- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4196
ما الذي يجب أن يشمله أي اتفاق بشأن وكلاء إيران في المنطقة؟
في خضم استمرار مفاوضات السلام الأشمل، ينبغي لمسؤولي الولايات المتحدة أن يدرسوا بعناية المتغيرات العديدة الضرورية لنجاح أي اتفاقية للوكلاء، وأن يتساءلوا: ماذا ستفعل واشنطن إن راحت طهران تنتهك شروط هذه الاتفاقية انتهاكاً صريحاً؟
في أواخر الشهر الماضي، قدّمت إدارة ترامب لإيران خطةً من خمس عشرة نقطة لإنهاء الحرب، تضمّنت مطالبةً بأن تقطع طهران دعمها لجماعات الوكلاء والشركاء الأجانب، من بينها حزب الله وحماس والحوثيون اليمنيون وسواهم. ويبدو أن النظام الإيراني مائلٌ إلى رفض هذا المقترح، وهو أمرٌ غير مستغرب في ضوء الأهمية المحورية التي تمثّلها هذه الجماعات لـ"تصدير الثورة" ومدّ نفوذ طهران في المنطقة. غير أنه لا يزال من الأهمية بمكان أن نتأمّل ما قد تنطوي عليه اتفاقيةٌ كهذه، وكيف يمكن للولايات المتحدة التحقق من شروطها وإنفاذها؛ ويأتي ذلك جزئياً لتهيئة المجتمع الدولي لسيناريوهات محتملة بعد انتهاء الحرب، تعود فيها إيران إلى مضاعفة أنشطتها الإرهابية عبر الوكلاء.
مكوّنات الاتفاقية
يتعيّن على أي اتفاقية أمريكية-إيرانية بشأن دعم "الوكلاء" أن تكون بالغة التفصيل والشمولية، بحيث تغطّي كامل النطاق من الأنشطة المالية والعسكرية والإرهابية وأنشطة التدريب التي تستهدف هذه الجماعات، وأن تُصاغ بما يعكس دقائق الدعم الإيراني لكل مجموعة على حدة. (ملاحظة: استخداماً لمصطلح موحّد، يُستخدم مصطلح "الوكيل" فيما يلي للدلالة على أي جماعة إرهابية أو ميليشيا دون الدولة تحالفت عملياتياً مع النظام الإيراني؛ ويشمل ذلك الحوثيين الذين يرى كثيرٌ من الخبراء أنهم أقرب إلى شركاء استراتيجيين لطهران منهم إلى وكلاء خاضعين لها كلياً.) والهدف من ذلك حرمان طهران من أي هامش للتذرّع بالغموض. ولا بدّ أن يدرك صانعو السياسات أن إنفاذ هذه الاتفاقية بصورة فعّالة سيكون مسعىً بالغ التعقيد، يستلزم تعاون حكومات عديدة ومنظمات متعددة الأطراف والقطاع الخاص، فضلاً عن تخصيص الولايات المتحدة الأولوية القصوى من مواردها الدبلوماسية والاستخباراتية وإنفاذ القانون.
بشكل عام، ستحتاج إيران إلى الموافقة على عدم تقديم أي نوع من الدعم لأي كيانات أو أفراد إرهابيين أو ميليشياويين، سواء استُند في تعريفهم إلى قوائم التصنيفات الإرهابية الأمريكية أم إلى قائمة جديدة مُتّفقٍ عليها في إطار الأمم المتحدة. وكنقطة انطلاق، لا بدّ أن تضمّ هذه القائمة: حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني والحوثيين وعدداً من الميليشيات الشيعية العراقية. وفي كلتا الحالتين، يجب أن تتمتع القائمة بالمرونة الكافية لإدراج أعضاء جدد عند الحاجة، ضماناً لعدم تحايل طهران ووكلائها على هذه الآلية عبر تغيير مسمّيات الكيانات أو إنشاء جديدة. وتحديداً، يتعيّن على النظام الإيراني قبول الشروط الآتية:
- تلتزم إيران بوقف تقديم الأموال والأصول وسائر أشكال الدعم المالي أو الموارد لهؤلاء الوكلاء، سواء عبر القطاع المالي الرسمي أو من خلال القنوات غير الرسمية (كبيوت الصرافة وشبكات الحوالة ومنصات العملات المشفرة). ولا بدّ بالتحديد من وضع حدٍّ لمخططات تهريب النفط التي شكّلت أحد أبرز مسارات دعم الوكلاء -ولا سيما الحوثيين وحزب الله- في السنوات الأخيرة.
- تلتزم إيران بوقف تزويد الوكلاء بأي معدات عسكرية، بما فيها الصواريخ والقذائف الصاروخية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة والخفيفة. كما تمتنع عن تقديم أي مساعدة تقنية ترمي إلى مساعدتهم في تصميم أسلحتهم أو تطويرها باستقلالية.
- تلتزم إيران بوقف إمداد الوكلاء بأي مواد ذات استخدام مزدوج قابلة للتوظيف في التطبيقات العسكرية، كمكوّنات الطائرات المسيّرة والمواد الكيميائية السليفة وأنظمة التوجيه والاتصالات.
- يلتزم العسكريون الإيرانيون، ولا سيما المنتسبون إلى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، بوقف تدريب الوكلاء داخل إيران أو خارجها.
- تلتزم إيران بإنهاء جميع أشكال التخطيط العسكري والإرهابي والعملياتي مع الوكلاء كافة، وحلّ أي وحدات مشتركة وخلايا تخطيط عاملة في هذا الإطار.
- تلتزم إيران بالكفّ عن الأساليب الاحتيالية التي تلجأ إليها لإخفاء تورطها في معاملاتها مع الوكلاء، كإنشاء شركات واجهة وتزوير وثائق المستخدمين النهائيين ورفع أعلام زائفة على السفن.
- تلتزم إيران بوقف تزويد الوكلاء بأي معلومات استخباراتية، ولا سيما المعلومات التي قد تُستخدم في التخطيط لهجمات أو تنفيذها.
- تلتزم إيران بطرد جميع المسؤولين التابعين للوكلاء المقيمين على أراضيها، وسحب كافة عناصر الحرس الثوري الإسلامي المتمركزين في مناطق الوكلاء.
- تلتزم إيران بتسليم أعضاء تنظيم القاعدة الموجودين على أراضيها إلى الولايات المتحدة أو أي دولة ملائمة أخرى، والامتناع عن إيواء أي جماعات إرهابية مصنّفة أو أشخاص مدرجين على قوائم الإرهاب.
ثغرات جوهرية
حتى لو وافق المفاوضون الإيرانيون على وقف دعم الوكلاء في إطار اتفاقية أشمل، فإن سجل النظام يُشير بقوة إلى أنه لن يفي بكل هذه التعهدات. لذا سيكون رصد الانتهاكات وكشفها ووقفها أمراً بالغ الأهمية. غير أن ثمة ثغرات قائمة ستُعيق الجهود الأمريكية والدولية في هذا الشأن:
- لا توجد حتى الآن قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي تُصنّف رسمياً وكلاء إيران الرئيسيين كحزب الله وحماس بوصفهم منظمات إرهابية. وما لم يتغيّر هذا الواقع، فإن كثيراً من الدول لن ترى نفسها ملزمةً باتخاذ إجراءات بحق دعم طهران لهذه الجماعات.
- سمحت بعض الحكومات لنشاط الوكلاء الإيرانيين على أراضيها، إما لأنها تتوافق أيديولوجياً مع النظام أو مع الوكلاء أنفسهم، أو لأن لها دوافع أخرى لذلك.
- تفتقر حكومات كثيرة إلى القدرة على تعقّب الشبكات الإيرانية غير المشروعة وتفكيكها.
- يعوز كثيراً من المؤسسات الخاصة -بما فيها المؤسسات المالية- الاطّلاعُ الكافي للكشف عن الجهات المرتبطة بإيران، كما أن وضعها الراهن لا يؤهّلها لتكون في طليعة هذه المعركة. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تتعذّر على الشركات المصنِّعة أو الناقلة للمواد ذات الاستخدام المزدوج أو تأبى القيام بعناية واجبة للتحقق من هوية المستخدمين النهائيين لمنتجاتها. ومن ثمّ تتيسّر لطهران ووكلائها عملية إنشاء شركات واجهة بحد أدنى من المخاطرة بالكشف عن روابطها الإيرانية من قِبل الشركات أو المؤسسات المالية.
- حتى لو جرى تنفيذ اتفاقية للوكلاء وتمكّنت السلطات من إثبات انتهاك إيران لحظر نقل المعدات والتقنيات العسكرية، سيظل إثبات ما إذا كانت هذه المواد قد زُوِّدت قبل الاتفاقية أم بعدها أمراً عسيراً.
خلاصة القول واضحة: في البيئة الراهنة، لن تجد إيران عسراً يُذكر في التحايل على العقوبات وجهود الإنفاذ، لتواصل تسليح وكلائها في أنحاء العالم وتمويلهم وتدريبهم.
نحو رقابة وتحقق فعّالين
لإعطاء اتفاقية الوكلاء أي فرصة للنجاح، يتعيّن على الولايات المتحدة وشركائها اتخاذ خطوات عدة:
رفع الموارد الأمريكية المخصصة لهذا الملف رفعاً ملحوظاً، لا سيما على الصعيدين الاستخباراتي وإنفاذ القانون والدبلوماسي. عانت وزارة الخارجية من تقليصات حادة خلال العام الماضي، ولهذا ستحتاج إلى زيادة الكوادر البشرية لقيادة حملة دبلوماسية تسعى إلى تعبئة المجتمع الدولي خلف جهود الإنفاذ. وعلى المنوال ذاته، يتعيّن أن تُصبح جهود مكافحة الوكلاء أولوية قصوى لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووزارة الأمن الداخلي والمجتمع الاستخباراتي الأشمل. كما ستحتاج إدارة ترامب إلى ضخّ موارد إضافية لمكتب الاستخبارات المالية ومكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخزانة، وتمكينه من فرض عقوبات جديدة على الكيانات المتورطة في أي انتهاكات وتتبّع مساعي التحايل على العقوبات والتصدّي لها. ويبقى هذا المكتب صغير الحجم نسبياً في الوقت الراهن، مثقلاً بالمسؤولية عن برامج عقوبات متعددة (ضد روسيا وفنزويلا ومجرمي الفضاء الإلكتروني مثلاً)، مما يعني أن تكليفه بمهام إضافية دون توفير موارد كافية قد يُرهقه.
تعميق التعاون مع القطاع الخاص تعميقاً كبيراً. يشمل ذلك تعاوناً مكثّفاً مع الشركات المتخصصة في تتبّع العملات المشفرة. وقد أنجزت هذه الشركات حتى الآن أعمالاً لافتة في رصد استخدام الحرس الثوري الإسلامي والوكلاء للعملات الرقمية، وبإمكان واشنطن الإسهام في توسيع هذه الجهود من خلال التمويل الحكومي. وينبغي أيضاً للسلطات الأمريكية تكثيف تبادل المعلومات مع المؤسسات المالية، كرفع السرية عن استخباراتها لمساعدتها على استيعاب آليات عمل طهران، وتحديد الجهات الفاعلة السيئة المرتبطة بالنظام ورصد أنشطتها.
العمل على استحصال قدر أكبر من التعاون من الدول التي يكون نشاط إيران ووكلائها فيها الأكثر كثافة. تبرز في هذا الإطار دول بعينها باعتبارها محورية: الصين والعراق ولبنان وعُمان وقطر وسوريا وتركيا والإمارات العربية المتحدة واليمن. فالوكلاء الإيرانيون ناشطون في كل هذه المواقع، وحكوماتها أخفقت إلى حدٍّ بعيد في التصدّي لهذا التهديد. وعلى واشنطن أن تحثّها على بذل المزيد، طوعاً أو تحت وطأة ضغوط متصاعدة.
استقطاب دعم متعدد الأطراف ذي قدر حاسم. سيكون قرار من مجلس الأمن الدولي يُقرّ التزام إيران بالاتفاقية ويحظر أي دعم مستقبلي للوكلاء أمراً لا غنى عنه. وحتى لو أحجم الأمم المتحدة عن تصنيف هؤلاء الوكلاء إرهابيين، يمكنه مع ذلك تعزيز الاتفاقية بحظر إيران من تقديم أي مساعدة مادية لهم. وسيمنح ذلك الدول الأعضاء مسوّغاً إضافياً (وغطاءً سياسياً) للتحقيق في أنشطة النظام خارج حدوده والتضييق عليها. فعلى سبيل المثال، يمكن تكثيف منظومات التفتيش والاحتجاز المتعلقة بالشحنات البحرية الإيرانية وعمليات نقل البضائع عبر الحدود. كما يمكن توظيف حظر السفر لتسليط الضوء على أنشطة عناصر الحرس الثوري الإسلامي ومدرّبيه البارزين. علاوةً على ذلك، يمكن إنشاء لجنة خبراء مهمتها رصد الامتثال الإيراني للقرار الأممي وإعداد تقارير علنية بشأنه. وبإمكان واشنطن الضغط على مجموعة العمل المالي (FATF) لإدراج الدول التي تواصل السماح لإيران ووكلائها باستغلال أراضيها في القائمة السوداء أو "القائمة الرمادية". وقد أُزيلت دولتان -تركيا والإمارات- من القائمة الرمادية عام 2024، لكن المشكلات لا تزال قائمة، مما يجعل إدارة ترامب مدعوّةً للضغط عليهما لتحسين أدائهما أو المجازفة بإعادة إدراجهما. وكرافعة ضغط إضافية، يمكن لوزارة الخزانة فرض عقوبات على أي دول أو مؤسسات مالية تواصل العمل بوصفها ملاجئ للأنشطة الإيرانية غير المشروعة.
تقديم المساعدة الفنية للدول الراغبة في التعاون والتي تفتقر إلى القدرة على اكتشاف النشاط المالي والتوريدي واللوجستي الإيراني وتفكيكه. قد يشمل ذلك التدريب والإرشاد وتوفير المعدات لجهات من قبيل خفر السواحل اليمني، والجهات التنظيمية المالية في العراق، وقوات حرس الحدود في جيبوتي ولبنان وعُمان وسوريا.
مواصلة بناء تحالفات دولية واسعة في مواجهة الإرهاب المرتبط بإيران. ينبغي على الولايات المتحدة توظيف مجموعة تنسيق إنفاذ القانون (LECG) ومنتدى مكافحة الإرهاب العابر للحدود (CTTF) -باعتبارهما المنصتين العالميتين الوحيدتين المُنشأتين للتعامل مع الإرهاب الإيراني تحديداً- منصتَين رئيسيتين لتثقيف الحكومات الأخرى وتعزيز التعاون الدولي في هذه الملفات.
خاتمة
على الرغم من أن مآلات حرب إيران لا تزال غير محسومة، يُرجَّح أن يحتفظ الحرس الثوري الإسلامي المتشدد بنفوذ واسع على الحكومة، مما يجعل دعم الوكلاء على الأرجح أولوية راسخة للنظام في المدى المنظور. وعلى ذلك، ينبغي لمسؤولي الولايات المتحدة، في خضم استمرار المفاوضات، أن يُولوا عنايةً فائقة لما قد تنطوي عليه "اتفاقية الوكلاء"، وما الخطوات التي يمكن لواشنطن اتخاذها لإنجاح تنفيذ هذا الاتفاق، وربما الأهم من ذلك كله: ما الذي ستقدم عليه الولايات المتحدة وشركاؤها إن قرّرت طهران انتهاك أيٍّ من الشروط التي يتم التوصل إليها.