- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4120
اتفاقية غزة "للمرحلة الأولى": تقييمات وتداعيات
خمسة خبراء ومسؤولون رفيعو المستوى سابقون يناقشون طيف الفرص والمخاطر التي أفرزها الإنجاز الدبلوماسي لإدارة ترامب.
في العاشر من أكتوبر، استضاف معهد واشنطن منتدىً للسياسات شارك فيه كلٌّ من مايكل هرتسوغ، وغيث العمري، وديفيد ماكوفسكي، ونعومي نيومان، ونيكولاي ملادينوف.
فيما يلي ملخصٌ أعدّه المقررون لمداخلاتهم.
مايكل هرتسوغ
تجتاح إسرائيلَ موجةٌ عارمة من البهجة والارتياح ترقّباً للإفراج المرتقب عن الرهائن، إذ باتت قضيتهم جرحاً نازفاً في المجتمع الإسرائيلي، وقد يُتيح عودتهم بدءَ مسيرة الشفاء والتعافي.
ما الذي جعل هذه الصفقة ممكنة خلافاً للجهود السابقة؟ ببساطة، أدركت إدارة ترامب أن الظروف قد نضجت على الجانبين، فانتهزت اللحظة وأحكمت ربط الأطراف بالاتفاق من خلال مزيجٍ محسوب من الحوافز والضغوط، مُقنِعةً إياها بأن مواصلة الحرب لن تجلب سوى المزيد من الخسائر. وقد أطلق الوسطاء عجلة الخطة بالتركيز على المرحلة الأولى التي تعالج المخاوف الفورية، كوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن وإعادة انتشار جيش الدفاع الإسرائيلي والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، مع تأجيل القضايا الأكثر خلافاً إلى مراحل لاحقة كنزع سلاح حماس وإزاحتها من السلطة.
وجدت الخطة الأمريكية حماسَ منهكةً تحت وطأة الضغط العسكري الإسرائيلي المتواصل، مهدَّدةً بشن هجوم أشمل على معقلها في مدينة غزة. وأضافت واشنطن إلى ذلك ضغطاً سياسياً مكثفاً من جبهة عربية وإسلامية موحّدة تتصدّرها قطر وتركيا، مع تقديم حافز الإعلان عن نهاية الحرب مع إبقاء المراحل التالية مفتوحة.
أما إسرائيل، فقد وجدت في خطة ترامب مخرجاً من مأزقها. فبعد عامين من الحرب، بات واضحاً أن تحقيق هدفَي القضاء على حماس عسكرياً وسياسياً وتحرير جميع الرهائن في آنٍ واحد أمرٌ بالغ الصعوبة يستلزم وقتاً طويلاً. وفي غضون ذلك، دفعت الحرب المطوّلة ثمناً باهظاً: مجتمعٌ منقسم على نفسه حول مسار الحرب، وتراجعٌ غير مسبوق في المكانة الدولية. وجاءت الاتفاقية لتنسجم مع توجّهات غالبية الإسرائيليين: تحرير الرهائن أولاً، وإتمام تفكيك حماس لاحقاً. وقد أمكن للحكومة القبول بهذا التوجّه لأن الاتفاق يكفل الإفراج المبكر عن جميع الرهائن أو على الأقل الأحياء منهم، مع الإبقاء على سيطرة الجيش الإسرائيلي على معظم الأراضي الغزية في المرحلة الراهنة.
بيد أن تحدياتٍ جسيمة تلوح في المراحل القادمة، في مقدّمتها خطر الانزلاق مجدداً نحو الحرب، مما يستدعي استمرار الانخراط الأمريكي الفاعل. كما تُثير الأدوار التركية والقطرية في التنفيذ قلقاً حقيقياً نظراً لدعمهما حماس وعدائهما لإسرائيل، لا سيما في الحالة التركية. غير أن إسرائيل تُدرك مكانتهما بوصفهما شريكين قويَّين للولايات المتحدة يملكان نفوذاً حقيقياً على حماس، مما يُبرز أهمية انخراط شركاء عرب أكثر تنسيقاً مع إسرائيل، كالإمارات العربية المتحدة.
غيث العمري
الغياب اللافت للسلطة الفلسطينية وشركائها العرب عن محادثات وقف إطلاق النار ليس مفاجئاً، ولا يُشكّل مصدر قلق في هذه المرحلة المبكرة. فضعف السلطة الدبلوماسي طوال سنوات الحرب إنما يعكس اختلالاتٍ هيكلية عميقة تستوجب إصلاحاً شاملاً وتجديداً حقيقياً. وإعادة إحياء السلطة تبدأ بخطوة لا مفرّ منها: رحيل الرئيس محمود عباس، الذي يراه كثيرٌ من الفلسطينيين فاسداً وعاجزاً ومنفصلاً عن الواقع. والقيادة البديلة مطالَبة بالنزاهة الأخلاقية، والجدية في إصلاح المؤسسات المتداعية، واستعادة الثقة المفقودة مع الشعب والشركاء الإقليميين والولايات المتحدة. وفي غياب سلطة فلسطينية قوية، لن تتردد حماس في ملء الفراغ وترسيخ نفسها محاوراً رئيسياً للمجتمع الدولي.
تعتزم مصر استضافة حوارٍ وطني فلسطيني يتناول حوكمة غزة ونزع سلاح حماس، لكن مجرد إشراك حماس في هذه المحادثات يؤكد أنها لا تزال قادرةً على تشكيل مسار الخطاب والحفاظ على ثقلها في المشهد ما بعد الحرب. لذا يغدو انخراط السعودية والإمارات في ترتيبات هذه المرحلة ضرورةً لا غنى عنها لموازنة نفوذ تركيا وقطر المنحازتين لحماس. وقد يستلزم هذا ضغطاً أمريكياً مباشراً للتغلب على التحفّظات التي تُبديها هذه الدول إزاء الانخراط في ملف "اليوم التالي".
ديفيد ماكوفسكي
نجحت جهود الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في غزة إلى حدٍّ بعيد بدعمٍ شعبي إسرائيلي واسع كشفت عنه استطلاعات الرأي المتواصلة. ومع اقتراب موعد الانتخابات، سيحرص نتنياهو على بناء رواية تُقدّم الجهد الحربي المطوّل وعمليات الاستهداف التي طالت قيادات أعداء إسرائيل الإقليميين باعتبارها السبب الرئيسي في تحوّل موازين القوى لصالح تل أبيب. وستقوم حملته على ثلاثة أعمدة: الإنجاز الأمني، والشراكة المحورية مع ترامب، ووعودٌ بالتطبيع مع الرياض. في المقابل، سيُجادل خصومه بأن نفوذ ترامب هو الذي حسم المفاوضات، وأن القبول بصفقة مبكرة مماثلة كان سيُوفّر أرواح جنود كثيرين ويصون مكانة إسرائيل الدولية.
والجدير بالذكر أن احتمال إجراء انتخابات مبكرة يعني أن نتنياهو سيكون أقل تقييداً من تهديد انهيار ائتلافه مما كان عليه من قبل. وتبقى تساؤلات جوهرية معلّقة مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ: هل ستُسهم القوة الدولية في نزع سلاح حماس؟ وما نطاق الانسحاب الإسرائيلي من غزة وجدوله الزمني؟ ستسعى إسرائيل على الأرجح للاحتفاظ بحرية العمل العسكري ضد الحركة، وإن كانت التفاصيل المتعلقة بهذه المسائل لا تزال ضبابية.
نعومي نيومان
أوقف وقف إطلاق النار المواجهات في غزة، لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل تمرّ حماس بتحوّل حقيقي، أم أنها تقف عند محطة تكتيكية لإعادة ترتيب صفوفها؟ حماس حركةٌ براغماتية لا معتدلة، تلجأ إلى السياسة حين تعجز المقاومة المسلحة عن تحقيق هدفها الثابت: قيادة النضال الفلسطيني والإضرار بدولة إسرائيل.
مرونة حماس الأخيرة في المفاوضات جاءت محكومةً بعوامل ثلاثة: الضغط المتراكم من الحملة العسكرية الإسرائيلية التي أنهكت قدراتها، والخشية من ردّ فعل شعبي عنيف حال رفض الصفقة، والحرص على تفادي تحمّل المسؤولية الدولية عن فشل المحادثات في ظل ضغوط إدارة ترامب وعدد من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدّمتها تركيا وقطر.
وفي المحصّلة، خرجت حماس بثلاثة مكاسب استراتيجية: إجهاض مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، واستقطاب دعمٍ دولي واسع للقضية الفلسطينية، وانتزاع الإفراج عن كبار الأسرى الذين يُمثّلون رصيداً بشرياً ثميناً وقيادات محتملة للمستقبل. وفوق ذلك، اكتسبت حماس شرعيةً رمزية بوصفها الممثل الفلسطيني الوحيد على طاولة المفاوضات، فيما أسهم غياب الرئيس محمود عباس عن الاتفاق في تعميق هذه الصورة وترسيخ رواية أن حماس وحدها الجديرة بقيادة الشعب الفلسطيني.
نيكولاي ملادينوف
أفلح مخطط ترامب المؤلّف من عشرين نقطة في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة كثيرة: تسخير الثقل الدبلوماسي الأمريكي كاملاً لإنهاء الحرب. المصداقية التي أضفتها القيادة الأمريكية على المسار، مضافةً إلى الدعم العربي والإسلامي الواسع، كانت مفتاح النجاح. والخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمةٍ جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل.
غير أن استجابة حماس التي تجاهلت المطالب بنزع السلاح ووقف التطرف تُذكّر بأن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار. ويستلزم ذلك انخراطاً أمريكياً مستداماً، واستعداداً أوروبياً وإقليمياً للمساهمة بالأموال والقوات. والمسار الأجدى لمنع انبعاث حماس هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن يُنشئ قوةً متعددة الجنسيات بتفويضٍ يتجاوز النمط التقليدي لعمليات حفظ السلام، يُخوّلها مواجهة أي تمرد في غزة بحزمٍ وفاعلية. المسابقة مع الوقت لبناء إطار أمني وحوكمي موثوق قبل أن تُعيد حماس بناء نفسها ينبغي أن تكون على رأس أولويات المجتمع الدولي اليوم.
أعدّ هذا الملخص كلٌّ من نافا غولدشتاين وزاك أبت. منتدى السياسات مستمر بفضل الدعم السخي من عائلة فلورنس وروبرت كوفمان.