- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4187
التنافس بين القوى العظمى خلال الحرب على إيران (وبعدها)
ثلاثة خبراء يرصدون كيف تتعامل موسكو وبكين والعواصم الأوروبية مع الأزمة، وما تكشفه خياراتهم عن مستقبل النظام العالمي.
في 18 آذار/مارس، نظّم معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضياً شارك فيه كلٌّ من آنا بورشفسكايا، وسهير مديني، وهنري توغيندهات، أدار الندوة غرانت روملي. وبورشفسكايا هي زميلة هارولد غرينسبون الأولى في برنامج المعهد "دايان وغيلفورد غليزر" حول التنافس بين القوى الكبرى والشرق الأوسط، والمؤلفة المشاركة لتقريره الأخير "ما بعد أوكرانيا: آفاق النفوذ الروسي في الشرق الأوسط". ومديني زميلة زائرة في المعهد، وهي في إجازة مهنية من وزارة الخارجية الفرنسية. أما توغيندهات فهو زميل صوريف في برنامج غليزر. فيما ما يلي ملخّص من إعداد المراقبين لملاحظاتهم.
آنا بورشفسكايا
ينبغي النظر إلى الموقف الروسي من الحرب على إيران—ومن النزاعات في الشرق الأوسط عموماً—من خلال منظور الهدف الأشمل لفلاديمير بوتين: إرساء نظام عالمي مغاير جوهرياً لا تهيمن عليه الولايات المتحدة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، تنتهج موسكو سياسة تحفّظ محسوبة تجاه الأزمة الراهنة، إذ تنتقد واشنطن علناً في حين تُقدّم لإيران دعماً سرياً يشمل صور الأقمار الصناعية وغيرها من المعلومات الاستخباراتية. ولا يرى بوتين مسوّغاً للانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أمريكا في السياق الإيراني؛ فمن منظوره، ثمة مكاسب آنية يمكن اقتناصها من هذه الحرب، أبرزها: ارتفاع أسعار النفط، وتخفيف إدارة ترامب المؤقت للعقوبات على روسيا، مما أضخّ في شرايين الحرب الروسية على أوكرانيا موارد كانت في أمسّ الحاجة إليها. فضلاً عن ذلك، قد تُعمّق أي شقوق محتملة في صفوف حلف الناتو نفوذَه عبر تفريق الولايات المتحدة وأوروبا وإضعافهما.
على صعيد الملف الأوكراني، تُلقي الحرب على إيران بتداعياتٍ فورية تتجلى في اتجاهين: أولاً، باتت روسيا تجني وفرة من عائدات النفط ستُوجَّه على الأرجح نحو قواتها المستنزفة في أوكرانيا. وثانياً، سارعت أوكرانيا إلى عرض خبرتها في مجال التصدي للطائرات المسيّرة الإيرانية على دول الخليج المحاصرة، مثبتةً أن كييف تمثّل رصيداً حقيقياً للغرب في هذه الأزمة وما قد يليها. بيد أنه ما دام الغرب—أوروبياً وأمريكياً—منقسماً ومنصرف الاهتمام نحو الشرق الأوسط، ستواصل روسيا ضغطها على أوكرانيا. فحتى حين لا يرقى الملف الأوكراني إلى مرتبة الأولوية القصوى لدى بعض الحكومات الغربية، يظل كلٌّ من موسكو وكييف متمسكَين بالانتصار تمسكاً تاماً.
كذلك تُتابع موسكو باهتمام بالغ مدى فاعلية الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بما فيها ضربات الاستهداف القيادي التي طالت قادة النظام. وقد اعتاد المسؤولون الروس على التمحيص في الحملات العسكرية الأمريكية الكبرى لاستخلاص الدروس اللازمة للتنافس المستقبلي، ويرجّح أن العملية الجارية تعزّز قناعتهم الراسخة بتفادي المواجهة المباشرة مع الجيش الأمريكي والمضي في استراتيجية الحرب غير المباشرة بديلاً. ومن ثَمّ، ستواصل روسيا البحث عن سبل تُرهق بها الولايات المتحدة وتستنزف ترسانتها الحربية وتمدد انتشارها العسكري حول العالم. وليس بوتين رهين الدورات الانتخابية القصيرة للديمقراطيات—بإمكانه خوض هذه اللعبة بعيدة المدى على نحوٍ عاجز عنه الرؤساء الأمريكيون. لذا، تستطيع موسكو تحمّل البقاء على الهامش من الحرب على إيران، فيما تدمج المعطيات الاستخباراتية الجديدة حول القدرات الأمريكية في صورتها الاستراتيجية بعيدة المدى.
يتسم النهج الروسي أيضاً بمرونة جوهرية؛ فقد سعى بوتين إلى التواصل مع القيادة السورية الجديدة بُعيد إطاحتها بشريكه النظام الأسدي. وقد يفسّر ذلك الهدوء النسبي الذي أبدته موسكو حيال احتمال تغيير النظام في إيران. حتى في حال—المتضائل احتماله—قيام حكومة موالية للغرب في طهران، فإن روسيا ستبادر على الأرجح إلى إرساء علاقات نافعة بسرعة.
خلاصة القول، يُتيح تفكير موسكو بعيد الأمد ونهجها المرن لها أن تحافظ على مسافتها من الأزمة الراهنة، في حين تستثمر الفوضى الناجمة عنها وتحصد مكاسبها الآنية. فروسيا تخوض، كالمعتاد، معركة كونية، وتبقى أهدافها الكبرى ثابتة حتى حين تتبدّل علاقاتها وظروفها في الشرق الأوسط.
سهير مديني
وجدت أوروبا نفسها منجرّةً إلى نزاع لم تبادر إليه ولم تكن تريده، وتضافرت ضغوط متعددة تدفع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى موقف بالغ الحرج. ففي 12 آذار/مارس، لقي جندي فرنسي حتفه وأُصيب آخرون في شمال العراق، حيث كانت وحدتهم منتشرة ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. وقبل أيام من ذلك، أفضى هجوم إيراني على قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي إلى نشر قوات في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كما رفعت دول أوروبية عدة مستوى انتشارها في إطار اتفاقيات دفاعية قائمة مع شركاء خليجيين. وفي الوقت ذاته، أسهم إغلاق مضيق هرمز في رفع أسعار الطاقة على المستهلكين الأوروبيين، مسلّطاً الضوء على استمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي على الوقود الأحفوري وتصاعد اهتمامه بالطاقة النووية والمتجددة بديلاً عنه. أما قرار إدارة ترامب منح روسيا إعفاءات من العقوبات—بحجة كبح ارتفاع أسعار النفط—فقد أثار استياء دول أوروبية عديدة، نظراً للانعكاسات المحتملة على الجهد الحربي الروسي في أوكرانيا.
في ظل هذه الضغوط، عجزت الحكومات الأوروبية عن تحديد حدود واضحة لتدخّلها. فقد رفضت المملكة المتحدة في البداية منح القوات الأمريكية حق الوصول إلى قواعدها، ثم تراجعت عن موقفها وأذنت بذلك لأغراض دفاعية—وإن كانت العمليات اللاحقة شملت تدمير منظومات الصواريخ الإيرانية داخل الأراضي الإيرانية مع تصنيف هذه الأعمال بوصفها دفاعية. في المقابل، رفضت إسبانيا رفضاً قاطعاً السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية المشتركة، مما جلب عليها انتقادات وتهديدات تجارية من إدارة ترامب.
وقد ضاعف مطالبةُ ترامب بتشكيل "تحالف جديد من الراغبين" لإعادة فتح مضيق هرمز، مقترنةً بانتقاداته الحادة لحلف الناتو، الضغطَ على العواصم الأوروبية. (ولافت أن تركيا العضو في الناتو لم تُذكر بالاسم في هذا السياق). فالحلف تحالف دفاعي بطبيعته، يقوم على مبدأ الدفاع المتبادل لا العمل الهجومي المشترك. ومع ذلك، سبق للناتو أن شارك في عمليات قتالية هجومية في المنطقة: ففي عام 2011 تدخّل في ليبيا، ثم انضم لاحقاً إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. غير أن كلا السابقتين أُسِّستا على "تحالفات حقيقية من الراغبين"—إذ جرى التنسيق والتخطيط مع الحلفاء قبل أي عمل عسكري. والأهم من ذلك أن كلتا التدخّلين ارتكزتا على أساس قانوني راسخ تمثّل في قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. وهذان الشرطان معاً غائبان عن الحملة الراهنة ضد إيران.
وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية لم تستبعد المشاركة في مضيق هرمز، فإنها تصرّ على أن أي انخراط من هذا القبيل يجب أن يكون منفصلاً بوضوح عن الحملة الهجومية الجارية ضد إيران. وفيما عدا ذلك، جاءت التصريحات الرسمية حول مهمة دفاعية محتملة مبهمة حتى الآن. وفي المحصلة، ستُشكّل هذه الأزمة اختباراً جديداً لقدرة القارة على ترجمة رؤيتها طويلة النقاش حول الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية إلى واقع ملموس.
هنري توغيندهات
تسعى الصين إلى تجنّب الانخراط المباشر في هذه الحرب، وتُؤثر أداء دور دبلوماسي من وراء الستار. فهي تُدين مراراً "عدوانية" الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران، وستواصل على الأرجح بيع الأسلحة للنظام الإيراني. في الوقت ذاته، تضع هجمات إيران على المملكة العربية السعودية وسائر شركاء الصين في الخليج بكين في موقف بالغ الحرج.
وفي نهاية المطاف، تفوق التحديات بعيدة المدى لهذا النزاع أيَّ مكاسب آنية للصين. فبكين قد تنتفع مؤقتاً من تحويل الموارد العسكرية الأمريكية بعيداً عن منطقة المحيط الهندي والهادئ، إلى جانب الفرصة المتاحة لدراسة دور التحالفات والقواعد في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. بيد أن مخاوفها الاقتصادية بعيدة المدى جسيمة؛ إذ تعتمد الصين على استقرار الشرق الأوسط سواء في وارداتها أو صادراتها، وهي متورطة في مشاريع بنية تحتية متشعبة في أرجاء المنطقة. وعلى الرغم من أنها عمّقت استقلاليتها الطاقوية على مدى عقود لتحصين نفسها من الصدمات الطاقوية، يظل التحكم في التداعيات العالمية لهذه الأزمات أمراً عسيراً على بكين.
فعلى سبيل المثال، تُعدّ أوروبا سوقاً تصديرية محورية للصين، بيد أنها عرضة لصدمات طاقوية قد تُضعف طاقتها الاستيعابية للبضائع الصينية. فالأسواق التصديرية الكبرى تُشكّل محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي الداخلي الصيني؛ فإن تقلّصت هذه الأسواق جراء صدمات الطاقة، قد يواجه الاقتصاد الصيني تقلّصاً موازياً. قد تحتمل الصين أسابيع من القتال في إيران، لكن امتداد الحرب شهرين أو ثلاثة إضافية سيُثير قلقاً بالغاً.
أما على صعيد تايوان، فمن المرجّح ألّا تؤثّر الحرب على إيران في حسابات بكين بشأن احتمال غزو الجزيرة. فما دامت أزمة الشرق الأوسط دون حلٍّ، يكاد يستحيل أن تُقدم الصين على فتح جبهة جديدة في المدى المنظور. وقد أقدم الرئيس شي جين بينغ في يناير على إقالة القيادة العليا للجنة العسكرية المركزية، مما يُشير إلى أن الجيش غير مستعد بعد لشنّ غزو واسع النطاق. وعوضاً عن ذلك، ستغتنم بكين هذه الفرصة لاستيعاب كيفية استجابة تايوان تحت الضغط حين تُقطع عنها إمدادات الطاقة والمدخلات الضرورية لدفع عجلة إنتاجها من أشباه الموصلات وسائر الصناعات الأساسية. وقد يستأثر اهتمام القادة الصينيين أيضاً بمشاعر الرأي العام الأمريكي المعارض للحرب خلال أزمة إيران؛ فإن اشتعل صراع حول تايوان، فسيُرجَّح أن يحرصوا على التأكيد بأن مصير الجزيرة شأن صيني داخلي لا يعني المواطنين الأمريكيين، ولا يُمثّل تهديداً وجودياً للولايات المتحدة.
دأبت الصين تاريخياً على تجنّب الأحلاف وإيلاء الاكتفاء الذاتي الأولوية ركيزةً لأمنها القومي. غير أنه مع تصاعد عزلة إيران، ربما تُدرك الصين قيمة الحلفاء في أوقات الأزمات. وبصرف النظر عن نتائج الحرب في طهران، تتسم السياسة الخارجية الصينية بمرونة وبراغماتية تُمكّنانها من صون علاقاتها الاقتصادية. وفي أعقاب الحرب الراهنة، لن تتردد بكين في توظيف شراكاتها الدولية الواسعة لإيجاد أرضية مشتركة مع الشركاء الرئيسيين في إيران.
أعدّ هذا الملخّص كلٌّ من زاك آبت، وكيت تشيسنت، وفيرجينيا ماكآرثر. ويُتاح تنظيم سلسلة منتدى السياسات بفضل كرم مؤسسة وينكلر لوي.