- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4235
العرض الأوروبي لتعزيز سيادة لبنان: ضمان التنسيق مع الولايات المتحدة
مع استعداد قوات حفظ السلام الأممية للانسحاب، قد تُسهم بعثة أوروبية في تعزيز جهود واشنطن في لبنان، شريطة أن يُحكم الأوروبيون تنسيق مقترحاتهم مع الحضور الأممي المقبل والأولويات الأمريكية في السيادة ونزع السلاح.
يرسم اتفاق الإطار الثلاثي الموقَّع حديثاً بين إسرائيل ولبنان جدولاً زمنياً طموحاً من المحطات المتتالية على طريق معاهدة سلام دائمة. ومع اقتراب انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، واستبعاد إرسال واشنطن قواتها إلى هناك، باتت صياغة آليات تنفيذ الخطوات الوسيطة في الاتفاق تحدياً حقيقياً. ولعل أبرز هذه الخطوات تحديدُ تفاصيل "البرنامج القائم على الأداء لبناء قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته العسكرية والأمنية الكاملة على لبنان"، بما يشمل الخطوات المتفق عليها نحو "نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية بصورة موثَّقة".
لا يحتل ملف المشاركة الأوروبية في هذه العمليات حيزاً محورياً في الاستراتيجية الأمريكية الراهنة. غير أن الاتفاق أقرَّ بحاجة لبنان إلى دعم "الشركاء الدوليين" لإرساء سيادته الكاملة، فيما طالب بيان مجموعة السبع الأخير بصون "السلامة الإقليمية للبنان وسيادته مع ضمانات أمنية دولية ملائمة"، مما يُلمح إلى توجه نحو مسعى متعدد الأطراف. وتجري فعلاً مناقشات حول بعثة أوروبية جديدة في لبنان، وتتهيأ حكومات أوروبية عدة لتقاسم الأعباء والتكامل مع الجهود الأمريكية. بيد أن التنسيق عبر الأطلسي، بما يستلزمه من صراحة ووضوح، يبقى ضرورة لا غنى عنها لتعزيز الهدف المشترك بين واشنطن وأوروبا: تمكين بيروت من ترسيخ سيادتها وقدرتها على نزع سلاح حزب الله.
حضور أممي واقعي في مرحلة ما بعد يونيفيل؟
حدَّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في رسالة موجَّهة مؤخراً إلى مجلس الأمن، خمس "وظائف جوهرية" للحضور الأممي في لبنان عقب إنهاء مهمة يونيفيل التي امتدت خمسة عقود، والتي أُغلقت رسمياً العام الماضي. وفي آب/أغسطس الماضي، كلَّفه قرار مجلس الأمن 2790 بصياغة خيارات لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب يونيفيل. وكان القرار 1701 الصادر عام 2006 قد أنهى حرب إسرائيل وحزب الله السابقة، وأوكل إلى المجتمع الدولي مهمة رصد وقف إطلاق النار على امتداد الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة، إلى جانب نزع سلاح الميليشيات كافة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.
وحدَّدت رسالة الأمين العام ثلاثة خيارات للبعثة تتباين في نطاقها وقوامها البشري. أكثرها طموحاً يضم 350 مراقباً غير مسلح، وأربع كتائب مشاة مسلحة (نحو 750 جندياً لكل منها) لحماية القوة، واحتياطياً قوامه 700 عنصر، ليبلغ المجموع نحو 4050 فرداً. أما الخيار الأكثر تواضعاً فيشمل 215 مراقباً غير مسلح، وكتيبتَي مشاة خفيفتين (نحو 450 جندياً لكل منهما)، وقوة تدخل سريع قوامها 350 جندياً، بمجموع إجمالي يبلغ 1465 فرداً. وللمقارنة، يبلغ عدد حافظي السلام الأمميين المنتشرين حالياً في لبنان 7478 فرداً وفق بيانات أول أيار/مايو.
وبحسب مناقشات جرت مع مسؤولين أمميين، حثَّت السلطات اللبنانية غوتيريش على الإبقاء على الوظائف الأممية المتعلقة بالتنسيق العسكري بين إسرائيل ولبنان ودعم الجيش اللبناني. كما طالب رئيس الحكومة نواف سلام علناً بأوسع حضور ممكن للأمم المتحدة. وتفسيراً للتفاوت اللافت بين فصائل المراقبين الصغيرة والوحدات المسلحة الكبيرة في مقترحات الأمين العام، يُحيل المسؤولون الأمميون إلى الأوضاع الأمنية المتقلبة على الأرض، التي أودت بحياة سبعة من حافظي السلام منذ آذار/مارس الماضي. يُضاف إلى ذلك أن كل قرار أممي صدر بهدف تجديد القرار 1701 كلَّف الأمم المتحدة برصد الخط الأزرق، وهو ما يستوجب نقاط مراقبة أممية على الأرض.
غير أن هذه المبررات قد لا تكفي لإقناع واشنطن، التي تتوقع أن تكون أي بعثة خلَف يونيفيل أضيق نطاقاً وأقل حجماً بكثير. وكان ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة قد أعلن العام الماضي أن واشنطن تريد من لبنان "تحمُّل مسؤوليات أكبر"، في إشارة ضمنية إلى أنها ترى في أي حضور واسع ليونيفيل تقليصاً لدور الجيش اللبناني. ويعكس هذا الموقف انتقادات أمريكية راسخة لبعثة يونيفيل، ويُشير إلى أن أي تشكيل أممي مستقبلي يتمحور حول دعم الجيش اللبناني سيواجه تشككاً أمريكياً أو رفضاً صريحاً. وتسعى إدارة ترامب إلى مساعدة الجيش اللبناني على بناء قدراته بوصفه المدافع الشرعي الوحيد عن سيادة لبنان، إلا أن المسؤولين الأمريكيين لا يثقون بقدرة الأمم المتحدة على الاضطلاع بهذه المهمة. وهنا بالتحديد يمكن لبعثة أوروبية أن تؤدي دوراً مفيداً.
بعثة أوروبية تعزز الجهود القائمة ولا تستبدلها
في الخامس عشر من حزيران/يونيو، أكدت المسؤولة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن المسؤولين يُحرزون تقدماً في "العمل على بعثة أوروبية جديدة في لبنان". وبعد أيام قليلة، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن روما وباريس اتفقتا على إطلاق "تحالف" دولي لدعم لبنان في مرحلة ما بعد يونيفيل. ولا يزال غير واضح ما إذا كانت المبادرتان متطابقتين أم متمايزتين.
وأياً كان الأمر، ستسعى أي بعثة أوروبية إلى التكامل مع الجهود الأمريكية لا التنافس معها. وقد أكد الاتحاد الأوروبي منذ وقت طويل المسؤولية الأولى لحزب الله عن الحرب في لبنان وضرورة نزع سلاحه، فصنَّف جناحه العسكري منظمةً إرهابية. كما يدعم الأوروبيون المفاوضات المباشرة التي تقودها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان وإمكانية أن تُفضي إلى أمن دائم لكلا البلدين. ويتشارك الأوروبيون أيضاً تشكك الرئيس ترامب المُعلَن إزاء الأساليب العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وإن اختلف أسلوب التعبير عنه ومرجعيته المتمثلة في القانون الإنساني الدولي.
في ضوء ذلك، يمكن أن تتخذ بعثة أوروبية —مستقلة عن الحضور الأممي لكن مكمِّلة له— شكل بعثة في إطار "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" للاتحاد الأوروبي. وهذه البعثات قد تكون مدنية أو عسكرية أو كلتيهما معاً؛ فالبعثة الاستشارية للاتحاد في العراق تُقدم الدعم لسلطات بغداد في مجال إصلاح القطاع الأمني، فيما تُنفِّذ قوة البحرية الأوروبية المتوسطية «يونافور ميد» عملية إيريني في ليبيا للمساعدة في تطبيق حظر الأسلحة الأممي عبر أصول الأقمار الاصطناعية والمراقبة الجوية والبحرية.
والجدير بالتوضيح أن أي حضور أوروبي لن يحمل تفويضاً للمواجهة العسكرية مع حزب الله. بل سيكون هدفه المساعدة في بناء قدرات الجيش اللبناني وتمكين الدولة اللبنانية المعززة من استعادة السيطرة على أراضيها مستقبلاً.
التوصيات
نظراً لأن أي إسهام أوروبي فاعل يستلزم التزام جميع الأطراف المعنية، ينبغي لهم توضيح جهودهم وتنسيقها على النحو الآتي:
أوروبا. في مطلع حزيران/يونيو، وافق الاتحاد الأوروبي على حزمة مساعدات للجيش اللبناني بقيمة مئة مليون يورو لتعزيز سلطة الدولة ودعم نزع سلاح حزب الله. وتُعزز هذه الخطوة الإيجابية الدعمَ المنفرد الذي تُقدمه دول أوروبية عدة للجيش اللبناني بصورة مستقلة، في مقدمتها فرنسا وهولندا وسواهما.
وللحفاظ على دورها الفاعل، يتعين على الأوروبيين صياغة استراتيجية واضحة ومتماسكة وراء بعثتهم المقترحة، وذلك قبل وقت طويل من الانطلاق الرسمي لانسحاب يونيفيل في كانون الثاني/يناير المقبل. هل ستكون بعثةً أوروبية خالصة، أم تحالفاً دولياً، أم الاثنين معاً؟ وما قيمتها المضافة تحديداً؟ وفي الإجابة عن هذه الأسئلة، يجب تجنب الإضرار بمصداقية الاتحاد من خلال إطلاق إعلانات كبرى لا تقابلها موارد كافية. وعوضاً عن ذلك، ينبغي أن تربط المقترحاتُ قدراتِ البعثة بـالأهداف المحددة: دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته على نزع سلاح حزب الله.
فعلى سبيل المثال، يمكن للاتحاد الأوروبي التركيز على تدريب العناصر اللبنانية المعنية بضبط الحدود، ولا سيما ما يتصل بقطع خطوط الإمداد الممتدة من سوريا إلى حزب الله، إذ لا تزال عمليات التهريب منتشرة على نطاق واسع على ذلك الطريق رغم تحسن التعاون بين بيروت ودمشق. وبالتوازي مع ذلك، يمكن للاتحاد الاستثمار في مساعدة الجيش اللبناني على تطوير قوته البحرية لتعزيز مراقبة المياه الإقليمية اللبنانية والحد من تهريب الأسلحة. وتعتمد بيروت حالياً على قوة المهام البحرية التابعة ليونيفيل في مثل هذه المهام، وهي قوة قد تُسحب تدريجياً.
الولايات المتحدة. لتيسير تنسيق الجهود الدولية، تحتاج واشنطن إلى إرساء انسجام أكبر بين المبادرات المختلفة المتعلقة بلبنان التي أطلقتها مؤخراً. ففي سياق مفاوضات إيران، اقترحت تشكيل "خلية مشتركة أمريكية-لبنانية-إيرانية" لترسيخ الهدنة في لبنان، غير أن هذه الفكرة تبدو متعارضة تماماً مع المقترحات الواردة في الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان. وتوضيح هذا التناقض ضرورة لا مناص منها.
وعلى نحو مماثل، سيكون من الأجدى لواشنطن التنسيق مع المبادرات الأوروبية القائمة بدلاً من تكرارها. فمجموعة التنسيق العسكري الثلاثية للبنان (MCG4L)التي أُعلن عنها حديثاً ستحتاج إلى تعاون وثيق مع لجنة التنسيق التقني العسكري للبنان (MTC4L)، وهي آلية متعددة الجنسيات تقودها إيطاليا انضمت إليها الولايات المتحدة ودول أخرى في آذار/مارس 2024 بهدف تعزيز مؤسسات الأمن اللبنانية.
علاوةً على ذلك، أسهم الإخفاق المتكرر في تحديد طرف ثالث قادر على تقييم تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله في الجمود الذي أعاق التقدم العام الماضي. ويمكن أن يتكرر هذا السيناريو إذا لم يُحدد المسؤولون آلية التحقق المعتمدة لـ"المناطق التجريبية" الناشئة في جنوب لبنان. وبما أن دولاً أوروبية عدة مستعدة لنشر قواتها للمشاركة في هذه العملية، فبوسع واشنطن أن تنظر فيها بوصفها جزءاً من "الكيان الثالث المتفق عليه بصورة متبادلة" المشار إليه في النسخ المتداولة علناً من الملحق الأمني للإطار الثلاثي.
لبنان. في أعقاب جدل مطوَّل حول ما إذا كان تقصير الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله يعود إلى غياب القدرة أم غياب الإرادة، نجحت بيروت في إقناع واشنطن وأوروبا بأن جزءاً من الإجابة يكمن في الثغرات الفعلية في الإمكانات. وأمام تكاثر المبادرات الرامية إلى دعم الجيش اللبناني، بات على بيروت قيادة المشهد في ثلاثة محاور: أولاً، تحديد احتياجات الجيش بصورة ملموسة ودقيقة، وإن اقتضى ذلك نقل هذه المعلومات بصورة سرية نظراً لحساسية الملفات الأمنية. ثانياً، إثبات أن بيروت ترحب بالدعم الدولي لتعزيز قدراتها الذاتية، لا للتخلي عن مسؤولياتها الأمنية للخارج؛ وهذا يشمل المضي في التوسع الضروري للقوة البحرية اللبنانية. ثالثاً، الوفاء بالتزامات دولة المضيف من خلال محاسبة كل من يعتدي على الشركاء الأجانب وتقديمهم إلى العدالة دون إبطاء.
إسرائيل. باتت العلاقات الأوروبية مع إسرائيل في أسوأ أحوالها. وكانت آخر علامات التدهور قطع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر التواصل مع المسؤولة الأوروبية كالاس، إثر اتهامه إياها بمقارنة بلاده بنظام جنوب أفريقيا في مرحلة الفصل العنصري خلال لقاءات مغلقة، وهو انقطاع بالغ الخطورة بالنظر إلى أن كالاس ترأس جهاز العمل الخارجي الأوروبي، وهو المؤسسة التي ستُنفِّذ أي بعثة أوروبية محتملة في لبنان.
وفي المرحلة المقبلة، ينبغي للمسؤولين الأوروبيين استحضار ما أعلنه الاتفاق الثلاثي من أن إسرائيل "لا تحمل طموحات إقليمية في لبنان"، وهو ما يُفنِّد مرحَّباً به تصريحات بعض الوزراء الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته، عليهم إيجاد صيغة تُتيح لأي بعثة أوروبية في لبنان تجنُّب الاحتكاك بالحكومة الإسرائيلية، لا سيما إذا كانت قوات إسرائيلية لا تزال تنفذ عمليات برية على الأرض اللبنانية.
وفيما يخص القادة الإسرائيليين، فمن الحكمة أن يقبلوا حضوراً أوروبياً يرمي إلى تمكين الجيش اللبناني. كما يتعين عليهم استيعاب الدرس الذي تعلمته إسرائيل قبل عقود: أن احتلال الأراضي اللبنانية بذريعة الحماية الذاتية أفضى في نهاية المطاف إلى تغذية رواية الجهات المعادية التي تتمسك بترساناتها العسكرية الضخمة بحجة "مقاومة الاحتلال". والجواب الحقيقي على معضلة إسرائيل الأمنية يكمن في تقوية تلك الأطراف اللبنانية التي أبدت إرادة سياسية صادقة لترسيخ السيادة الوطنية.