- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4211
لكي ينتفض الإيرانيون، ثمة حاجة ماسة إلى توفير مسار واضح أمام المنشقين عن النظام
لم تقدم الولايات المتحدة ولا إسرائيل الحوافز الملموسة الكفيلة بدفع المنتمين إلى أجهزة الأمن والمؤسسة السياسية والدينية نحو الانشقاق — وهو شرط مسبق لا غنى عنه لأي تغيير حقيقي في النظام.
مع تمادي الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في أمدها، خرج مؤيدو النظام في طهران وسائر المدن هاتفين بـ"حيدر! حيدر!" في موجة إظهار للقوة والتحدي. واللقب الذي يعني "الأسد" كان قد أُسبغ على علي، أول أئمة الشيعة، تكريماً لشجاعته في معركة خيبر في القرن السابع الميلادي. وجاءت هذه التجمعات — التي امتدت في أحيان كثيرة حتى ما بعد منتصف الليل وتخللتها أعلام الجمهورية الإسلامية وأسلحة كثيرة — أداةً للترهيب قبل أن تكون تعبيراً عن الانتماء الوطني، هدفها إبقاء الإيرانيين المناهضين للنظام في بيوتهم وسط مخاوف متصاعدة من أن يسعوا إلى الإطاحة به. وعزّز هذه الأجواءَ انتشارٌ أمني مكثف تمثّل في نقاط تفتيش ومدافع رشاشة مثبّتة على سطح الشاحنات.
في اليوم الأول من الحرب، أطّر كلٌّ من الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العملياتِ العسكرية بوصفها حملةً للقضاء على التهديدات الإيرانية، غير أنهما تطرّقا أيضاً إلى تغيير النظام ودعوا الشعب الإيراني إلى الانتفاضة. ولا شك أن غالبية الإيرانيين يتوقون إلى زوال الجمهورية الإسلامية، على ما تُجسّده موجات الاحتجاجات الحاشدة المناهضة للنظام على مرّ السنين، وآخرها في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير، حين أسقط النظام عشرات الآلاف من المتظاهرين.
واللافت أن رسالة ترامب الصادرة في الثامن والعشرين من شباط/فبراير تضمّنت الإشارة إلى إمكانية منح العفو لأفراد الحرس الثوري الإيراني وسائر القوات المسلحة والشرطة إذا ألقوا أسلحتهم، مع التعهد بـ"معاملتهم بإنصاف وتمتيعهم بحصانة تامة"، في حين ستواجه العناصر الرافضة "الموت المحتوم". غير أن واشنطن لم تفصح عن تفاصيل مسار الانشقاق، ولم تُعلن الولايات المتحدة ولا إسرائيل عن مكافآت مالية أو ملاذات آمنة للمنشقين. بل إن تصريحاتهما وإجراءاتهما حوّلت الحرب إلى معركة وجودية بالنسبة للنظام وكثير من أتباعه. وعلى الرغم من أن العمليات العسكرية للحلفاء أودت بالمرشد علي خامنئي وأضعفت القيادة الأمنية والعسكرية العليا إضعافاً بالغاً، فإنها لم تُفضِ حتى الآن إلى انشقاقات بارزة في صفوف المرجعية الدينية، وهي على الأرجح شرط لا مناص منه لنجاح أي احتجاجات مناهضة للنظام.
الانشقاقات: تاريخ ومعطيات راهنة
لم تكن الجمهورية الإسلامية بمنأى عن ظاهرة الانشقاق؛ ففي مطلع الألفية الثالثة سعت وكالة المخابرات المركزية إلى تجنيد علماء نوويين إيرانيين في إطار ما بات يُعرف بـ"مشروع استنزاف الكفاءات"، إذ أقنعت عدداً منهم بالانشقاق وتزويد الولايات المتحدة بمعلومات كافية لبناء نسخ مطابقة للمنشآت النووية الإيرانية. وفي عام 2021، وُجّهت اتهامات لإيراني واثنين من الكنديين بالتخطيط لاغتيال منشق إيراني وزوجته في ولاية ماريلاند.
أما في الأزمة الراهنة، فلم تُسجَّل سوى خمسة انشقاقات رفيعة المستوى: دبلوماسيان إيرانيان انشقّا في كانون الثاني/يناير في أعقاب مجزرة المتظاهرين، هما القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية في النمسا، ومسؤول رفيع في البعثة الدائمة لإيران لدى الأمم المتحدة في جنيف، إضافة إلى مسؤول في وزارة الداخلية ودبلوماسيَّين آخرَين انشقّا خلال الحرب.
وفي الحادي والثلاثين من آذار/مارس، أفاد وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن الضربات "تُضعف معنويات الجيش الإيراني، وتُفضي إلى موجة واسعة من التهرب من الخدمة وشُح في الكوادر البشرية الأساسية وإحباط في أوساط القيادات العليا". وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت قد أدلى في وقت سابق من الشهر ذاته بتصريحات مماثلة، مشيراً إلى تجميد الحسابات المصرفية للقيادة الإيرانية واستعداد واشنطن للنظر فيمن يتقدم للانشقاق. وأكد الرئيس ترامب من جهته وجود "انشقاقات عسكرية كثيرة".
غير أن التحقق المستقل من هذه التصريحات يظل أمراً عسيراً، لا سيما في ظل انقطاع الإنترنت عن إيران منذ بدء الحرب. ويبدو أنها تُشير في حقيقتها إلى منشقين من الرتب الدنيا يصحّ وصفهم بأنهم أفراد من الأجهزة الأمنية والعسكرية يتهربون من واجباتهم أو يفرّون من صفوف الخدمة. فقد هجر بعض الضباط ثكناتهم، وتفرّق آخرون من وحدات الصواريخ وميليشيا الباسيج في طهران. وفي حالات أخرى أسهم تقاعس القادة في هذه الانسحابات، فيما تسبّب تأخر صرف الرواتب في تعطيل عمليات الانتشار، وثمة روايات تشير إلى أن بعض عناصر الأجهزة الأمنية غادروا لمجرد البقاء مع ذويهم. والأكثر دلالةً ورود تقارير عن توظيف أطفال جنود عند نقاط التفتيش وفي دوريات المراقبة، مما يوحي بأن بعض البالغين أحجموا عن أداء مهامهم. بيد أن هذه الانشقاقات، على دلالتها، لم تبلغ حدّاً كافياً لتغيير مجريات الحرب.
جدار الصمود الأيديولوجي
يُعدّ الانشقاق أمراً عسيراً القياس — لا سيما ما لم يتجسّد علناً في صورة لجوء إلى الغرب — وقد يتخذ أشكالاً متعددة. والانشقاقات الجماعية القائمة على العصيان الصريح تبقى أقل احتمالاً في ظل الهيمنة الأمنية الخانقة للجمهورية الإسلامية والعواقب الوخيمة التي تترتب على الخيانة. وتُشير كثير من التقديرات الاستخباراتية إلى أن الجمهورية الإسلامية ستنجو من هذه الحرب، مما يُضعف دوافع الانشقاق، وإن ظلّ العصيان الهادئ وارداً. ويرى بعض المحللين أن اندلاع الاحتجاجات من جديد في أعقاب توقف العمليات العسكرية قد يُقوّض النظام مجدداً، على غرار ما جرى في العراق بعد هزيمته في حرب الخليج عام 1991، علماً بأن نظام بغداد آنذاك رغم إضعافه أجهز على المحتجين بوحشية دون أن يعترضه أحد. ومع ذلك يبدو أن المسؤولين الإيرانيين يساورهم القلق من سيناريو احتجاجات مماثلة.
والمؤشر الحقيقي على تآكل الجمهورية الإسلامية سيتمثل في انشقاق قمة النخبة السياسية، وهو ما لم يتحقق بعد بفعل الالتزام الأيديولوجي والولاء العميق الراسخ. وعلى خلاف نظام الشاه ذي الطابع الشخصي الذي انهار بسرعة لحظة مغادرته البلاد، تتمتع الجمهورية الإسلامية بمؤسسية متينة وقد "أكلت كثيراً من أبنائها" على مدى عقود وهي تُرسّخ قبضتها على السلطة. وقد تطور هيكلها البنيوي منذ عام 1979، في جزء منه بفعل التمدد المتصاعد لنفوذ الحرس الثوري الذي حوّل إيران إلى دولة أمنية مركزية. وبفضل حرب حزيران/يونيو 2025، باتت لهذه الدولة الأمنية أربع طبقات من الضباط الفاعلين والمتقاعدين القادرين على ملء الفراغ ومقاومة ضربات الرأس.
وقد استخلص النظام الدروس من سقوط الشاه وبات يتوقع الضغوط الداخلية والخارجية، بما فيها الاحتجاجات الجماهيرية والحروب. علاوة على ذلك، يفتقر كثير من قمة المرجعية الدينية — خلافاً لمقربي الشاه — إلى مسالك هروب فعلية، مما يدفعهم إلى مزيد من التشدد، كما جلّى ذلك الردُّ الدموي على انتفاضة كانون الثاني/يناير.
الدروس المستخلصة من التاريخ
وإن كان التعامل مع الجمهورية الإسلامية كان دائماً تحدياً شائكاً، فإن واشنطن لم تُفكّر كثيراً في كيفية اختراقها — وهو إخفاق بات واضحاً من النهج الارتجالي في تحديد أهداف هذه الحرب. بيد أن المقارنات التاريخية قد تُقدّم بعض التوجيه؛ فحين تندلع الاحتجاجات في بلد يحكمه نظام استبدادي، يملك أفراد المؤسسة العسكرية خيارات: تدبير انقلاب، أو الانشقاق إلى الخارج، أو رفض تنفيذ الأوامر، أو الإبقاء على الولاء للنظام.
في مصر، اركبت القوات المسلحة موجة الشعب بعد إطاحة نظام مبارك عام 2011 وأمسكت بزمام السلطة عبر مجلس عسكري مؤقت، لتشارك بعدها في عام 2013 في انقلاب شعبي أطاح بالرئيس محمد مرسي.
وفي الحرب الأهلية السورية، جاءت الانشقاقات في وقت مبكر وانضمّ بعض المنشقين إلى الجيش السوري الحر، غير أن ذلك لم يكن كافياً لإسقاط نظام الأسد المدعوم من إيران وروسيا وحزب الله. واستلزم الأمر أكثر من عشر سنوات من القتال، مقرونةً بعقوبات دولية مشددة وهجوم بري واسع نفّذته هيئة تحرير الشام، لإسقاط النظام في نهاية المطاف.
أما في حرب العراق عام 2003، فلم تُسجَّل انشقاقات رفيعة المستوى، إذ آثر كثير من المسؤولين البقاء على الولاء أو الاختباء. وقد أفضت سياسة اجتثاث البعث التي اتبعها الحلفاء بعد سقوط نظام صدام إلى دفع ضباط الجيش نحو الالتحاق بالحركات المسلحة ومواصلة القتال، وهو ما يُفسّر الرفض المتزايد لتطبيق مقاربة مماثلة في إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية. ويرى بعض المحللين أن الجيش النظامي الإيراني "الأرتش" قد يكون أكثر استعداداً للانحياز إلى الشعب — وهو ما يُشير إليه بعض المراقبين — وإن كان ذلك لم يتحقق بعد.
ما الخطوة التالية؟
خلاصة القول، إن اجتذاب الانشقاقات من نظام أيديولوجي متصلّب يجد نفسه في مواجهة مصيرية يستلزم أكثر بكثير من التفكير بالتمني. فعلى الرغم من وعد ترامب بالمعاملة العادلة لعناصر الأمن الراغبين في الانشقاق، فإنه لم يُوضّح ما الذي يجعل انشقاق المرجعية الدينية خياراً أجدى لها، وهو ما يُرسل إشارة سلبية مثبِّطة.
فوق ذلك، لم يُبذل جهد يُذكر لترسيخ هذه الرسالة وتضخيمها، ولا سيما عبر قنوات الفضائيات التي يتابعها الإيرانيون في المهجر بشغف. ولم تُعلن الولايات المتحدة ولا إسرائيل عن حوافز ملموسة للانشقاق كالمكافآت المالية أو الضمانات الدولية بعدم محاكمة كبار المسؤولين.
والانشقاق من نظام استبدادي يتيسّر — على ما يُرجَّح — حين تُتاح ممرات آمنة إلى بلد بعينه، وهو ما لم تُقدّمه واشنطن حتى الآن. وقد دعت وكالة المخابرات المركزية الإيرانيين إلى التواصل معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي للعمل مخبرين، إلا أن انقطاع الإنترنت المفروض من الدولة يجعل هذا الخيار عديم الجدوى. في الأثناء، راح ولي العهد السابق رضا بهلوي — الذي طرح نفسه قائداً في مرحلة انتقالية — يُعلن رمز الاستجابة السريعة على موقع قناة إيران إنترناشيونال ليفتح أمام الإيرانيين نافذة للتسجيل كمنشقين محتملين. وفي كانون الثاني/يناير، أفاد بأن أكثر من مئة ألف شخص من الأجهزة الأمنية والوزارات الحكومية سجّلوا أسماءهم كمنشقين، بيد أن أحداً من المسؤولين الأمريكيين أو غيرهم — على حدّ علم الكاتبة — لم يتطوع للتحقق من هوياتهم وإخضاعهم لآليات الفرز.
في المحصلة، مادامت الجمهورية الإسلامية تتمسك بالسلطة بهذه المتانة في هذه المرحلة، فإن استنهاض الانشقاقات في صفوف القيادات العليا سيظل أمراً عسيراً ما لم تُوفَّر للمنشقين مسارات فعلية للوصول إلى بلد آخر. وتبقى مسألة الانشقاقات مُغفَلةً إلى حدٍّ بعيد في النقاش حول السياسة الخارجية تجاه إيران، في حين أنها تقع في صميم أي استراتيجية رامية إلى إضعاف المؤسسة الدينية. وفي غياب هذه الإجراءات، قد يجد الشعب الإيراني نفسه أمام نظام خُفِّف من قوته لكنه بات أشد تطرفاً وقمعاً وأكثر تعطشاً للانتقام — وهو مستقبل لم يوافق عليه الإيرانيون حين نزلوا إلى الشوارع قبل أشهر قليلة، كما تشير إلى ذلك تقارير متعددة.