- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4206
لبنان بعد انتهاء ولاية اليونيفيل: وداعاً، وليس "فراغاً "
سواء وافقت الأمم المتحدة وأوروبا على الانضمام إلى آلية محدودة تقودها الولايات المتحدة، أم أصرتا على إرسال بعثات مستقلة خاصة بهما، فإن على واشنطن والقدس احتواء أي تدخل خارجي والتنسيق معه بشكل وثيق، وذلك لحماية الهدف الأساسي المتمثل في نزع سلاح "حزب الله".
مع انتهاء الولاية النهائية لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في نهاية هذا العام، لا تزال إسرائيل و"حزب الله" منخرطين في القتال، ولا تزال الميليشيا تهدد الحكومة اللبنانية، في وقت تجري فيه مفاوضات دبلوماسية غير مسبوقة بين القدس وبيروت. لن يُفضي الانسحاب النهائي لقوة اليونيفيل إلى خلق "الفراغ الأمني" الذي يخشاه بعضهم - إذ ظلت فعالية القوة موضع شك على مدى عقود، فيما باتت آلية متعددة الأطراف محدودة النطاق أكثَر كفاءة قائمة بالفعل. ومع ذلك، توفر الظروف الحالية فرصة مهمة لتنسيق الجهود الدولية بشأن التحدي الأمني الأكبر الذي يواجه البلاد والعقبة الرئيسية أمام السلام بين إسرائيل ولبنان، وهو أسلحة "حزب الله".
نهاية مهمة اليونيفيل
في آب/أغسطس الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2790 الذي يمدد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة. وبمجرد انقضاء تاريخ انتهاء الولاية في كانون الأول/ديسمبر 2026، يتعين على القوة تقليص قوامها والمغادرة في غضون عام. وفي الوقت نفسه، منح القرار الأمين العام للأمم المتحدة مهلة حتى 1 حزيران/يونيو من هذا العام لاستكشاف مختلف الاحتمالات لتنفيذ القرار 1701 (2006) الحالي بعد انسحاب القوة، بما في ذلك تقديم الأمم المتحدة الدعم في الشؤون الأمنية، ومراقبة الخط الأزرق على طول الحدود الإسرائيلية -اللبنانية، ونشر القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني. وقد بدأ المسؤولون في مقر الأمم المتحدة في رسم خريطة لهذه الخيارات، كما فعلت الدول الأوروبية التي تسعى إلى إبقاء وحداتها العسكرية في لبنان بعد رحيل اليونيفيل.
لكن في آذار/مارس، استأنف "حزب الله" هجماته واسعة النطاق ضد إسرائيل في بداية الحرب الإيرانية، مما أدى إلى تطورين رئيسيين من شأنهما التأثير على صنع القرار الدولي بشأن لبنان. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت قوات الدفاع الإسرائيلية فرض سيطرتها الأمنية حتى نهر الليطاني وأنشأت منطقة أمنية تمتد عشرة كيلومترات إلى ما وراء الخط الأزرق. وفي 14 نيسان/أبريل، افتتح وزير الخارجية ماركو روبيو محادثات في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل، مما أدى إلى اتفاق وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام (تم تمديده منذ ذلك الحين) إلى جانب إطلاق جهود مشتركة لتعزيز ظروف السلام. لكن على الأرض، يستمر القتال بين "حزب الله" وإسرائيل في التصعيد.
ما هي مهام اليونيفيل التي يجب أن تستمر؟
كلف القرار رقم (1701) اليونيفيل بمراقبة وقف إطلاق النار لعام 2006، والتنسيق مع الطرفين، والمساعدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية، ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية على الانتشار في الجنوب من أجل إنشاء منطقة خالية من أسلحة الميليشيات. في الأشهر التي تلت قرار المسؤولين إنهاء ولاية القوة، أثيرت مخاوف بشأن حدوث "فراغ أمني" محتمل عقب رحيلها. ومع ذلك، فإن الوجود المفرط لليونيفيل لم يترجم أبداً إلى فعالية على الأرض، لذا فإن انسحابها لن يؤدي إلى خسارة تذكر، إن حدثت خسارة أصلا.
لقد تم بالفعل استبدال الدور الأهم لليونيفيل، وهو تسهيل الاتصال والتنسيق الفعالين بين الأطراف، من خلال "الآلية" التي تقودها الولايات المتحدة والتي أنشئت بموجب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. والسؤال هو: ما هي أفضل طريقة لتحقيق الهدف الحاسم المتمثل في دعم القوات المسلحة اللبنانية في إقامة احتكار وطني للأسلحة، وهو أمر لم تساعد "اليونيفيل" فيه بشكل جوهري على الإطلاق على الرغم من قرارات الأمم المتحدة التي أناطت بها هذه المهمة تحديداً.
هياكل بديلة، تفضيلات متنافسة
بعد انسحاب اليونيفيل، تركز الحكومة اللبنانية على مواصلة الحصول على دعم أجنبي - يفضل أن يكون من الأمم المتحدة - للمساعدة في ضمان تمتعها بالموارد والشرعية، وبالتالي تقاسم عبء المسؤولية عن السياسات التي تتردد في تنفيذها. وبالمثل، تهتم الأمم المتحدة بالحفاظ على نفوذها ووجودها في لبنان، شأنها شأن فرنسا وإيطاليا وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
من جانبها، تفضل إسرائيل تقليص الوجود العسكري الدولي في لبنان إلى أدنى حد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الوحدات الأجنبية تقيد حرية تحركها في مواجهة التهديدات الأمنية هناك. كما تعارض القدس بشكل خاص وجود الأمم المتحدة، حيث أظهرت المنظمة في نظرها عداءً وتحيزاً منهجياً تجاه إسرائيل. وتفضل القدس التنسيق المباشر مع القوات المسلحة اللبنانية برعاية الولايات المتحدة بدلاً من الاتصال غير المباشر الذي ترعاه الأمم المتحدة أو جهات أخرى. وتتفق واشنطن مع هذا النهج، كما يتضح من شروط وقف إطلاق النار لعام 2024 التي ساعدت في التوسط بشأنها، ودفعها نحو إنهاء مهمة اليونيفيل. ولن يسهم الوضع الحالي المتوتر للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية مع الأمم المتحدة والجهات الأوروبية ذات الصلة في تسهيل التوصل إلى اتفاق بشأن استمرار دورها في لبنان، ناهيك عن توسيعه.
وفي الوقت نفسه، يعارض "حزب الله" وجود القوات الأجنبية في لبنان، ولكن فقط إذا كانت فعالة في أداء مهمتها. وعندما تكون هذه القوات غير فعالة مثل اليونيفيل، فإن الجماعة تستفيد فعلياً من وجودها، كدرع بشري ضد أي تحرك إسرائيلي فعال وكمصدر لمزايا اقتصادية. وكان الهجوم الأخير الذي شنه "حزب الله" على دورية تابعة لليونيفيل، والذي أسفر عن مقتل جنديين فرنسيين من قوات حفظ السلام، تذكيراً مأساوياً بكيفية استغلاله لهذه الانتشارات على مدى عقود كوسيلة ضغط على سياسات الدول المساهمة والأمم المتحدة.
وبينما يحدد هؤلاء الفاعلون الخطوة المقبلة، ينبغي عليهم التركيز على حقيقة أن كل واحد منهم، باستثناء "حزب الله" يشترك في هدف مركزي واحد يتمثل في تمكين القوات المسلحة اللبنانية حتى تتمكن من إرساء سيادة الدولة واحتكار السلاح. ويتفق معظمهم أيضاً على ضرورة نزع سلاح "حزب الله"؛ لكنهم يختلفون بشكل أساسي حول جدوى هذه المهمة وكيفية تنفيذها. وفي هذا السياق، أصدرت الحكومة اللبنانية تصريحات جريئة بشأن هذه القضية، لكن تنفيذها كان محدوداً حتى الآن. ومن الآن فصاعداً، يجب على المسؤولين إيجاد طريقة لتنسيق - أو على الأقل تجنب التضارب بين - المسارات التالية:
الأمم المتحدة. من المتوقع أن تسعى الأمم المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها السياسي المحلي من خلال مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان (UNSCOL). كما ستسعى إلى مواصلة عملياتها هناك عبر مجموعة المراقبين في لبنان (OGL) التابعة لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO)، التي تعمل حالياً تحت إشراف اليونيفيل. ومع ذلك، فإن تفويض هؤلاء المراقبين أو وحدات الأمم المتحدة الأخرى للعمل في لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل سيتطلب تفويضاً جديداً من مجلس الأمن، وهو ما يعتمد على موافقة الولايات المتحدة.
أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). يناقش الاتحاد الأوروبي وبعض دوله الأعضاء إرسال بعثات خاصة بهم بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. وستتطلب أي بعثة من هذا القبيل دعوة رسمية من الحكومة اللبنانية؛ كما سيكون التنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة أمراً حيوياً أيضاً. ومن غير المرجح تقديم مقترحات لاستبدال اليونيفيل بقوة تابعة لحلف الناتو، حيث إن التركيز الحالي للحلف - وهو التهديد الروسي لأوروبا - يستنزف قدراته بالفعل.
الآلية التي تديرها الولايات المتحدة. تقود الولايات المتحدة آلية تنفيذ وقف إطلاق النار الجارية التي أُنشئت في عام 2024، بدعم من فرنسا، وتضم لبنان وإسرائيل وقوة اليونيفيل. عملياً، أدت هذه الآلية إلى تهميش قوة اليونيفيل فعلياً من خلال إنشاء منصة مفضلة للاتصال والتنسيق وتبادل المعلومات بين جيش الدفاع الإسرائيلي والقوات المسلحة اللبنانية، وذلك بهدف تجنب تضارب عملياتهما وتعزيز نزع السلاح في جنوب لبنان. غير أن الموجة الأخيرة من هجمات "حزب الله" والمعطيات التي توصل إليها جيش الدفاع الإسرائيلي كشفت عن ثغرات في جهود نزع السلاح. ويرجع ذلك جزئياً إلى القصور في قدرات الجيش اللبناني وتهربه من تنفيذ الأوامر الحكومية القاضية بنزع سلاح "حزب الله"، فضلاً عن الثغرات في آليات الرصد والتوثيق المعتمدة في هذا الإطار.
التوصيات
ينبغي تقييم الخيارات المتاحة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل بناءً على مساهماتها المحتملة في الأمن الإسرائيلي-اللبناني والسلام المرتقب، إذ إن مفتاح النجاح هو إرساء سيادة لبنانية حقيقية على كامل أراضيه. والعقبة الرئيسية هي أسلحة "حزب الله"، وهي مشكلة يفاقمها تدخل رعاة الحزب في إيران، الذين حرضوه مراراً على استخدام هذه الأسلحة ضد إسرائيل.
في نهاية المطاف، تقع مهمة تحقيق نزع السلاح على عاتق بيروت. وعلى الرغم من أن الحكومة وقواتها المسلحة تعاني بشكل مزمن من محدودية القدرات والإمكانيات والإرادة السياسية، فإن المساعدة الأجنبية يمكن أن تساعد في معالجة هذه القيود من خلال تدريب وحدات القوات المسلحة اللبنانية ذات الصلة على التعامل مع مهام نزع السلاح ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود والاتجار بالأسلحة. وبالتوازي مع ذلك، يجب استخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية لإحداث تغيير في السلوك. ومع ذلك، يجب أن يكون الأثر العملياتي لهذا الدعم الأجنبي ضئيلاً - ليس فقط من أجل تمكين القوات المسلحة اللبنانية، بل أيضاً لحرمان "حزب الله" من الغطاء والنفوذ مع تعظيم حرية العمل ضده.
نظراً لأن الآلية التي تقودها الولايات المتحدة تقوم بالفعل بالتنسيق وتفادي التضارب بين إسرائيل ولبنان، فهي ما زالت في وضع جيد لدمج وتنسيق أي أطراف إضافية ستشارك في لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، بما في ذلك الأمم المتحدة والجهات الأوروبية أو الإقليمية. وينبغي دعوة الدول والمنظمات المانحة للمشاركة في تدريب القوات المسلحة اللبنانية والمساعدة في مهام محددة تتعلق بالهندسة ونزع السلاح واللوجستيات والمساعدات الإنسانية والعمليات الجوية، وبعثات المراقبة إذا لزم الأمر. وعلى المدى القريب، يمكن للأطراف التركيز على مشروع تجريبي مفيد مثل تدريب وتجهيز وحدة نخبة من القوات المسلحة اللبنانية مخصصة للمهام المرتبطة بنزع السلاح.
ونظراً للتوترات الأخيرة مع إدارة ترامب، قد يصر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على متابعة مهام عسكرية منفصلة في لبنان على الرغم من المخاوف المذكورة أعلاه. وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن يُطلب منهما الحصول على موافقة بيروت والتنسيق مع واشنطن والقدس لضمان التآزر وتجنب التضارب. ويمكن للولايات المتحدة أيضاً استخدام حق النقض (الفيتو) لتشكيل نشاط الأمم المتحدة المستقبلي في لبنان؛ وسيتعين إشراك الأطراف الأخرى في حوار أكثر حساسية لمعالجة مخاوفها.
على المدى الطويل، يمكن أن تكون الآلية التي تقودها الولايات المتحدة بمثابة نموذج جيد لهيكل مستقبلي. على سبيل المثال، مع تقدم المفاوضات الدبلوماسية نحو السلام، قد تستلهم الأطراف نموذج القوة والمراقبين المتعددي الجنسيات في شبه جزيرة سيناء، وهي كيان دعم بقوة معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل منذ عام 1982. ومن ثم، فإن مفاتيح نجاح القوة والمراقبين المتعددي الجنسيات واضحة:
- القيادة الأمريكية.
- التزام القوة تجاه أصحاب المصلحة الرئيسيين فحسب (في هذه الحالة مصر وإسرائيل والولايات المتحدة)، ودعم أصحاب المصلحة القوي لها.
- التنسيق الفعال والثقة بين الأطراف.
- المشاركة المتعددة الجنسيات في المهام المتفق عليها.
- غياب التسييس والبيروقراطية المرتبطة بالأمم المتحدة.
يمكن تطبيق هذه المبادئ في لبنان بالفعل، حتى لو كانت شروط التنفيذ الكامل بعيدة المنال.
وحتى ذلك الحين، وبالتوازي مع إنشاء هيكل بقيادة الولايات المتحدة، ينبغي لإسرائيل أن تعمل على إصلاح علاقاتها مع أوروبا وتعزيز الاتصالات بشأن قضية لبنان مع الأطراف الفاعلة الرئيسية مثل ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا. وعلى الرغم من أن التقارب الكامل قد يتطلب سنوات من العمل وتغيير الحكومة في إسرائيل، فإن احتمال عمل قوات أوروبية في لبنان يعني أن على القدس الحفاظ على حوار جيد مع الدول المانحة بشأن القضايا السياسية والعسكرية والاستخباراتية ذات الصلة.
وأخيراً، إلى أن تغادر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، يجب على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يحسن سلوكه تجاه موظفي الأمم المتحدة بشكل جذري. ففي العام الماضي، تورطت القوات الإسرائيلية في عشرات الحوادث الخطيرة، بما في ذلك وقوع إصابات بين قوات حفظ السلام. وقد برر جيش الدفاع الإسرائيلي معظمها على أنها أخطاء، لكنها لا تزال تعكس مشاكل انضباطية ومهنية - ناهيك عن قصر النظر الاستراتيجي الذي لن يؤدي إلا إلى تعميق الضرر الذي يلحق بمكانة إسرائيل الدولية في العالم.