- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4199
في الظلام وفي خطر: قطع الإنترنت في إيران والقمع في زمن الحرب
يشخّص عددٌ من خبراء حقوق الإنسان المزاجَ الشعبي الراهن في إيران ويناقشون كيف يمكن للحكومات الأجنبية المساعدة في التصدي لتوظيف النظام المتزايد لأدوات انقطاع الإنترنت وغيرها من أدوات القمع الرقمي.
في العاشر من نيسان/أبريل، استضاف معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضياً شاركت فيه مهسا عليمرداني، ونازنين بونيادي، ورويا بوروماند. وعليمرداني هي المديرة المشاركة لبرنامج التهديدات والفرص التكنولوجية في منظمة حقوق الإنسان WITNESS. وبونيادي ناشطة في مجال حقوق الإنسان، وممثلة ومنتجة. أما بوروماند فهي المؤسِّسة المشاركة والمديرة التنفيذية لمركز عبدالرحمن بوروماند لحقوق الإنسان في إيران. وما يلي ملخص أعدّه المقررون لمداخلاتهن.
مهسا علي مرداني
أفرزت عمليات قطع الإنترنت التي تفرضها الدولة الإيرانية أزمةً متراكمة في البيئة المعلوماتية. فهي تُوظَّف أداةً للرقابة واستراتيجيةً للمحتوى في آنٍ معاً، بهدف إسكات الأصوات الإيرانية الأصيلة وتكريس روايةٍ واحدة تفرضها الدولة على العالم الخارجي. وقد تجلّى ذلك بوضوح حين أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي على الهواء مباشرةً في التلفزيون الأمريكي أنه "صوت الإيرانيين"، في وقت مُنح فيه وصولٌ حصري إلى الإنترنت بوصفه المتحدث الرسمي للجمهورية الإسلامية، بينما يبقى ثلاثة وتسعون مليون إيراني مقطوعين عن العالم.
جعل الذكاء الاصطناعي التعامل مع هذه البيئة المعلوماتية أشدَّ صعوبةً بكثير. وتُجسّد المجازر غير المسبوقة التي ارتُكبت بحق الشعب خلال انتفاضة كانون الثاني/يناير المناهضة للنظام هذا الواقع بجلاء، إذ مهّدت الأرض لظاهرة "عائد الكاذب" — وهو مفهوم يُشير إلى أن مجرد وجود تزوير بالذكاء الاصطناعي يمنح الجهات الخبيثة غطاءً لتشكيك أي شيء. فصورة المحتجّ المنفرد في مواجهة قوات الأمن — التي باتت تُعرف بـ"لحظة رجل الدبابة" الإيرانية — وثّقتها مصادر مستقلة من زوايا متعددة، غير أنها وُصفت بأنها "زيف ذكاء اصطناعي" حين استُخدم برنامج تحرير لتحسين وضوحها. ببساطة، لم تعد المصداقية تعني شيئاً.
تسير هذه الديناميكية في الاتجاهين. فالتاريخ الطويل للجمهورية الإسلامية في الدعاية رسّخ لدى الناس ردّ فعل تلقائياً يقوم على عدم الثقة بكل ما تضخّه الدولة، وقد بات هذا الردّ خطيراً في زمن الحرب. فضربة غارة جوية في الثامن والعشرين من شباط/فبراير أودت بحياة أكثر من مئة طفل في مدرسة بمدينة مينب أكّدتها مصادر موثوقة، إلا أن النظام حوّل هذه المأساة إلى أداة دعاية، فاستنتج كثير من الإيرانيين أن الأمر لم يعدو كونه اختلاقاً. ومن رحم هذا الشك، انخرط بعض الناس للأسف في سلوكيات غير آمنة استناداً إلى قناعتهم بانعدام الخطر الجوي.
أتاح تدفق ما بين خمسين ألفاً ومئة ألف محطة "ستارلينك" نافذةً ضيقة على انتفاضة كانون الثاني/يناير والحرب الراهنة، غير أن تهريب الأجهزة إلى بلد يضم الملايين ليس حلاً ناجعاً. المعركة الحقيقية تدور في ميدان التنظيم. فتقنية الاتصال المباشر بالهاتف (D2C) التي تُوجّه الاتصالية مباشرةً من الأقمار الصناعية إلى الهاتف دون الحاجة إلى جهاز وسيط، قادرةٌ على إخراج الوصول إلى الإنترنت من سيطرة الدولة في غضون سنتين إلى خمس سنوات؛ بل إن أُطر حوكمة الطيف الترددي التي تقوم عليها هذه التقنية يجري تشكيلها الآن. بيد أن الصين وروسيا باتتا تضطلعان بدور محوري في هذه العملية داخل الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة. وسيشكّل الاجتماع الكبير للاتحاد المقرر عقده في شنغهاي العام القادم منعطفاً حاسماً في هذا الملف، غير أنه لا يجوز التخلي عن المعايير الدولية التي تُصاغ استعداداً لذلك الاجتماع لصالح حكومات تجني أكثر غيرها من إبقاء شعوبها في الظلام.
نازنين بونيادي
في أعقاب موجة العنف المروّعة التي شنّها النظام ضد الشعب الإيراني خلال ثمانية وأربعين ساعة في أواخر كانون الثاني/يناير، كشفت اتصالات متقطعة مع سجناء سياسيين وناشطين ومعارضين داخل إيران عن موجة دعم عارمة للتدخل الأجنبي استناداً إلى المبدأ الإنساني "مسؤولية الحماية" (R2P). وحين لقي المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار شخصيات النظام حتفهم في غارات عسكرية بعد أسابيع قليلة، احتفل كثير من الإيرانيين بذلك. غير أنه مع مرور الوقت وتبيّن أن النظام قد يصمد في السلطة، تسلّل اليأس إلى النفوس. ثم تحوّل هذا اليأس إلى قلق حين صدرت عن الرئيس ترامب تهديدات بشنّ هجمات واسعة على البنية التحتية المدنية وتدمير الحضارة الإيرانية.
وفي الوقت ذاته، يُكمل انقطاع الإنترنت في إيران اليوم يومه الثاني والأربعين — الأطول في تاريخ البلاد. ويتصاعد القلق من أن يمتد هذا الانقطاع إلى أجل غير مسمى؛ بل يخشى كثير من الإيرانيين أن يغدو دائماً. فلا حكومةٌ تدّعي شرعيتها في عيون شعبها تحتاج يوماً إلى قطع تواصله مع العالم الخارجي.
يرى بعض الإيرانيين أن النظام أمضى سبعةً وأربعين عاماً يسعى إلى محو جوهر الثقافة والحضارة الإيرانية لاستبدالها بمنظور إسلاموي، وهو ما يتجلّى في إعلان الإمام الخميني عام 1979 أن الوطنية ضرب من الوثنية. وحين يُطلق قادة أمريكيون ومسؤولون غربيون تهديدات تطال وجود الحضارة الإيرانية، فإنهم يُغذّون رواية النظام التي لا تمثّل الإيرانيين على أرض الواقع ولا مستقبلهم المنشود. وعلى الرغم من بعض الانتصارات الميدانية التي حققتها الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنهما خسرتا معركة الخطاب لسبب واحد: الإنترنت لا يزال مقطوعاً. فإن أبدى قادة النظام استعداداً للتضحية بمئات الملايين من الدولارات لمواصلة هذا التعتيم على الرغم من الأوضاع الاقتصادية البالغة السوء، فإن ذلك سيكون دليلاً إضافياً على افتقارهم إلى الشرعية.
لمن يتأمل السياسات الواجب انتهاجها تجاه إيران مستقبلاً، تبرز عدة نقاط جوهرية: أولاً، تغيير النظام لم يقع بعد، وعلى صانعي القرار الإقرار بأن الشعب الإيراني لا يزال يُكمّم صوته. ثانياً، أي سياسة استشرافية لا بد أن تُحفّز الانشقاقات الإيرانية على المستوى المتوسط، بما يشمل مسؤولين قد لا تتلطّخ أيديهم بالدماء لكنهم ركيزة أساسية في إبقاء النظام قائماً. فالمحادثات الأمريكية-الإيرانية الراهنة لا تجري مع ممثلين معتدلين، بل مع تيار إيراني أكثر جرأةً وأشد انتقاماً. ثالثاً، يجب إيلاء تحرير المعتقلين السياسيين أولويةً قصوى. وأخيراً، لا بد من استعادة الإنترنت كي تصل أصوات الإيرانيين إلى وسائل الإعلام الغربية. فأصوات النظام تنتشر في التقارير الإعلامية والنقاشات المتخصصة، مما يمكّنه من مواصلة قمع الأصوات داخل إيران والإمساك بزمام الرواية ونشر الدعاية. والحقيقة أن النقاش الدولي تحوّل عن التداعيات الإنسانية للأزمة. وعلى صانعي القرار إدراك أن الثمن البشري الذي يدفعه الشعب الإيراني جراء هذا الصراع قد يُفضي إلى تداعيات سلبية تتردد أصداؤها لعقود، لا سيما إن بقي النظام في السلطة.
رويا بوروماند
في أحاديث صريحة مع مواطنين إيرانيين طالهم الأذى من الجمهورية الإسلامية، يتضح أن تركيزهم ينصبّ لا على هموم أيديولوجية، بل على مجرد الصمود والنجاة يوماً بيوم. على المراقبين من الخارج ألا يغيب عن أذهانهم أن الحرب اندلعت في سياق اجتماعي-سياسي لا يزال يتداعى من احتجاجات كانون الثاني/يناير. في البداية، كان للمحتجين ما يبعث على الأمل — إذ أعلن المجتمع الدولي دعمه لقضيتهم علناً، وحذّرت الولايات المتحدة النظامَ من أن أي وحشية ضد الشعب ستُقابَل بالقوة. غير أنه لما أخفق الوعد بالمساعدة في التحقق، انتقم النظام من المحتجين عبر موجة اعتقالات جماعية وإعدامات.
ومع تمادي الصراع، بات الأثر المباشر يمس حتى من لم يتضرروا في البداية. فقد بدأت قوات ميليشيا الباسيج والحرس الثوري الإسلامي توظيف مبانٍ غير مرقّمة في الأحياء السكنية تفادياً للاستهداف الجوي، مما يُعرّض المدنيين المجاورين للخطر. ولجأ كثير من سكان المدن إلى الأرياف في الأيام الأولى للحرب، فيما لا يزال آخرون صامدين. ومع استمرار التحصينات العسكرية للمدن والقصف، يتصاعد الدمار الاقتصادي. فليلاً، تُنفّذ قوات الباسيج دوريات منتظمة وتُجري تفتيشاً عشوائياً وتُطلق النار في الهواء. ونهاراً، يلتزم المدنيون منازلهم وتُغلك المحال التجارية. وقد ارتفعت أسعار الزجاج في وقت مبكر من الحرب، فتركت نوافذ محطمة دون إصلاح. والآن تتصاعد أسعار الغذاء والدواء يوماً بعد يوم.
بيد أن الأعمق أثراً في هذه الحرب سيكون وطأتها النفسية على الشعب الإيراني. فصدمة قمع كانون الثاني/يناير العميقة أبقت الناس قلقين ومكتئبين ومعزولين بفعل انقطاع الإنترنت المستمر، فيما أرسى الحضور الطاغي للباسيج بيئةً من الخوف، إذ باتت القوات تنتقل تدريجياً من ثكناتها المعلّمة إلى المساجد والمدارس والمستشفيات.
ولم يُثنِ القصف المتواصل السلطاتِ عن ترهيب الشعب — بل وظّفت الحرب ذريعةً لعسكرة المدن وقمع حرية التعبير ورفع وتيرة الإعدامات وتحريض الجيران على الإبلاغ عن بعضهم. وجرى تأطير الصراع ليس بوصفه حرباً خارجيةً فحسب، بل معركةً داخلية ضد "الخونة"، تُبرر إعدام ما يوصفون بـ"عملاء العدو". وقد أصدرت الجمهورية الإسلامية في أعقاب حرب حزيران/يونيو 2025 تشريعاً يُشدّد عقوبات التجسس، وأُعمل هذا القانون مطيةً لإصدار أحكام سجن مشددة على أشخاص مجرّد مشاركتهم معلومات أو إبدائهم آراءً معارضة. وتضاعف عدد الإعدامات والاعتقالات منذ حزيران/يونيو، في ظل تقبّل القضاة الاعترافاتِ المنتزعة تحت الإكراه وإصدارهم أحكاماً بالإعدام استناداً إلى تهم تجسس مبالغ فيها.
والآن بعد أن وافق المسؤولون على وقف إطلاق النار، يرسل ذلك رسالةً للشعب والنظام على حد سواء مفادها أن هذه الاعتقالات والإعدامات مقبولة لدى المجتمع الدولي. وعلى الأرجح سيُفسّر النظام هذا التطور باعتباره إذناً ضمنياً بالتصرف في الداخل دون رادع، والشعب يعلم أن الاعتقالات ستتواصل. وكما عبّر عن ذلك شابٌ إيراني: "وقف إطلاق النار يعني طوابير الإعدام... العالم تركنا مرةً أخرى وحدنا في مسلخ رجال الدين." فضلاً عن ذلك، يبقى الانشقاق أمراً مستبعداً لأن عناصر النظام لا يملكون بديلاً حقيقياً ولا مساراً للخروج من الجمهورية الإسلامية. كما أن القصف الاستراتيجي وحده لا يكفي لتغيير نظام استبدادي راسخ جذوره في كل مؤسسة ولديه موالون في أنحاء العالم.