- تحليل السياسات
- صفحات رأي ومقالات
كيف يمكن للتهديد الحوثي المحدق أن يغير مسار الحرب مع إيران
Also published in لوس أنجلوس تايمز
ظلت الجماعة اليمنية على الهامش إلى حد كبير حتى الآن، لكن ينبغي لواشنطن ألا تخلط بين ضبط النفس والسلبية.
في الوقت الذي تدرس فيه إدارة ترامب إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية مع إيران، فإنه من الضروري أن تولي اهتماماً وثيقاً للحوثيين. وقد برزت أهمية ذلك بوضوح يوم الاثنين، إذ رداً على التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان واستئناف تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه إسرائيل وهددوا باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
وحتى الآن، ظل الحوثيون في اليمن بعيدين إلى حد كبير عن الحرب، مكتفين بإطلاق عدد محدود من الهجمات الرمزية على إسرائيل. كما احتفظوا بأبرز أوراق قوتهم، والمتمثلة في القدرة على تعطيل حركة الشحن التجاري بسرعة عبر مضيق باب المندب، وهو ممر بحري ضيق يفصل بين اليمن والقرن الأفريقي ويعبر من خلاله ما يزيد على 10% من التجارة البحرية العالمية.
يجب ألا تخلط واشنطن بين ضبط النفس والسلبية. إذا استؤنف القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بقوة، فقد يدخل الحوثيون سريعاً في المعركة لمساعدة شركائهم الإيرانيين - وهو ما من شأنه أن يفاقم بشكل كبير التداعيات الاقتصادية للحرب وقد يزيد الضغط على الرئيس ترامب للتفاوض من أجل السلام. وتعد تهديداتهم باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل خطوة مهمة في هذا المسار. كما سيدرس الحوثيون عن كثب أي صفقة محتملة تستخلصها طهران من سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، وقد يسعون إلى تكرارها في باب المندب.
في بعض النواحي، يثير ضبط النفس الذي يبديه الحوثيون الحيرة، وهو ما يذكّر بقصة شيرلوك هولمز عن "الكلب الذي لم ينبح". ففي النهاية، لا يزال الحوثيون، أقوى شريك إقليمي لإيران، صامدين بعد الضربات المدمرة التي وجهتها إسرائيل إلى "حزب الله" و"حماس". وباعتبارهم جزءاً مما يصفونه بـ"محور المقاومة" الإيراني، فإن للحوثيين مصلحة راسخة في بقاء إيران و"حزب الله"، فضلاً عن سجل طويل من التنسيق مع طهران ووكلائها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وخلال حرب غزة، شن الحوثيون أكثر من 250 هجوماً على السفن العابرة للبحر الأحمر، زاعمين أنهم يتحركون دفاعاً عن الفلسطينيين. كما سعوا، وإن كان ذلك بنجاح محدود، إلى فرض شكل من أشكال السيطرة الإدارية على الممر الملاحي، ووفقاً لبعض التقارير، إلى جباية رسوم من السفن العابرة. وعلى الرغم من الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تعرضوا لها خلال عامي 2024 و2025، فإن البنية القيادية للجماعة ظلت إلى حد كبير سليمة، ما يعني أن الحوثيين لا يزالون قادرين على استئناف هجماتهم على الملاحة البحرية في أي وقت.
ومع ذلك، كان لدى الحوثيين أربعة دوافع رئيسية للالتزام بوقف إطلاق النار منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في أواخر شباط/فبراير.
أولاً، لا يرغب الحوثيون في استدراج جولة جديدة من العمليات العسكرية الأمريكية. فخلال عملية "راف رايدر" العام الماضي، أمضت واشنطن 52 يوماً في استهداف مواقع الحوثيين وتقويض قدراتهم العسكرية. وانتهت الحملة إلى هدنة بوساطة عمانية لا تزال سارية حتى اليوم. أما الضربات الإسرائيلية، فكانت أكثر تدميراً، إذ أسفرت عن مقتل عدد من القادة الحوثيين البارزين وأجبرت قيادة الجماعة على العمل في الخفاء. وفي الوقت الراهن، يبدو أن الحوثيين يركزون على إعادة بناء قدراتهم وإعادة التسلح.
ثانياً، وهو العامل الأهم، يتمثل في الواقع السياسي الداخلي في اليمن. فلا يزال الحوثيون يسعون إلى التوصل لاتفاق مع المملكة العربية السعودية ينهي الحرب الأهلية اليمنية بشروط تحقق لهم مكاسب سياسية ومالية. وقبل أن تبدأ حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، بدا أن اتفاقاً مدعوماً من السعودية كان قاب قوسين أو أدنى. ولا تزال الرياض متمسكة بهذا المسار، ومن المرجح أنها تؤدي دوراً رئيسياً في ثني الحوثيين عن المخاطرة بإفشال هذا الاتفاق من خلال الانخراط في الحرب إلى جانب إيران.
ثالثاً، يراعي الحوثيون حساسية الرأي العام الداخلي. فحشد اليمنيين لدعم فلسطين في خضم حرب غزة أسهل بكثير من حشدهم للدفاع عن إيران أو "حزب الله ".
أخيراً، ربما توصل الحوثيون أيضاً، إما بشكل مستقل أو بالتنسيق مع طهران، إلى أن إغلاق باب المندب لم يكن ضرورة استراتيجية ملحة. وقد يعتقد قادة الجماعة أن النظام الإيراني لم يكن قريباً من الانهيار في أي مرحلة، وأن الضغط على الرئيس ترامب الناتج عن تهديد إيران لمضيق هرمز كان كافياً بحد ذاته. وعلى هذا الأساس، قد يحتفظ الحوثيون بأقوى أوراقهم لاستخدامها في مواجهة مستقبلية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.
ما الذي قد يدفع الحوثيين إلى تفعيل ورقتهم الرابحة؟ قبل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان/أبريل، حدد المتحدث باسم الحوثيين يحيى سريع ثلاثة محفزات غامضة إلى حد ما لاتخاذ إجراء عسكري: انضمام أطراف أخرى إلى القتال (ربما في إشارة إلى دول الخليج)؛ وعمليات أمريكية أو إسرائيلية في البحر الأحمر؛ ومزيد من التصعيد ضد إيران و"محور المقاومة".
مع استئناف القتال في لبنان وبين إسرائيل وإيران، تظل تلك العتبات ذات صلة. وفي الأسبوع الماضي، قال زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، إنهم مستعدون للتصعيد وسيبقون في "تنسيق كامل" مع حلفائهم الإقليميين. ثم جاء تهديدهم بمهاجمة السفن المرتبطة بإسرائيل.
سيكون لتجدد هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية عواقب اقتصادية سريعة. اليوم، يمر حوالي 13% من التجارة العالمية و 5% من تجارة النفط المنقولة بحراً عبر مضيق باب المندب. إن إغلاق هذا الممر الحيوي في خضم أزمة هرمز من شأنه أن يضاعف الضغوط على اقتصاد عالمي هش بالفعل وعلى إدارة أمريكية تواجه ضغوطاً متزايدة.
حتى إن مجرد التهديد باستئناف الهجمات من المرجح أن يكون له أثر سلبي مباشر على حركة الملاحة في البحر الأحمر. ففي نهاية المطاف، خلال حرب غزة، ادعى الحوثيون في البداية أنهم يستهدفون السفن المرتبطة بإسرائيل فقط، لكنهم أطلقوا بالفعل هجمات على سفن لا علاقة لها بإسرائيل أو كانت علاقتها بها محدودة.
وستتحمل دول المنطقة الكلفة الأكبر لأي حملة حوثية متجددة في البحر الأحمر، بما في ذلك مصر من خلال خسارة عائدات قناة السويس، والمملكة العربية السعودية عبر تعطل أحد شرايين صادراتها النفطية الحيوية المتمثل في خط الأنابيب الشرقي الغربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي يصدر حوالي 5 ملايين برميل من النفط يومياً.
وليس من المستغرب أن تقود دول الخليج - ولا سيما المملكة العربية السعودية وقطر - الجهود الرامية إلى تخفيف حدة الصراع. ومن شأن حرب أوسع نطاقاً تشمل الحوثيين أن تزيد التكاليف الاقتصادية، وتعمق التوترات مع واشنطن، وتعزز الحوافز لدى دول الخليج للسعي إلى التوصل إلى تسوية خاصة بها مع طهران.
ولا يخدم أي من ذلك مصالح واشنطن. وفي مواجهة خيارات عسكرية غير محسومة النتائج، واضطراب اقتصادي أكبر، وتوترات متزايدة مع شركائها الإقليميين الرئيسيين، فإن ترامب على حق في السعي إلى تسوية تفاوضية. لكن أي اتفاق يجب أن يحافظ على المبدأ الأساسي لحرية الملاحة وأن يتجنب مكافأة سلوك الإكراه البحري. وإذا حصلت إيران على تنازلات مالية مباشرة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز أو فرضت رسوماً أو تعريفات عليه، فستستخلص جماعات مثل الحوثيين استنتاجاً واضحاً مفاده أن تهديد التجارة العالمية يحقق مكاسب فعلية.