقارب 2 مليار دولار لصالح أكثر من 100 شركة تنتمي إلى شبكات "الصيرفة الظل" الإيرانية. ويُعد اللجوء إلى المادة 311 بدلاً من أدوات التصنيف التقليدية أمراً غير معتاد نوعاً ما. فخلافاً لمعظم عقوبات الخزانة، لا يدخل إجراء المادة 311 حيز التنفيذ فوراً، إذ تسبقه فترة تعليق عام مدتها ثلاثون يوماً قبل أن تصبح القاعدة نهائية. علاوة على ذلك، تعتزم الخزانة فرض أشد إجراء متاح بموجب المادة 311، وهو قطع وصول البنك إلى النظام المالي الأمريكي بالكامل. وتشير هاتان السمتان الفريدتان إلى أن واشنطن ربما تضع الإمارات والمؤسسات المالية العاملة فيها في حالة إنذار.
وكما شوهد في حالات مماثلة سابقة، قد تكون هذه الأداة القوية قاضية على فرع بنك مصر الإماراتي، ثاني أكبر بنك مصري. لكن بحد ذاتها، من غير المرجح أن يكون لها تأثير كبير على إيران، إذ يمكن للنظام ببساطة أن يتحول إلى بنوك أخرى تعمل في البلاد. ورغم أن المادة 311 يمكن تطبيقها بشكل أوسع على دول بأكملها، فإن واشنطن اعتادت حصر هذا الإجراء بخصوم مثل كوريا الشمالية، ومن غير المرجح أن تستخدمه ضد حليف مثل الإمارات. لكن إذا كان تصنيف بنك مصر يُنذر بمزيد من الإجراءات التي تستهدف تحديداً النشاط المالي الإيراني في الإمارات، فقد تكون القصة مختلفة.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، حذّر الوزير بيسنت من أن إجراءات كثيرة أخرى في الطريق: "نبدأ بالبنوك، ونقول لها إنه ليس مقبولاً أن تحتفظ بأموال إيرانية وأن تساعد النظام." وربما اختارت الخزانة خيار المادة 311 المؤجل زمنياً لإتاحة فرصة أمام بنك مصر لاتخاذ إجراءات تصحيحية، كنموذج لغيره بأن بإمكانهم اختيار المسار الصحيح وتجنب القطع الأمريكي.
نافذة لتوسيع حملة الخزانة
واجهت واشنطن مشكلة مماثلة بين عامي 2007 و2010، حين كانت إيران تستغل البيئات المالية المتساهلة في الإمارات (خصوصاً دبي) ودول أخرى للالتفاف على العقوبات الدولية. حينها، كان وكيل وزارة الخزانة ستيوارت ليفي يشرف على الجهد الأمريكي لزيادة الضغط المالي على طهران، وسرعان ما جعل الإمارات إحدى أولوياته الرئيسية. فبالإضافة إلى زيارته البلاد أكثر من اثنتي عشرة مرة خلال عامين، التقى هو ومسؤولون آخرون في الخزانة مباشرة بقادة البنوك في الإمارات ودول أخرى لتحذيرهم من مخاطر الاستمرار في التعامل مع إيران.
وكان لهذا التواصل المستمر رفيع المستوى مع الحكومة الإماراتية والقطاع الخاص أثره. فبحلول عام 2010، أُفيد بإغلاق مئات الشركات المرتبطة بإيران والعاملة في الإمارات، وألغت الدولة العديد من تأشيرات الإيرانيين المتورطين في التجارة غير المشروعة، وقيّدت البنوك الكبرى بشكل حاد تعاملها المالي مع إيران، بما في ذلك الأنشطة الجارية في الإمارات وعبرها.
وقد تكون الإمارات اليوم منفتحة على حملة مماثلة من الخزانة، خصوصاً في ضوء الضربات العسكرية الإيرانية الواسعة على أراضيها خلال الأشهر الماضية. الأسبوع الماضي، أعلنت أبوظبي أن "جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران قد عُلّقت حتى إشعار آخر". والسؤال هو مدى جدية الحكومة في متابعة تنفيذ هذا التعهد. فحتى لو كان المسؤولون جادين بشأنه، فإن كشف وتفكيك الشركات الإيرانية الواجهية العديدة العاملة هناك سيكون تحدياً صعباً وكثيف الموارد، يتطلب دعماً استخبارياً كبيراً ومساعدة أخرى من الولايات المتحدة وشركائها.
وإذا أثبتت الإمارات عدم استعدادها لاتخاذ الخطوات اللازمة، يمكن لواشنطن اللجوء إلى أدوات ضغط أخرى تتجاوز العقوبات الأحادية. فعلى سبيل المثال، يمكنها الدعوة إلى إعادة إدراج الإمارات في القائمة الرمادية أو السوداء التي تحتفظ بها مجموعة العمل المالي (فاتف). وكانت الدولة قد أُدرجت سابقاً في القائمة الرمادية عام 2022 بسبب ثغرات في جهودها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ثم رُفعت منها عام 2024 بعد إجراء تعديلات لمعالجة هذه الثغرات. ولا شك أن أبوظبي تفضل البقاء بمنأى عن أنظار فاتف، إذ إن إعادة إدراجها ستدفع المؤسسات المالية إلى تطبيق إجراءات عناية واجبة معززة في الإمارات، وقد تترتب عليها آثار اقتصادية أوسع.
خاتمة
خلاصة القول إنه إذا كانت إدارة ترامب جادة في تحقيق الأهداف المعلنة لعملية "النبذ الاقتصادي"، فسيتعين عليها إعطاء الأولوية لهذا الجهد وتخصيص موارد كبيرة لإنجازه على مدى أشهر وربما سنوات. ويشمل ذلك المهمة الحساسة دبلوماسياً المتمثلة في الضغط على حلفاء أمريكا المقربين وقطاعاتهم المالية والتجارية لاتخاذ إجراءات ستكون لها تكاليف عليهم.