- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4169
"اتفاق جيد" مع إيران؟ متطلبات منع اندلاع أزمة نووية في المستقبل
بغض النظر عن المخاوف السياسية الغربية العميقة بشأن إيران - بما في ذلك دعمها لجماعات مسلحة مصنفة إرهابية، وتصعيدها المباشر وغير المباشر ضد إسرائيل ودول الخليج، وممارستها العنف الوحشي ضد شعبها - ما هي الشروط النووية التي يجب على المفاوضين الإصرار عليها لتفادي تكرار أوجه القصور التي شابت "خطة العمل الشاملة المشتركة" ومنع النظام من امتلاك سلاح نووي على المدى الطويل؟
على مدى أكثر من عقدين، انطلقت الدبلوماسية الدولية من هدف واضح يتمثل في منع طهران من تطوير قدرات نووية عسكرية. ورغم أن هذا الهدف لا يزال قائماً، فإن التحولات التقنية والعسكرية التي أظهرتها إيران مؤخراً غيرت بشكل جذري السياق الاستراتيجي لأي جهود دبلوماسية جديدة بشأن هذه القضية. إذ، تظهر الهجمات الصاروخية الباليستية المباشرة التي يشنها النظام ضد السكان المدنيين الإسرائيليين أن برنامج الصواريخ الخاص به ليس مجرد ملحق نظري لطموحاته النووية، بل أداة عملية للضغط العسكري والسياسي. لذلك، لا يمكن لأي اتفاق جديد أن يكتفي بإبطاء تقدم إيران النووي وتمديد الجداول الزمنية الافتراضية لتجاوز العتبة النووية، بل يجب أن يمنع، بشكل هيكلي ولا رجعة فيه، إمكانية تجاوز هذه العتبة بسرعة، جزئيًا عبر تقييد الجهود الرامية إلى دمج الأنشطة النووية ببرامج تطوير الصواريخ.
أهداف ونطاق المفاوضات
السؤال السياسي المركزي بالنسبة للولايات المتحدة هو ما إذا كان ينبغي أن تقتصر المحادثات المتجددة على الأنشطة النووية أم يتم توسيعها لتشمل تطورات إيران في مجال الصواريخ، ورعايتها للوكلاء الإقليميين، وأجهزتها القمعية الوحشية، وما إلى ذلك. إن الإجابة عن هذا السؤال تثير معضلة: فمن المرجح أن ترفض طهران أي قيود جوهرية في هذه المجالات، لكن استبعادها من المفاوضات سيكون بمثابة إطالة أمد ثغرة استراتيجية خطيرة في استراتيجية الحلفاء تجاه إيران. وبدلاً من محاولة حل هذه المعضلة الأوسع نطاقاً، تركز المبادئ التوجيهية أدناه حصرياً على الشروط المطلوبة لاتفاق نووي فعال، مع إضافة مهمة واحدة: تشمل إدراج أحكام جادة تتعلق بالصواريخ ومرتبطة بالتكامل النووي ونقل الأسلحة.
بشكل عام، يتطلب القضاء على قدرة إيران على الانطلاق النووي السريع وتسليحه فرض قيود هيكلية دائمة، وآليات تحقق تدخّلية ومستمرة، وإزالة المسارات التكنولوجية التي تسمح بالتصعيد السريع من القدرات النووية المدنية إلى العسكرية. وأحد الدروس الرئيسية المستفادة من العقدين الماضيين هو أنه لا مجال للتساهل عندما يتعلق الأمر بتقييد الأنشطة النووية الإيرانية. فقد أثبتت الأطر الزمنية التي بدت طويلة في الاتفاقات السابقة، مثل "خطة العمل الشاملة المشتركة" لعام 2015، أنها قصيرة من الناحية الاستراتيجية، ويرجع ذلك جزئياً إلى التغيرات السياسية الكبرى بين الإدارات الأمريكية، رغم أن العديد من المراقبين جادلوا بأن الشروط الأصلية لتلك الاتفاقية كانت ستكون قصيرة للغاية، حتى لو سُمح لها بالاستمرار حتى نهايتها.
مهما يكن من أمر، فقد تمكّنت إيران من الحفاظ على المعرفة النووية الحيوية، وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة لتخصيب اليورانيوم بوتيرة أسرع، والحفاظ على خياراتها المستقبلية للانطلاق - وهي قدرات تضررت بشكل كبير، لكنها تراجعت جزئياً فقط بفعل الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية للبرنامج. وفي الوقت نفسه، أدى التردد الأوروبي المطول في تفعيل آلية "العودة "للعقوبات النووية التابعة للأمم المتحدة إلى جعلها غير فعالة. لذلك، ينبغي أن يستند أي إطار مستقبلي إلى الوقاية الهيكلية بدلاً من الإنفاذ السياسي الاختياري أو الافتراض بأن الجمهورية الإسلامية ستتحول إلى الاعتدال.
متطلبات الإطار النووي المقبل
- جدول زمني أطول بكثير. كان أحد أخطر عيوب "خطة العمل الشاملة المشتركة" هو أنها تقبّلت مبدأ إرساء مسارات معتمدة قانونًا تُفضي إلى امتلاك قدرة نووية على النطاق الصناعي - وفي توقيت أبكر بكثير مما اعتبره المراقبون مناسبًا، قياسًا بطبيعة النظام الإيراني وتوجهاته في السياسة الخارجية. ومن ثم، ينبغي لأي ترتيب مستقبلي أن يتضمن شروطاً أطول بكثير - خمسين عاماً على الأقل – دون وجود بنود انقضاء قصيرة الأجل تمكّن برنامج طهران النووي من اكتساب الشرعية وإعادة بناء قدراته الكاملة في غضون عقد من الزمن.
- حظر أجهزة الطرد المركزي المتقدمة. بمرور الوقت، فتح التقدم الذي أُتيح لإيران في مجال تكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي المتقدمة أمامها الطريق لتجاوز العتبة النووية بسرعة. لذلك، يجب أن يتضمن الإطار المستقبلي حظراً مطلقاً على إنتاج أو تشغيل أو تخزين أجهزة الطرد المركزي المتقدمة - ليس فقط النماذج الافتراضية المستقبلية، بل أيضاً النماذج الإيرانية الحالية مثل IR-2) وIR-4 وIR-6 و. (IR-8. ويجب تطبيق هذا الحظر لفترة زمنية أطول بكثير، كما ذُكر أعلاه، وأن يشمل التفكيك الكامل للبنية التحتية الصناعية ذات الصلة، ومرافق تصنيع المكونات، وشبكات الشراء.
- حظر مطلق على البحث والتطوير في مجال التخصيب. لمنع القدرة الكامنة لإيران على تجاوز العتبة النووية، يجب منعها من إجراء أي بحث وتطوير في تقنيات التخصيب ودورة الوقود طوال مدة الاتفاق (الأطول)، بما في ذلك التسلسلات التجريبية ومرافق التخصيب التجريبية والمحاكاة. ويجب أن يمتد هذا الحظر ليشمل الجامعات ومعاهد البحوث (انظر مناقشة التحقق أدناه لمعرفة كيفية تطبيق ذلك).
- التخصيب والتخزين الصفري أو المحدود. المعيار المفضل هو عدم إجراء أي تخصيب على الأراضي الإيرانية طوال مدة الاتفاق - أي أن أي كميات محدودة من الوقود النووي التي قد تحتاجها البلاد لتلبية احتياجاتها المدنية المستقبلية يجب توفيرها من الخارج. ومع ذلك، إذا ثبت أن هذا الأمر غير قابل للتحقيق سياسياً، يمكن وضع حد أقصى للتخصيب عند مستويات منخفضة تحت إشراف دولي مستمر، مع الاحتفاظ بمخزونات المواد الانشطارية أقل بكثير من عتبة الانطلاق، وإخضاع أي مواد زائدة للتصدير الإلزامي. كما يجب مناقشة الحدود الدقيقة للمخزونات على المستوى الفني؛ (لمزيد من المعلومات، اقرأ "إيران النووية: قائمة مصطلحات" الصادر عن معهد واشنطن).
- إغلاق المنشآت الحيوية. بعض المنشآت النووية تتعارض بطبيعتها مع إطار عمل يمنع تجاوز إيران العتبة النووية، ويجب تعطيلها بشكل دائم، بما في ذلك أي مواقع تم بناؤها على عمق معين تحت الأرض. كما سيتم تحديد هذا العمق من قبل المفاوضين بناءً على تقييمات الخبراء. ويجب أن يكون التفكيك الدائم والإغلاق جزءاً من هذه العملية.
- وضع نظام تحقق مستمر وتدخلي. يجب أن يتجاوز التحقق من الأنشطة النووية الإيرانية المستقبلية الرقابة التقليدية على الأسلحة ويقترب من معايير الشفافية في منع الانتشار. عملياً، يتطلب ذلك مراقبة مستمرة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ ومراقبة المؤسسات الأكاديمية والعلماء وسلاسل التوريد والمنشآت المشاركة في إنتاج وتجميع أجهزة الطرد المركزي (بالطرق والتفاصيل الأخرى التي يحددها المفاوضون)؛ والوصول دون إشعار مسبق؛ وإجراء مقابلات مع الموظفين النوويين الإيرانيين حسب الحاجة؛ والمراقبة الرقمية عن بُعد في الوقت الفعلي. لقد تم تضمين معظم هذه العناصر في "خطة العمل الشاملة المشتركة"، لذا يجب على المفاوضين التركيز بشكل أكبر على الشرطين الجديدين: الوصول دون إشعار مسبق، والمراقبة عن بُعد في الوقت الفعلي من قبل موظفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الموجودين في الخارج، وكلاهما عارضته طهران خلال محادثات عام 2015.
- عدم التكامل بين الأعمال الصاروخية والنووية. يجب أن يشمل الإطار المضاد لتجاوز العتبة النووية مراقبة جميع الأنشطة التي قد تسمح بالتكامل بين تقنيات الصواريخ والبرنامج النووي العسكري. كما ينبغي حظر التجارب المتعلقة بالرؤوس الحربية والمحاكاة الهيدروديناميكية والنمذجة الحاسوبية للأسلحة النووية، وكذلك حظر شراء أي مواد قد تدعم التسلح (انظر على سبيل المثال الفقرتين 5 و6 من "المبادئ التوجيهية لنقل المعدات ذات الاستخدام المزدوج المتعلقة بالطاقة النووية " الصادرة عن مجموعة موردي المواد النووية، والتي تتضمن تعريفات واسعة جداً للمواد المقيدة). بالإضافة إلى ذلك، يجب فرض حظر شامل على تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBM) نظراً لأهمية هذه القدرة المباشرة لأمن الولايات المتحدة وأوروبا، واحتمال أن تتمكن إيران من الحصول عليها في غضون بضع سنوات في حالة عدم وجود قيود جديدة.
- هيكل عقوبات نووية متدرجة وقابلة للعكس. يجب أن يكون الاتفاق الجديد جزءاً من نظام عقوبات يشترط استمرار الامتثال القابل للتحقق من أجل منح أي إعفاء اقتصادي لإيران. كما يجب تجنب رفع العقوبات بشكل واسع النطاق عن كيانات معينة - لا سيما الحرس الثوري الإسلامي - ما لم يتم إثبات تفكيك البنية التحتية النووية والصاروخية بشكل هيكلي. وبالمثل، يجب وضع سقوف لتصدير الطاقة مع توسيع مشروط وتدريجي، ويجب أن يكون أي وصول إيراني إلى النظام المالي الغربي، بما في ذلك نظام ( SWIFT) محدوداً وقابلاً للعكس.
- والجدير بالذكر أنه إذا ركز الاتفاق المقبل حصرياً على القضايا النووية، فيجب أن يتبع ذلك تخفيف العقوبات، أي أن المسؤولين الإيرانيين يجب أن يدركوا أن العديد من العقوبات والتصنيفات الأخرى المفروضة على النظام بسبب الأنشطة الإرهابية وانتهاكات حقوق الإنسان وغسل الأموال وما إلى ذلك ستظل سارية بالضرورة، وأن البنوك الأجنبية والمؤسسات الخاصة الأخرى ستتصرف وفقاً لذلك.
الجدوى مقابل الكفاية الاستراتيجية
يعكس الإطار أعلاه الحد الأدنى اللازم من الناحية الاستراتيجية لمنع إيران من تجاوز العتبة النووية، وليس ما قد تكون طهران مستعدة لتقبله. وبغض النظر عن جدواه الدبلوماسية، فإن أي اتفاق لا يلتزم بهذه القيود الهيكلية قد يؤخر تجاوز العتبة النووية، لكنه لن يمنعه، وبالتالي يعيد إنتاج أوجه القصور الجوهرية في "خطة العمل الشاملة المشتركة".
لا ينبغي تعريف "الصفقة الجيدة" مع إيران من منظور دبلوماسي أو من منظور التهدئة قصيرة الأجل، بل يجب أن تُقاس بمدى قدرتها على إلغاء قدرة النظام بشكل دائم على الانتقال السريع من الأنشطة النووية المدنية إلى القدرة النووية العسكرية. ويشمل هذا التعريف بالضرورة قيوداً على أي أنشطة صاروخية إيرانية قد تسهل الإكراه النووي. وأي اتفاق لا يفي بهذه التعريفات قد يمنح طهران الوقت والشرعية والتقدم التكنولوجي الذي تحتاجه لتحقيق قدرات نووية عسكرية في المستقبل.
زوهار بالتاي هو زميل معهد واشنطن الدولي في برنامج فيتيربي. شغل سابقاً منصب رئيس مديرية المخابرات في الموساد ورئيس مكتب السياسة والشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية.