- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4246
التوصل إلى ترتيبات إدارية عملية في مضيق هرمز
يتحتم على أي نظام لما بعد الحرب أن يحافظ على نظام "المرور العابر"، وأن يتيح للسفن استئناف استخدام المسار الأصلي الذي أقرته المنظمة البحرية الدولية (IMO) بأمان، وأن يرفض أي محاولات لفرض رسوم إلزامية، أو منح إيران حق النقض، أو إقرار أي ترتيبات أخرى تهدف إلى تكريس سيطرتها الدائمة على أحد أهم ممرات الطاقة الحيوية في العالم.
منذ اندلاع الحرب مع إيران، أصبح مضيق هرمز أهم ورقة استراتيجية بيد طهران. فمن خلال إثارة حالة من عدم اليقين بشأن وجود ألغام في الممر المركزي التقليدي للمضيق، ومهاجمة أو تهديد السفن التي تستخدم الممر المحمي من قبل الولايات المتحدة عبر المياه العمانية، وإجبار حركة الملاحة التجارية على المرور عبر مياهها الإقليمية، نجحت السلطات الإيرانية فعلياً في فرض نظام ملاحي جديد. فقد أصبح نظام فصل حركة المرور (TSS) المعترف به دولياً، الذي اعتُمد في عام 1968 تحت رعاية المنظمة البحرية الدولية، غير قابل للملاحة فعلياً بالنسبة للعديد من المشغلين، بينما عمدت إيران إلى ترهيب البحارة لإجبارهم على الامتثال لتعليمات "الحرس الثوري الإسلامي" (IRGC)، وأظهرت استعدادها لضرب السفن التي لا ترضخ لشروطها (كما وثق ذلك متتبع الهجمات البحرية التابع لمعهد واشنطن).
وتسعى طهران الآن إلى تحويل هذا الواقع الذي فرضته الحرب إلى مكسب دائم. فبدلاً من الاكتفاء بالمشاركة في الترتيبات التي يبادر إليها الآخرون، تريد إيران أن تضطلع بدور مهيمن، أو على الأقل بدور قيادي، في أي إدارة مستقبلية للمضيق. ويتجلى هذا الطموح في رفضها مؤخراً للمقترح العماني بشأن الإدارة الإقليمية، الذي حظي وفقاً للتقارير بدعم من دول خليجية أخرى. ويبدو أن هذا الاقتراح مستوحى بشكل عام من آلية التعاون المنشأة في مضيق ملقا، والتي تركز على سلامة الملاحة، وحماية البيئة، وتقديم مساهمات طوعية مقابل خدمات المساعدة في الملاحة، بما يتماشى مع المادة 43 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS). في المقابل، تصر إيران على أن إدارة مضيق هرمز يجب أن تقتصر على الدولتين الساحليتين، إيران وسلطنة عُمان، مع احتفاظ طهران بالكلمة الفصل بشأن السفن المسموح لها بدخول الخليج الفارسي والخروج منه.
تؤكد بيانات الشحن البحرية الحديثة نوايا إيران، فبعد انهيار مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة واستئناف أعمال العنف في أوائل تموز/يوليو ، انخفضت حركة مرور الناقلات عبر الممر العماني انخفاضاً حاداً. وكان إجمالي عدد العبور قد ارتفع إلى ما يقارب 45 سفينة في اليوم في المتوسط عقب مذكرة حزيران/يونيو ، لكنه انخفض بشكل حاد إلى حوالي 13 سفينة في اليوم بعد انهيارها. وبالمثل، تُظهر بيانات Lloyd’s List) Intelligence (انخفاضاً كبيراً في إجمالي عمليات العبور التجارية بعد 7 تموز/يوليو، عندما هاجمت إيران ثلاث ناقلات محملة (اثنتان تحملان النفط الخام، وواحدة تحمل الغاز الطبيعي المسال) أثناء استخدامها للمسار العماني. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، يبدو أن عدداً أكبر من السفن يستخدم الممرات الإيرانية جنوب جزيرة لاراك مقارنة بالممر العماني، كما استمر عدد عمليات العبور "المجهولة" (أي السفن التي لا تبث بيانات نظام التعرف الآلي) في الازدياد. وفي أوقات مختلفة، قامت إيران أيضاً بتوجيه السفن عبر مسار أكثر شمالاً بين جزيرتي لاراك وقشم.
ومن الجدير بالذكر بشكل خاص عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال Al Areesh (رقم التعريف IMO 9325697) في 29 تموز/يوليو، وهي سفينة مرتبطة بشركة "قطر للطاقة"، خرجت من المنطقة عبر ممر خاضع للسيطرة الإيرانية. وكان هذا أول عبور لناقلة غاز طبيعي مسال مرتبطة بقطر عبر مضيق هرمز منذ 7 تموز/يوليو، عندما تعرضت السفينة "الركيات" (رقم التعريف IMO 9397339) لهجوم قبالة سواحل ليماه في عُمان، أثناء محاولتها الإبحار عبر المسار العماني. وقد أشارت هذه التطورات إلى أن الدوحة وغيرها من كبار مصدري الطاقة معرضون عملياً لتكتيكات طهران القسرية، حتى في الوقت الذي يضغطون فيه من أجل ترتيبات أكثر صلابة من الناحية القانونية من حيث المبدأ.
وفي الوقت نفسه، تعرضت أربع سفن أخرى على الأقل للهجوم منذ 31 تموز/يوليو، ولا تزال مئات السفن الأخرى وآلاف البحارة عالقين في الخليج منذ تعليق خطة الإجلاء التي وضعتها المنظمة البحرية الدولية في 25 حزيران/يونيو. وتُظهر هذه الاتجاهات عزم إيران على توجيه حركة الملاحة عبر المسارات التي يمكنها التأثير فيها، مع إظهار الممر الجنوبي الذي توفره الولايات المتحدة على أنه غير آمن.
السياق التاريخي والقانوني
منذ عام 1968، تخضع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لنظام فصل حركة المرور الذي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية، ويتألف من مسارين للدخول والخروج، يبلغ عرض كل منهما ميلين بحريين، ويفصل بينهما ممر فصل بعرض ميلين. يقع هذا النظام بأكمله داخل المياه الإقليمية العمانية، ويعكس اتفاقية "الجرف" القاري بين إيران وعمان لعام 1968، التي حددت الخط الوسطي بحيث تقع القنوات المائية العميقة الصالحة للملاحة في معظمها على الجانب العماني. وأضاف تعديل عام 1979 منطقة ملاحة ساحلية أقرب إلى الساحل العماني على طول شبه جزيرة مسندم.
بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، يُعتبر مضيق هرمز مضيقاً دولياً يُستخدم للعبور "المستمر والسريع" (المواد 37-44). وبالتالي، فإن النظام الذي يحكمه هو نظام "المرور العابر"، الذي يُعرف قانونياً بأنه غير قابل للتعليق، وغير تمييزي، وخالٍ من أي ترخيص من الدولة أو رسوم مقابل مجرد فعل العبور. ولا يجوز للدول الساحلية اعتماد مخططات الفصل ولوائح السلامة إلا بالتشاور مع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، وفقط إذا كانت تلك التدابير لا تنتقص من حق المرور العابر (المواد 41-42).
وبطبيعة الحال، فإن إيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وقد رفضت منذ فترة طويلة نظام المرور العابر لصالح تفسير موسع لـ"المرور البريء"،استناداً إلى قانونها البحري لعام 1993. ووفقاً لهذا الرأي، يخضع المضيق للسيادة الكاملة للدولة الساحلية، بما في ذلك الحق النظري في تعليق المرور وفرض الحصول على إذن مسبق. في المقابل، تُعتبر عُمان طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) وتلتزم بواجبات المرور العابر غير التمييزي، الذي تعتبره معظم دول العالم قانوناً بحرياً عرفياً. ولذلك، تتردد مسقط في قبول أي ترتيب من شأنه تغيير مسار الممرات، أو فرض رسوم إلزامية على المرور نفسه، أو منح دولة ما حق النقض.
أهداف إيران وخطوطها الحمراء
يتمثل الهدف الاستراتيجي لطهران في السيطرة على الدخول إلى الخليج، سواء من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على "هيئة مضيق الخليج الفارسي" التي أنشأتها في أيار/مايو، أو عبر تنفيذ آلية لاحقة تتطلب من السفن الحصول على إذن إيراني للعبور، ودفع رسوم تُصور على أنها "رسوم خدمة"، وقبول بروتوكولات تحديد المسار والتفتيش التي تفرضها. وطوال فترة الحرب، أكد مسؤولون حكوميون وضباط في "الحرس الثوري الإيراني" مراراً وتكراراً أن العبور عبر مضيق هرمز لا يُسمح به إلا بإذن من طهران. وتخدم هذه الادعاءات أغراضاً عملياتية وتفاوضية على حد سواء: فهي تُظهر ما تبقى من قدرة إيران القسرية، وترفع التكلفة المتصورة لأي ترتيب يستبعد السيطرة الإيرانية. وعلى المدى القصير، توفر العمليات العسكرية ومخاطر زمن الحرب (مثل الألغام المشتبه بها والذخائر غير المنفجرة) لطهران مبرراً مؤقتاً لتغيير تدابير إدارة حركة المرور، لا سيما في ظل التأخيرات المستمرة في عمليات إزالة الألغام.
وكما أشير أعلاه، فإن الوضع النهائي الذي تفضله طهران هو إقامة إطار ثنائي بين إيران وعُمان يستبعد الرقابة الدولية، ويعامل الدولتين الساحليتين باعتبارهما صانعي القرار الوحيدين. ومنذ حزيران/يونيو، وصف وزير الخارجية عباس عراقجي المناقشات مع مسقط بأنها ممارسة لـ "حقهما الطبيعي "في تنسيق ترتيبات المرور الآمن والاحتفاظ بالسلطة النهائية لإيران وعُمان وحدهما. ومن خلال تصوير استراتيجيتها على أنها تعاون ثنائي براغماتي، تحاول طهران تبرير ما يمكن اعتباره استيلاء أحادي الجانب على السلطة. علاوة على ذلك، أشار مسؤول إيراني لم يُذكر اسمه، نقلت عنه مؤخراً وكالة أنباء فارس التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني"، إلى أنه، بغض النظر عن أي اتفاق مع عُمان، تعتزم طهران إبقاء المضيق مغلقاً حتى تقوم الولايات المتحدة برفع حصارها البحري، وإلغاء العقوبات المفروضة على النفط والبتروكيماويات، وإطلاق سراح أصول النظام المجمدة.
يبدو أن هذه الخطوط الحمراء صارمة. بعد رفض مفهوم "الاتحاد الإقليمي" الذي طرحته عُمان، قدمت إيران اقتراحاً مضاداً يقضي بأن يكون الممر الداخلي بأكمله وأجزاء من الممر الخارجي ضمن مياهها الإقليمية، الأمر الذي يمنحها عملياً السيطرة المادية على كلا مساري المرور الرئيسيين. ومع ذلك، ولأسباب ستُناقش أدناه، فإن منح إيران السيطرة على ممر بأكمله يجب أن يكون أمراً غير وارد بالنسبة للولايات المتحدة، حتى لو اقتصر ذلك على أجزاء من المسار فقط.
توصيات سياسية
- ينبغي أن تكون الأولوية الفورية لواشنطن وشركائها هي تفعيل خطة مركزة ومحددة زمنياً لمرافقة مئات السفن التجارية التي لا تزال عالقة في الخليج الفارسي. ولإعادة استئناف حركة المرور المحدودة في الاتجاهين على المدى القريب، وتخفيف الضغط على أسواق الطاقة، فإن المسار الأكثر عملية هو إنشاء آلية تنسيق منظمة بعناية مع إيران وعُمان، تعمل وفقاً للمبادئ الواردة أدناه وتدعمها قوات بحرية بقيادة الولايات المتحدة. ويمكن أن تستمر محادثات الحوكمة طويلة الأجل بالتوازي مع بدء تنفيذ هذه الأولويات الأولية. وطوال عملية الانتقال، ينبغي لإدارة ترامب حشد دول المنطقة والمجتمع الدولي الأوسع للقيام بما يلي:
- رفض أي محاولة إيرانية لتحويل الإكراه الذي مارسته خلال الحرب إلى سيطرة مهيمنة على الممر المائي.
- مواصلة دعم الترتيبات التي تحافظ على استمرارية الممر العماني حتى التوصل إلى حل دائم وتنفيذه.
- إعطاء الأولوية لاستئناف حركة مرور الناقلات في كلا الاتجاهين عبر المضيق. فقد كان التخفيف المؤقت الذي وفرته عمليات الإفراج الطارئة عن مخزونات النفط، وزيادة الإمدادات من مختلف المناطق، وغيرها من التدابير التخفيفية مفيداً، لكنه لا يمكن أن يدعم أمن الطاقة العالمي إلى الأبد - لا سيما إذا أدت التوترات المتجددة في البحر الأحمر إلى مزيد من الاضطراب في الأسواق.
- ضمان أن تستند أي ترتيبات طويلة الأجل إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الحفاظ على حرية الملاحة بما يتوافق مع نظام المرور العابر المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ؛ ورفض أي حق إيراني أحادي الجانب في منح التراخيص أو استخدام حق النقض (الفيتو) على الشحن التجاري؛ واتخاذ تدابير عملية للسلامة وإدارة حركة الملاحة تتوافق مع ولايات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمنظمة البحرية الدولية .
- الإصرار على عدم قبول أي آلية ثنائية بين إيران وعُمان ما لم (1) تُطور بالتشاور الوثيق مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج، (2) تظل مفتوحة بشكل دائم للمساهمات المناسبة من الدول المستخدمة الرئيسية والمنظمة البحرية الدولية، و(3) تؤكد صراحة نظام المرور العابر من دون أي أحكام تسمح بالتعليق أو التمييز أو الإذن المسبق الإلزامي. وينبغي للولايات المتحدة أن تنخرط بشكل بناء في أي إطار يفي بهذه الشروط، مع مواصلة أي عمليات عسكرية ضرورية لاستعادة حرية الملاحة وتعزيز النظام القانوني.
- الحفاظ على نظام فصل حركة المرور الذي كان سارياً قبل الحرب، والمفروض بموجب تفويض المنظمة البحرية الدولية ، باعتباره خط الأساس التشغيلي في المياه الإقليمية العمانية. ولا ينبغي النظر في أي تعديل للممر الداخلي باتجاه الشمال إلا كجزء من حزمة شاملة تقبل فيها إيران إشراف المنظمة البحرية الدولية على المخطط المعدل، وتعترف رسمياً بأن المرور العابر يعكس القانون الدولي العرفي. إن تغيير المسارات من دون هذه الالتزامات قد ينطوي على خطر تحويل الأنماط التشغيلية المؤقتة إلى نفوذ إيراني دائم.
- علاوة على ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن ترفض المطالب الإيرانية بنقل مسار الدخول بالكامل إلى داخل المياه الإقليمية الإيرانية. فمن شأن ذلك أن يضع السفن العابرة - بما في ذلك سفن البحرية الأمريكية - داخل منطقة محتملة للقبض عليها أو استهدافها من قبل "الحرس الثوري الإيراني"، ومحاطة بالسواحل الإيرانية من ثلاث جهات؛ ولذلك ينبغي استبعاد هذا الخيار لهذا السبب وحده. وسيكون الممر الداخلي الواقع في أقصى الجنوب - أي الذي يقع جزئياً في شريط ضيق من المياه الدولية الفاصلة بين المياه العمانية والإيرانية، وجزئياً في المياه الإقليمية الإيرانية - بديلاً أكثر قبولاً.
• يجب قصر أي رسوم على المدفوعات الطوعية مقابل خدمات فعلية مقدمة، مثل الإرشاد البحري، ومساعدة حركة المرور، والدعم الهيدروغرافي، وحماية البيئة، أو البحث والإنقاذ. ولا ينبغي فرض أي رسوم على مجرد ممارسة حق العبور. ومع ذلك، قد يكون فرض بعض الرسوم الطوعية مبرراً بالنظر إلى حقيقة أن مئات السفن التي لا تزال عالقة في الخليج ستحتاج إلى ضمانات أمنية قبل مغادرة المنطقة، حتى إذا أدى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى إنهاء الحرب. ومن المرجح أيضاً أن تحتاج هذه السفن إلى مرافقة و/أو توجيه لضمان الملاحة الآمنة.
وفي نهاية المطاف، توفر النماذج التي تجمع بين ممارسات السلامة التعاونية المستخدمة في مضيق ملقا وطابع العبور المفتوح لمضيق جبل طارق المرجع الأنسب لترتيبات دائمة ومتوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في مضيق هرمز. ونظراً للتكتيكات القسرية التي تنتهجها إيران ونواياها المعلنة بوضوح، فإن الترتيبات التي تدعم حق المرور العابر، وترفض السيطرة الأحادية أو الرسوم الإلزامية، وتحافظ على نظام فصل حركة الملاحة الحالي التابع للمنظمة البحرية الدولية كأساس مرجعي، هي وحدها القادرة على استعادة الملاحة الموثوقة عبر المضيق - وهو شرط أساسي لحماية المصالح التجارية العالمية والقانون الدولي.