- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4283
كيف يمكن إنجاح المناطق التجريبية في لبنان خلال محادثات تامبا وما بعدها
لا يكفي أن تنشر بيروت قواتها ثم تعتبر المهمة منجزة، إذ يتعين عليها أن توفر لهذه القوات الغطاء القانوني اللازم لتفكيك القدرات العسكرية التي يخفيها "حزب الله" متذرعاً بحماية "الملكية الخاصة" في غير موضعها.
من المتوقع أن تتناول المحادثات العسكرية الإسرائيلية اللبنانية العقبات الميدانية التي تعترض تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي الموقّع في حزيران/يونيو، ولا سيما تطبيقه في المناطق التجريبية. وتُعقد هذه المحادثات بين 20 و22 تشرين الأول/أكتوبر في مقر القيادة المركزية الأمريكية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، وهي تتيح أيضاً فرصة لتجاوز التفاصيل التقنية، إذ يمكن للأطراف أن تناقش بصراحة افتقار لبنان حتى الآن إلى الإرادة السياسية لمعالجة القضية الجوهرية المتمثلة في نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته. وقد يساعدها ذلك بدوره على التوصل إلى خطة ملموسة لتحقيق تقدم على الأرض. فعلى الرغم من انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، فإنه لم يبذل أي جهد للسيطرة على أسلحة الحزب أوقدراته العسكرية الأخرى هناك، بل تشير تقارير إلى أن عناصر الحزب عادوا إلى هذه المناطق. وتوفر محادثات تامبا فرصة لإعادة اتفاق الإطار المتعثر إلى مساره الصحيح، لكن ذلك مشروط باستعداد الأطراف لمعالجة العقبات القانونية وتفنيد الذرائع اللبنانية التي عرقلت تفتيش "الممتلكات الخاصة" التابعة لـ"حزب الله".
آلية قانونية لتفتيش الممتلكات
دأب "حزب الله" منذ زمن طويل على زرع بنيته التحتية العسكرية داخل التجمعات المدنية، حتى أصبحت الممتلكات الخاصة أهم ما تبقى له من أصول يستند إليها للحفاظ على هيمنته على لبنان. ومن ثم لا يستطيع الجيش اللبناني تفكيك هذه البنية بفعالية من دون تفتيش المساكن الخاصة، بدءاً بالمناطق التجريبية. وتحتج السلطات اللبنانية بأن الضمانات الدستورية تحول دون إجراء هذه العمليات، لكن القانون يوفر في الواقع آلية تتيح القيام بها عند الضرورة، وما ينقص هوالإرادة السياسية لاستخدام هذه الآلية.
فالمادة 14 من الدستور اللبناني تنص على أن للمنزل حرمة لا يجوز انتهاكها، لكنها تستثني الحالات "التي يعينها القانون". ولذلك فإن السؤال المطروح هو: ما السند القانوني الذي يجيز تفتيش المساكن التي يُشتبه في أنها تخفي عتاداً عسكرياً تابعاً لـ"حزب الله"؟
وكما هوالحال في الولايات المتحدة، يتطلب تفتيش الممتلكات الخاصة في لبنان وفق الإجراءات الجزائية العادية الحصول على إذن قضائي، ويخضع كذلك لقيود متعددة. فعلى سبيل المثال، تشترط المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الحصول على موافقة مسبقة من النيابة العامة، في حين تحصر المادة 33 تفتيش المنازل في الفترة الممتدة بين الساعة الخامسة صباحاً والثامنة مساءً. وأي تفتيش يخالف هذه الإجراءات يكون عرضة للإبطال، وقد يواجه العناصر المشاركون فيه الملاحقة القضائية. وتفسر هذه العوامل جزئياً حالة الجمود الراهنة في المناطق التجريبية؛ ففي 29 تموز/يوليوصرّح النائب العام التمييزي أحمد الحاج بأنه لم يأذن بأي عملية تفتيش للمنازل في هذه المناطق.
وقد أصاب المنتقدون حين رأوا أن أذونات التفتيش وفق الإجراءات الجزائية التقليدية ليست الأداة المناسبة لتطهير مناطق بأكملها من البنى العسكرية المخفية. غير أن أحد الحلول البديلة المقترحة، وهوإصدار إذن قضائي يشمل منطقة بأكملها، من شأنه أن يفتح ثغرة قانونية أخرى. فإجراءات القانون الجزائي تقوم على تحديد مسكن بعينه، وحضور شاغليه أومن يمثلهم، وتوثيق المضبوطات وفق الأصول القانونية. ومحاولة تنفيذ عملية واسعة النطاق للجيش اللبناني استناداً إلى هذا النوع من الأذونات ستجعل كل عملية تفتيش على حدة عرضة للطعن القانوني، وستضر بفرص الملاحقة القضائية، وستمنح "حزب الله" وسيلة أخرى لعرقلة العملية.
ولحسن الحظ، ثمة أداة تشريعية أكثر متانة قائمة بالفعل. فالمرسوم الاشتراعي رقم 52، الصادر عن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في آب/أغسطس 1967، يجيز لمجلس الوزراء إعلان حالة الطوارئ أوالمنطقة العسكرية في أي جزء من الأراضي اللبنانية عند تعرض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية أوثورة مسلحة أواضطرابات تهدد النظام العام. ومن الواضح أن معظم هذه الشروط، إن لم يكن جميعها، متوفرة اليوم بعد ثلاث سنوات من الحرب والاضطرابات. وفي مثل هذه الظروف، تمنح المادة 4 من هذا المرسوم "السلطة العسكرية العليا"، أي الرئيس اللبناني جوزيف عون، صلاحية الإذن بتفتيش الممتلكات في أي وقت وفرض مصادرة الأسلحة والذخائر. ويشير المرسوم صراحة إلى المساكن، ويمنح صلاحيات تتجاوز ما تتيحه الإجراءات الجزائية العادية. وقد سبق للبنان أن لجأ إلى إعلانات طوارئ محددة النطاق الجغرافي والمدة، ومنها إعلان لمدة أسبوعين اقتصر على بيروت بعد انفجار المرفأ عام 2020. ولذلك فإن اعتماد المرسوم الاشتراعي رقم 52 مساراً قانونياً لتنفيذ مهمة تفكيك "حزب الله" لن يستلزم إخضاع البلاد بأسرها للسلطة العسكرية.
ولممارسة هذه الصلاحية القائمة، ينبغي لمجلس الوزراء أن يصدر إعلاناً يحدد النطاق الجغرافي للعملية ومدتها والغرض منها، إلى جانب صلاحيات الجيش اللبناني في تنفيذها. وتشترط المادة 65 من الدستور موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، في حين تُلزم المادة 2 من المرسوم مجلس النواب بالانعقاد خلال ثمانية أيام لمناقشة هذا الإجراء، وإن كان دوره في ذلك استشارياً بحتاً. أما البديل، وهوالسعي إلى استصدار تشريع جديد من البرلمان يجيز تنفيذ المهمة، فسيمنح "حزب الله" وحلفاءه فرصة إضافية لعرقلتها.
ويجب أن يتضمن إعلان مجلس الوزراء أيضاً جدولاً زمنياً لعمليات التفتيش، وإذناً خطياً صادراً عن ضابط رفيع في الجيش اللبناني يُحدَّد بالاسم، وآلية لتسجيل كل عقار يجري تفتيشه، وتعهداً بإحالة أي مدنيين يُعتقلون خلال العملية إلى المحاكم العادية بدلاً من المحاكم العسكرية، وهوما يعني عملياً تعطيل المادة 5 من المرسوم الاشتراعي رقم 52. ومن شأن هذه الضمانات أن تحمي السكان وتساعد على التصدي لأي طعون قانونية، كما ستحرم "حزب الله" من أي حجة مقنعة للادعاء بأن نزع سلاحه يتطلب عمليات تفتيش تعسفية أوفرض حكم عسكري.
غياب الإرادة السياسية
إذا كانت الحكومة لا ترغب في استخدام آلية الطوارئ هذه، فعليها أن تقدم مساراً قانونياً بديلاً لإزالة القدرات العسكرية لـ"حزب الله" ضمن إطار زمني واضح وقريب. أما مواصلة الحديث عن الملكية الخاصة من دون حسم المسألة فهوأمر مرفوض، لأنه سيتيح للحزب الاحتفاظ بترسانته.
الصلاحية موجودة، لكن قرار استخدامها غائب.
وقد قدم المسؤولون اللبنانيون ذرائع عدة لتجنب تنفيذ التزامات اتفاق الإطار الثلاثي بما يتجاوز مجرد انتشار الجيش اللبناني من دون تحرك فعلي. فإلى جانب المخاوف المتعلقة بالملكية الخاصة، حذّروا من خطر اندلاع حرب أهلية إذا واجه الجيش "حزب الله". كما رأى الرئيس عون أن نجاح نزع السلاح يقتضي "أن نقنع القاعدة الشعبية"، في إشارة إلى الطائفة الشيعية التي تشكل القاعدة الأساسية لمؤيدي الحزب.
غير أن هذه الذرائع لا تصمد أمام التمحيص. فخطر الحرب الأهلية مبالغ فيه، في حين عبّر أبناء الطائفة الشيعية مراراً عن خيبة أملهم من "حزب الله"، وعن حاجتهم الماسة إلى أن تبسط الحكومة سلطتها على الأرض، وعن استعدادهم للوقوف خلف مؤسسات الدولة. وإلى جانب التغطية الإعلامية الواسعة لهذه المواقف، أظهر استطلاع حديث للرأي أن غالبية المستطلَعين الشيعة في مختلف أنحاء لبنان يثقون بالجيش اللبناني، ولم يعودوا يعتقدون أن "حزب الله" قادر على حمايتهم. علاوة على ذلك، يؤيد 66 في المئة منهم نقل سلاح الميليشيا إلى الدولة بشكل من الأشكال، مقابل 29 في المئة يؤيدون احتفاظ الحزب به، بينما يرى 51 في المئة أن الجيش اللبناني هوالجهة الأكثر إسهاماً في تحقيق الأمن، مقابل 17 في المئة يرون أن "حزب الله" هومن يؤدي هذا الدور. وتدحض هذه النتائج الادعاء بأن سلاح الحزب يحظى بتأييد شيعي واسع، إذ لم يعد بإمكان القادة أن يتبنوا بمصداقية مواقف تساوي بين مصالح الطائفة ومصالح الميليشيا.
وخلاصة القول، إذا كان الشيعة يقفون اليوم خلف الدولة، وإذا كانت الحكومة تملك آلية قائمة وسليمة دستورياً لتفتيش الممتلكات الخاصة، فما الذي يمنع السلطات من تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي؟ هذا هوالسؤال الأهم الذي ينبغي طرحه في محادثات تامبا.
مخاطر التأخير
بينما تتواصل النقاشات التقنية، ينشغل "حزب الله" بإعادة التسلح، وتعزيز حضوره في المناطق الشيعية، وتمكين حلفائه داخل مؤسسات الدولة، وضمان حصوله على تمويل كافٍ لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية. (وتبقى هذه النقطة الأخيرة صحيحة بصرف النظر عما إذا كان الحزب قد تلقى فعلاً 200 مليون دولار من طهران الشهر الماضي، كما أفادت التقارير).
والأخطر من ذلك أن قوى الأمن الداخلي ضبطت في 10 تشرين الأول/أكتوبر، عند حاجز في سهل البقاع، 206 كيلوغرامات من متفجرات "سي– 4" و281 كيلوغراماً من مادة "بي إي تي إن" في شاحنة تعود لأحد عناصر "حزب الله". ويثير ذلك احتمال أن يكون الحزب يستعد لاستئناف الاغتيالات السياسية، بالنظر إلى استخدامه السابق لهذه المواد في تنفيذها. بل إن السائق أبرز بطاقة خاصة تصدرها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني لتسهيل المرور عبر الحواجز الأمنية، ما يطرح تساؤلات جدية: هل سبق أن نقل عناصر آخرون شحنات من المتفجرات بحرية في أنحاء البلاد وخزنوها داخل ممتلكات خاصة؟ ولماذا لا تزال مخابرات الجيش تسمح لعناصر "حزب الله" باستخدام هذه التصاريح رغم الخطط المعلنة للمؤسسة العسكرية لتقييد حرية تنقل الحزب؟
ولا تقل المخاطر الأخرى المترتبة على التقاعس خطورة. فإذا فشل اتفاق الإطار الثلاثي، قد يواجه لبنان تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً أوسع وأشد تدميراً، أواستحواذاً إيرانياً على الملف اللبناني إذا توصلت واشنطن إلى اتفاق مع طهران، أوجموداً يستمر إلى أجل غير مسمى ويترك البلاد معزولة وضعيفة.
التداعيات على السياسة الأمريكية
يشكل اجتماع تامبا فرصة لتذليل العقبات السياسية اللبنانية التي حالت دون تحقيق تقدم كبير منذ توقيع اتفاق الإطار. ومن أجدى الخطوات في هذا الصدد ما يلي:
استكمال آلية التحقق. نص اتفاق الإطار على الالتزام بـ"وضع التدابير والترتيبات الأمنية وآليات التحقق اللازمة لدفع هذه العملية قدماً"، في حين أفادت التقارير بأن ملحقه نص على "التحقق من إزالة جميع الجماعات المسلحة من غير الدول وبناها التحتية العسكرية من قبل جهة ثالثة متفق عليها بين الطرفين". غير أن لبنان وإسرائيل لم يتفقا بعد على هذه "الجهة"، وهوما يبرز الحاجة إلى انخراط أمريكي أكثر مباشرة. فوحدهم المراقبون المحايدون من طرف ثالث قادرون على التحقق مما إذا كان الجيش اللبناني ينتقل من مرحلة الانتشار إلى مرحلة نزع السلاح في المناطق التجريبية. ولذلك يجب أن تحدد محادثات تامبا الدول الثالثة التي ستشارك في آلية التحقق، وأنواع الدعم التي ستحتاج إليها لإنجاح هذه المهمة.
إلزام بيروت بمنح الجيش اللبناني صلاحية تفتيش الممتلكات الخاصة. كما سبق توضيحه بالتفصيل، يملك لبنان هذه الصلاحية بالفعل، ولذلك لا توجد أي ذريعة مقنعة لمزيد من التأخير. ولتأكيد هذه النقطة، يمكن لوزير الخارجية الأمريكي ماركوروبيوأن يحث الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام على إعلان حالة الطوارئ لمدة أسبوعين في المناطق التجريبية، وفقاً لما يجيزه المرسوم الاشتراعي رقم 52. ولن يضطر الجيش اللبناني خلال هذه الفترة إلى دخول كل منزل ومنشأة تجارية في المنطقة وتفتيشها، إذ سبق أن شارك جيش الدفاع الإسرائيلي معلومات استخباراتية عن المواقع التي يستخدمها "حزب الله" لتخزين الأسلحة والمعدات، بما فيها ورش تصنيع الطائرات المسيّرة. ويتعين على بيروت أيضاً تقديم ضمانات بأن الجيش اللبناني سيواصل الاستفادة من هذه المعلومات الاستخباراتية لإبقاء هذه المناطق منزوعة السلاح بصورة دائمة بعد انسحاب إسرائيل من كل منطقة.
ربط أي مساعدات إضافية بتطبيق اتفاق الإطار. لضمان إحراز تقدم، يجب أن تكون المساعدات الأمريكية مشروطة بتفكيك "حزب الله". ويقتضي تحقيق هذا الهدف أيضاً تطهير المؤسسات العسكرية والأمنية من عناصر الحزب، وضمان عدم حصولهم بعد الآن على بطاقات تسهيل المرور، والكف عن تقديم مزيد من الذرائع التي تستند إلى المخاطر المزعومة لاندلاع حرب أهلية، أوالمعارضة الشيعية، أوعدم كفاية السند القانوني.