- تحليل السياسات
- تنبيه سياسي
كيف تستفيد روسيا من اضطراب إمدادات النفط في الخليج
في حين أن التوقف الفعلي لشحنات النفط من الخليج ساعد بالفعل موسكو على استعادة الهند كأحد عملائها الرئيسيين للنفط، فإن ارتفاع الأسعار العالمية قد يسهم بشكل كبير في تعزيز ميزانيتها المستنزفة بفعل الحرب في أوكرانيا.
يبدو أن السيناريو الأسوأ الذي كانت تخشاه أسواق الطاقة قد بدأ يتحقق، فعلى الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح إلى متى ستستمر الحرب مع إيران، إلا أن هناك أمراً واحداً مؤكداً: وهو أن الاضطراب في تدفقات الطاقة العالمية والمخاطر الأمنية البحرية المتزايدة في الخليج الفارسي ستكون حادة وممتدة. وقد تم إغلاق مضيق هرمز فعلياً، مما يمنع معظم ناقلات النفط في المنطقة من تحميل المزيد من النفط الخام ويجعل منطقة الخليج غير قادرة على إجراء عمليات التسليم المعتادة. وقد ساعدت هذه العوامل وغيرها في الحفاظ على الضغط التصاعدي العام على أسعار الطاقة، على الرغم من بعض التقلبات اليومية في السوق.
هناك طرف واحد قد يستفيد أكثر من غيره من هذه الحالة: روسيا. فقبل الحرب، كانت واشنطن تضغط على الهند - ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم - لخفض مشترياتها من النفط الروسي. لكن الأسبوع الماضي، استجابت إدارة ترامب لمخاوف زمن الحرب المتعلقة بأسعار النفط وإمداداته عبر منح مصافي التكرير الهندية إعفاءً مؤقتاً لشراء بعض النفط الخام الروسي الموجود في ناقلات في البحر. وسرعان ما اشترت مصافي التكرير الهندية حوالي 30 مليون برميل لتعويض النقص في الإمدادات من الشرق الأوسط.
تُعد أي مبيعات إضافية من هذا النوع مشكلة كبيرة، لأن عائدات النفط تُعد حيوية لاستمرار حرب فلاديمير بوتين في أوكرانيا. وفي ظل تشديد العقوبات الدولية، كان النفط الخام الروسي الرئيسي - المعروف باسم أورال - يُباع بخصومات كبيرة قبل أيام قليلة من الحرب، إذ كان يُتداول بنحو 40 دولاراً للبرميل. وكان هذا السعر أقل بكثير من السعر المقدر بـ 59 دولاراً والمخطط له في ميزانية الكرملين لعام 2026، لكن العقوبات وعوامل أخرى أجبرت الحكومة على تقديم خصومات كبيرة.
ومع ذلك، يبدو أن الحرب على إيران قد خففت هذه الضغوط. ومع ذلك، في 2 آذار/مارس، قال المذيع الدعائي الروسي فلاديمير سولوفيوف لمشاهديه: "بالنسبة لميزانيتنا، يمثل الهجوم على إيران مكسباً كبيراً... إذا ضرب ترامب حقول النفط الإيرانية، فسنصبح، مهما بدا ذلك مؤسفاً، من بين الدول القليلة المتبقية المنتجة للنفط ".
ومع ذلك، فإن التكهنات حول الهجمات على موارد إيران الطاقية ليست ضرورية، إذ إن الآثار المبكرة للحرب تُعد بالفعل هبة غير متوقعة لـ روسيا. فقد انخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بنسبة 90 في المئة، وتم الإبلاغ عن نحو ستة عشر هجوماً على السفن أو حوادث أخرى في الخليج الفارسي والممرات المائية المحيطة به، بما في ذلك ثلاث هجمات في وقت سابق اليوم. وللحصول على تفاصيل هذه الحوادث، يمكن الرجوع إلى أداة الخريطة التفاعلية الجديدة لمعهد واشنطن حول الهجمات البحرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حتى المظاهر الصغيرة نسبياً لهذا التهديد كانت كافية لمنع معظم السفن من عبور المضيق، كما أبلغت البحرية الأمريكية مالكي السفن أن المرافقة العسكرية محفوفة بالمخاطر في الوقت الحالي. ومع ذلك، تمكن مالك يوناني واحد من إرسال بضع ناقلات عبر مضيق هرمز للتحميل في الخليج، بينما قامت السفينة شنلونغ (Shenlong)،)رقم التعريف IMO (9379210 التي ترفع علم ليبيريا بتحميل النفط في رأس تنورة في السعودية، ثم أبحرت خارج المنطقة مع انقطاعات في نظام التعرف الآلي الخاص بها حتى شوهدت في 9 آذار/مارس متجهةً نحو مومباي في الهند، استنادًا إلى بيانات منصة تتبّع السفن وحركة الملاحة البحرية . (MarineTraffic) لكن الغالبية العظمى من مالكي السفن غير مستعدة لتحمّل هذا النوع من المخاطر.
وتُبدى الدول المستهلكة للنفط بكميات كبيرة مثل الهند حساسة بشكل خاص تجاه انقطاع تدفق النفط الخام من الشرق الأوسط، ولا سيما من السعودية والعراق، وهما أكبر منتجين في منظمة أوبك. فعندما اشتدت الضغوط الأمريكية على نيودلهي في وقت سابق من هذا العام، اعتُبرت هاتان الدولتان البديلين الرئيسيين للواردات الروسية في السوق الهندية، نظراً لكونهما من الموردين الأساسيين للبلاد عموماً. ووفقاً لبيانات شركة كيبلر (Kpler)، بلغت واردات الهند من النفط الخام والمكثفات عبر مضيق هرمز نحو 2.7 مليون برميل يومياً في شباط/ فبراير، بما في ذلك حوالي مليون برميل من السعودية و974 ألف برميل من العراق
ومع ذلك، فإن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أعاد روسيا لتصبح المصدر الأكثر ملاءمة للنفط بالنسبة للهند، وقد سارعت موسكو إلى استغلال هذه الفرصة. ففي كلمة ألقاها في نيودلهي في آذار/مارس، أكد السفير الروسي دينيس أليبوف التزام حكومة بلاده بتزويد الهند بالنفط بغض النظر عن حالة عدم اليقين في زمن الحرب. كما أشارت تقارير هذا الأسبوع إلى أن خام الأورال الروسي يُعرض حالياً بفارق سعري يتراوح بين 2 و8 دولارات للبرميل مقارنة بمعيار برنت العالمي.
وفي الوقت نفسه، سعت المملكة العربية السعودية إلى إعادة توجيه مسارات تدفقات نفطها الخام لتعويض تعطل الطريق عبر مضيق هرمز. وخلال الأيام التسعة الأولى من هذا الشهر، أفادت التقارير بأنها شحنت نحو 2.2 مليون برميل يومياً من ميناء ينبع على البحر الأحمر، بزيادة عن الأسابيع السابقة. ويمكن للمملكة إعادة توجيه كميات أكبر بكثير إلى البحر الأحمر عبر خط الأنابيب الشرقي- الغربي، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 7 ملايين برميل يومياً. ومع ذلك، حتى لو استُخدمت الطاقة القصوى للخط، فلن يتوفر سوى نحو 5 ملايين برميل يومياً للتصدير، لأن المليوني برميل المتبقيين سيكونان مخصصين لتغذية المصافي المحلية.
لا تتوفر مثل هذه الخيارات للعراق، فإذا استمر الحصار على مضيق هرمز لفترة أطول، فمن المرجح أن تجبر قيود التخزين بغداد على إيقاف المزيد من إنتاج النفط من حقولها الجنوبية، التي تنتج أكثر من 3 ملايين برميل يومياً من الخام. ويعد بعض المشترين الرئيسيين لهذا النفط من "نوعية البصرة" حساسين حتى تجاه الانقطاعات قصيرة الأجل، ومن المرجح أن يبحثوا قريباً عن مصادر بديلة لخام مماثل الجودة إذا استمرت الناقلات في عدم القدرة على عبور المضيق. وهذا بالضبط ما يحدث بالفعل في الهند، حيث يُعد النفط الروسي من نوعية "الأورال " القادم من روسيا بديلاً مناسباً لخام البصرة.
إن مرونة إدارة دونالد ترامب تجاه حليف رئيسي ومستورد كبير للنفط مثل الهند أمر مفهوم، غير أن هذه المرونة ينبغي أن تكون محدودة من حيث الزمن والنطاق. ولمنع روسيا من الاستفادة من الحرب مع إيران، ينبغي على واشنطن الحفاظ على عقوباتها على النفط الروسي، والتأكد من عدم تمديد الإعفاء الممنوح للهند لأكثر من ثلاثين يوماً، وتجنب منح إعفاءات مماثلة لدول أخرى. وبطبيعة الحال، ستعتمد هذه الاعتبارات في نهاية المطاف على مسار الحرب، ومدى استعداد إيران لمزيد من التصعيد في المجال البحري، وكذلك على مدة استمرار تعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.