- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4182
دراسة الروابط الإرهابية والتمردية بين أفغانستان-باكستان وإيران
قد يبدو الصراعان منفصلَين، غير أن وجود ملاذ آمن لتنظيم القاعدة في إيران، والتهديدات الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلامية، والطموحات الانفصالية، قد تتضافر لتضخيم المخاطر على الأمن الإقليمي والعالمي.
في الست والعشرين من شباط/فبراير، شنّت الإمارة الإسلامية الأفغانية الطالبانية ضربات جوية على أهداف عسكرية باكستانية، في إطار صراع تصاعدت حدّته منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في آب/أغسطس 2021. وكان الدافع الرئيسي وراء ذلك دعمَ طالبان الأفغانية لتمرد حركة تحريك طالبان باكستان (TTP) طوال السنوات الأربع والنصف الماضية. ثم في الثامن والعشرين من الشهر ذاته، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتَي "إيبيك فيوري" و"رورينغ لايون" ضد إيران، مواصلتَين بذلك المواجهة العسكرية التي اشتعلت إبان جولات تبادل الصواريخ عام 2024 والحرب التي دامت اثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025. وعلى الرغم من تباين هذين الصراعين، فإنهما يتشابكان في عوامل مشتركة وقد يتلاقيان أكثر في المستقبل، مما يستدعي استجابةً سياسية متأنية على مستويات متعددة.
المسرح الأفغاني-الباكستاني
منذ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، عزّز حلفاء طالبان في باكستان—ومنهم حركة تحريك طالبان باكستان والجماعات الأصغر المرتبطة بالقاعدة—تمردهم المسلح. وكانت باكستان في السابق، خلال عقدَي الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، تميّز بين ما وصفته بطالبان "السيئة" في الداخل (تحريك طالبان باكستان) وطالبان "الجيدة" في أفغانستان، إلا أن إسلام آباد باتت تدرك في السنوات الأخيرة أن طالبان الأفغانية تدعم تحريك طالبان باكستان وتُقوّض بذلك الدولة الباكستانية. وتُثبت أرقام الهجمات صحة هذا الإدراك: ففي شباط/فبراير 2021—قبيل الانسحاب الأمريكي—نفّذت تحريك طالبان باكستان 15 هجوماً في باكستان، ارتفعت إلى 22 في شباط/فبراير 2022، و29 في شباط/فبراير 2023، و64 في شباط/فبراير 2024، و147 في شباط/فبراير 2025، و352 هجوماً خلال الشهر الماضي. وقد أتاح هذا الزخم المتصاعد لتحريك طالبان باكستان البدءَ في تجنيد أعضاء من بنغلاديش عبر جماعة جهادية محلية تُعرف بـ"جماعة الأنصار في هند الشرقية".
وإلى جانب تحريك طالبان باكستان، تنشط مجموعات عدة تابعة لتنظيم القاعدة أو مرتبطة به. فمنذ عودة طالبان إلى السلطة، استأنف قائد القاعدة سيف العدل، المقيم في إيران، وفرع التنظيم في شبه القارة الهندية، عملياتٍ تُشبه ما كانت عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر: أي توفير رأس المال الاستثماري لجماعات جهادية "ناشئة"، والعمل بوصفهم متعاقدين عسكريين في التدريب المتخصص. وفي هذا الإطار، أسهمت القاعدة في دعم طالبان الأفغانية وتحريك طالبان باكستان على التوالي، لتوطيد الدولة وبناء التمرد. كما أسهمت عناصر القاعدة في تعزيز صفوف "اتحاد مجاهدي باكستان" و"أنصار الإسلام باكستان" خلال العام الماضي، ضمن مساعٍ أشمل لزعزعة استقرار الدولة الباكستانية. وإن ظلّت القاعدة على نهجها الريادي في العمل الجهادي، فإنها قد تسعى إلى توسيع هذه الجهود عبر التخطيط لهجمات في الخارج على غرار ما فعلته سابقاً. وعليه، وإن كانت السياق والبيئة مختلفَين عما كانا عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر، فإن القاعدة وما يماثلها من تنظيمات تستحق اهتماماً أكبر في مرحلة تتمحور فيها المبادرات السياسية حول قضايا أخرى.
وخارج السياق الجهادي، يشنّ جيش تحرير بلوشستان القومي تمرداً ضد باكستان، تدّعي الحكومة أنه يحظى بدعم إيراني. في المقابل، اتهمت إيران المجاورة إسلام آباد بدعم التمرد البلوشي ذي القيادة الإسلامية داخل إيران. وقد أفضت التوترات المرتبطة بذلك إلى تبادل صاروخي بين البلدين في كانون الثاني/يناير 2024.
وقد يُشكّل وجود قاعدة للقاعدة في إيران ورقة ضغط في الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة، لا سيما في ضوء الدعوات المستمرة من قِبل التنظيم الجهادي للقيام بهجمات ضد اليهود والغربيين في الخارج. وفضلاً عن ذلك، باتت القاعدة منذ مجزرة السابع من أكتوبر 2023 أكثر تعاطفاً مع قضية حماس، متجاوزةً الخلافات الأيديولوجية التي كانت تفصل بينهما. وثمة بُعد آخر يتصل بباكستان والمملكة العربية السعودية: إذ إنه حين ضربت الصواريخ الإيرانية المملكةَ في سياق الحرب الراهنة، ذكّرت إسلام آباد طهران بمعاهدة الدفاع المشترك الرابطة بينها وبين الرياض. ويمكن تخيّل تداخل منطقتَي الصراع على خلفية الإرهاب والتمرد ذوَي الطابع الإثني والديني المتشابك.
المسرح الإيراني
وإن كانت الحرب في إيران قابلة للتطور في اتجاهات شتى، فإن أحد السيناريوهات الجديرة بالدراسة هو اندلاع حرب أهلية لا تُمزّق النسيج الوطني الإيراني فحسب، بل تُهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي أيضاً. ففي النزاعات التي شهدت تدخلاً أمريكياً في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر—ولا سيما في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا—غدت الحروب الأهلية حواضن للتوترات الإثنية والدينية التي أفرزت هذه العواقب بعينها.
وتضم إيران في داخلها حركات انفصالية راسخة، من بينها الأكراد والعرب والبلوش، التي قد تتحول—في سياق حرب أهلية—إلى قوى مسلحة تُرسّخ مناطق نفوذها منافسةً للدولة أو خارجة عن سيطرتها. وقد تسعى دول وجهات خارجية إلى توظيف هذه الديناميكيات لإضعاف استقرار الجمهورية الإسلامية وقدرتها على التمدد الإقليمي—سواء إسرائيل وكردستان العراق في علاقتهما بالأكراد، أو دول الخليج في علاقتها بعرب الأهواز (خوزستان)، أو ربما باكستان في علاقتها بالبلوش الإسلاميين، وفق ما سبق وصفه في إطار التجاذب المتبادل. وقد أعلن أحد الفصائل الأهوازية مسؤوليته عن استهداف مسؤولين أمنيين إيرانيين في الحرب الجارية، في حين صعّد الفاعلان البلوشيان الرئيسيان في إيران—جيش العدل وأنصار الفرقان—هجماتهما مطالبَين بمزيد من المجندين السنة.
وثمة مخاطرة أخرى تتمثل في احتمال الدعوة إلى قيام دولة أذربيجانية موسّعة تشمل المناطق ذات الأغلبية الأذرية في إيران، وهو ما سيُشعل حتماً مواجهة عسكرية بين البلدين. ويلقى مفهوم الانفصالية في رحبه الأوسع انتقاداً من المعارضة الإيرانية التقليدية في المهجر، ومن أبناء الأغلبية الفارسية في الداخل.
وعلى صعيد الإرهاب، يُمثّل "ولاية" تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان (إيساكب / ISKP) خطراً جسيماً. فقد نفّذ التنظيم بالفعل ثلاثة هجمات كبرى في إيران خلال السنوات الأخيرة، راح ضحيتها مئات الأشخاص. واستعان تنظيم خراسان بشبكاته في منطقة أفغانستان-باكستان وفي تركيا لتنفيذ هذه الهجمات وأخرى جرى إحباطها. وعلى الرغم من استبعاد أن يحظى الفرع بدعم شعبي واسع، فإنه قادر على زعزعة الاستقرار في أرجاء البلاد.
وفي الحرب الإيرانية الجارية، نفّذت وكلاء الجمهورية الإسلامية وأنصارها المباشرون ضربات صاروخية بارزة استهدفت البحرين وكردستان العراق والأردن والكويت وسوريا. كما طالت الهجماتُ المنشآتِ الدبلوماسية الأمريكية في البحرين والعراق وباكستان، وربما في كندا والنرويج. وفي بلجيكا، تبنّت مجموعة موالية لإيران هجوماً على معبد يهودي. وتأتي هذه الأنشطة في سياق إعلانات أمريكية تُفيد بأن إيران تُفعّل خلايا نائمة في الغرب. وقد تُشبه المؤامرات الناجمة عن ذلك محاولة اغتيال السفير السعودي الفاشلة في جورجتاون عام 2011، أو هجوم الطعن الذي تعرّض له الكاتب سلمان رشدي في غرب نيويورك عام 2022. وقد يُلهَم أفراد كذلك للتصرف بدوافع دينية أو رفضاً للسياسة الخارجية الأمريكية على غرار نموذج تنظيم الدولة الإسلامية، كما فعل منفّذ هجوم أوستن في آذار/مارس 2026 الذي أودى بحياة أربعة أشخاص وأصاب خمسة عشر آخرين.
ما ينبغي للمسؤولين فعله... وما ينبغي تجنّبه
إدراكاً بأن مستجدات المسرح الأفغاني-الباكستاني ستؤثر على الوضع في إيران والعكس صحيح، يتعين على المسؤولين الأمريكيين ضمان التنسيق السياسي بين الصوامع المختلفة داخل الجهاز الأمني القومي. فعلى الرغم من أن هذه الجغرافيات تندرج ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، فإن البيروقراطية قد تعوق التنسيق داخل وزارة الخارجية والوكالات الأخرى المنظّمة بصورة أكثر تخصصاً حسب المناطق.
• فيما يخص باكستان، يستلزم ذلك الانخراط الدبلوماسي الهادف إلى تفكيك نهائي لمفهوم طالبان "الجيدة" في مقابل طالبان "السيئة". وينبغي لواشنطن أيضاً استكشاف تعميق التعاون الاستخباراتي في مجال مكافحة الإرهاب مع إسلام آباد، مع إمكانية العرض باستئناف الضربات بالطائرات المسيّرة في منطقة أفغانستان-باكستان للتصدي للتهديدات الصادرة عن الجماعات التي تستهدف الأمن الباكستاني والإقليمي والعالمي على حدٍّ سواء.
• فيما يخص إيران، يجب على واشنطن إدراك أن دولة تعصف بها حرب أهلية ستُضاعف من مخاطر الإرهاب الصادر عن تنظيم خراسان. ويتعين على الولايات المتحدة بالتالي دفع باكستان وتركيا نحو تعاون أوثق في مواجهة التهديد الإقليمي لتنظيم خراسان، مراعاةً للقيود المفروضة على التعامل الأمريكي مع إيران وأفغانستان حيال هذه المسائل. وقد يُسهم تعزيز أمن الحدود في كلا البلدين في الحد من التنقل المحتمل لعناصر التنظيم.
كذلك ينبغي على الولايات المتحدة تجنّب أشكال معينة من الانخراط، ولا سيما دعم مشاريع الانفصال التي قد تُفضي إلى تقويض الدولة الإيرانية في حال انهيار الجمهورية الإسلامية أو الحرس الثوري الإيراني. وانطلاقاً من الدروس المستخلصة حديثاً من تجربة سوريا المنكسرة، ينبغي لواشنطن أن تتعامل مع إيران بنظرة شاملة، ولا تسعى إلى تفتيتها، إذ إن ذلك قد يُفضي إلى سنوات من الاقتتال الداخلي وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وفي الختام، يتعين على الولايات المتحدة حماية منشآتها الدبلوماسية ومصالحها الاقتصادية في مواجهة التهديدات المتصاعدة. ويستلزم ذلك تعزيز أمن حلفائها في أنحاء العالم حيث سبق لإيران أن دبّرت هجمات. وللحيلولة دون وقوع هجمات على الأراضي الأمريكية، ينبغي للولايات المتحدة دفع عجلة تبادل المعلومات بين مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وجهات إنفاذ القانون المحلية بشأن التهديدات العاجلة الصادرة عن الجهاديين السنة والشيعة على حدٍّ سواء.
ومهما آلت إليه مسارات الصراعَين في أفغانستان-باكستان وإيران، يتعين على الولايات المتحدة استحضار دروس مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر المتعلقة بالإرهاب والتمرد، حتى وإن بدا مشهد التهديدات مغايراً اليوم. وإلا فإنها تُخاطر بتكرار الأخطاء ذاتها التي ارتُكبت في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وغيرها.