- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4188
الخيارات العسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز: القيود والمتطلبات
إن إرخاء قبضة طهران على المضيق وتفكيك اضطرابها للاقتصاد العالمي لا يستلزم فحسب الحدَّ من التهديدات الموجهة إلى الملاحة، بل يقتضي أيضاً تصعيد الضغط على الاقتصاد الإيراني بهدف ردع مزيد من الهجمات وتوليد رافعة تفاوضية دبلوماسية.
منذ اندلاع الحرب، هاجمت إيران أكثر من عشرين سفينة في مضيق هرمز أو قريباً منه، وأرست بذلك نظام مرور انتقائياً عبر هذه النقطة الاستراتيجية الحيوية في الخليج، إذ تُصدِّر نفطها وغازها الطبيعي وتمنح الممر الآمن للدول التي «تدفع الرسوم»، في حين تحجبه عن سائر الدول. وتتضمن شروط طهران لإنهاء الحرب إقرار «نظام قانوني جديد لمضيق هرمز»، وهو ما يمثل تحدياً صريحاً للمصالح الأمريكية والعالمية والإقليمية. وفي الحادي والعشرين من آذار/مارس، أصدر الرئيس ترامب إنذاراً نهائياً يقضي بتدمير محطات الطاقة الإيرانية ما لم تُفتح المضيق بالكامل. وردَّ الجيش الإيراني بـالتهديد باستهداف جميع البنية التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. وفي وقت سابق من اليوم ذاته، أجَّل الرئيس أي ضربات موجهة إلى محطات الطاقة لمدة خمسة أيام إتاحةً للمحادثات الجارية مع إيران.
في ضوء الأخطار المحدقة بالاقتصاد العالمي، أعلن ترامب أن البحرية الأمريكية ستعيد فتح المضيق، وطالب الدول الأخرى بالمشاركة في ذلك. وفي التاسع عشر من آذار/مارس، أصدر قادة كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن «استعدادهم للمساهمة في الجهود الملائمة لضمان حرية الملاحة» عبر هرمز. وقد وقَّع اثنان وعشرون دولة على هذا البيان حتى الآن. وفي غضون ذلك، دمَّرت القوات الأمريكية أكثر من 130 سفينة حربية إيرانية و44 زارعة ألغام، وشنَّت هجمات على عشرات الأهداف العسكرية على طول الساحل الإيراني وداخل الخليج، بما فيها مستودعات الألغام والصواريخ. كما أرسلت الولايات المتحدة وحدتي المشاة البحرية الاستكشافيتين الحادية عشرة والحادية والثلاثين، إلى جانب المجموعتين البرمائيتين للاستعداد التابعتين للسفينتين ترايبولي وبوكسر، إلى منطقة الشرق الأوسط لتوفير خيارات إضافية.
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، ما هي الخيارات العسكرية المتاحة لواشنطن كي تكسر قبضة إيران على المضيق والاقتصاد العالمي؟ وما المخاطر التي تنطوي عليها هذه الخيارات، وما حظوظها من النجاح؟
التصدي للتهديدات: عمليات القوافل وإضعاف القدرات العسكرية البرية للعدو
في الفترة الممتدة بين عامَي 1987 و1988، وفي خضمِّ المرحلة الأخيرة من حرب الخليج الأولى، نظَّمت الولايات المتحدة عملية إرنست ويل، وهي عملية قوافل استهدفت حماية ناقلات النفط الكويتية. غير أن إيران لم تردعها الحضور البحري الأمريكي، خلافاً لما توقعته واشنطن، فلجأت بدلاً من ذلك إلى أساليب التحايل: أوقفت هجماتها بالقوارب الصغيرة على الناقلات، لكنها راحت تتحدى الولايات المتحدة بزرع الألغام سراً، ومهاجمة الناقلات في الموانئ بعد انتهاء تغطية المرافقة، وتكثيف الهجمات على السفن غير المحمية. وفعلاً، اصطدمت ناقلة نفط بلغم في أول قافلة. ولم تتراجع طهران إلا بعد نيسان/أبريل 1988، إثر سلسلة من المواجهات البحرية السطحية التي أسفرت عنها عملية «برايينج مانتس» وألحقت خسائر فادحة بالبحرية الإيرانية. ومع ذلك، أسهمت القوافل في ردع الهجمات المباشرة على الناقلات المرافَقة، وأرغمت إيران على اللجوء إلى وسائل أقل فاعلية، وساعدت في احتواء الحرب البحرية إلى أن أفضت تطورات أخرى إلى قبول قيادة إيران بوقف إطلاق النار، ومنها: الانتصارات العراقية البرية، وانهيار الروح المعنوية الإيرانية، وإسقاط الولايات المتحدة بالخطأ طائرة مدنية إيرانية راح ضحيتها جميع الركاب الـ 290.
بيد أن ثمة عوامل عدة تميِّز الوضع الراهن عن تلك المرحلة. فالخليج اليوم بيئة عملياتية أشد تعقيداً بكثير. وعلى الرغم من الإضعاف الكبير الذي مُنيت به قواتها، يبدو أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات متبقية يُعتدُّ بها، تشمل أعداداً كبيرة من القوارب الصغيرة، وصواريخ كروز وباليستية مضادة للسفن، ووحدات مدفعية ساحلية وصاروخية، وطائرات مسيَّرة هجومية بأعداد وفيرة. ويمكن إطلاق كثير من هذه الطائرات من مسافات تتجاوز 1600 كيلومتر في العمق البري، فضلاً عن احتمال أن تتلقى المخزونات المستنفَدة إمدادات من روسيا مع استمرار الأزمة.
وثمة فارق جوهري آخر، إذ شاركت في عملية إرنست ويل ما يقارب ثلاثين سفينة حربية في حقبة كانت فيها البحرية الأمريكية تمتلك ما يناهز 250 مقاتلة سطحية رئيسية. أما اليوم، فإن قوة مهام بهذا الحجم ستُشكِّل ما يقارب ثلث الأسطول الأمريكي الذي تقلَّص إلى نحو مئة مقاتلة سطحية رئيسية، وهو التزام يُرجَّح أنه غير قابل للاستدامة. كما تفتقر البحرية الأمريكية إلى معدات بالغة الأهمية؛ إذ لا تمتلك القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة حالياً سوى سفينة قتالية ساحلية واحدة مزوَّدة بـحزمة مهمة مكافحة الألغام منتشرة في المسرح.
علاوة على ذلك، لم تكن الولايات المتحدة طرفاً متحارباً إبان حرب الخليج الأولى، وكانت إيران آنذاك تسعى إلى تفادي المواجهة العسكرية مع أمريكا في وقت كانت فيه تكتفي بصد القوات العراقية بصعوبة. أما اليوم، فهي طرف في النزاع، وسفنها شبه مؤكَّدة الاستهداف إن شرعت في تنفيذ عمليات قوافل. وإن كان بالإمكان التخفيف من هذا التهديد بضرب ملاجئ القوارب الصغيرة ومستودعات الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية، فإن القضاء عليه بالكامل يبدو بعيداً. وكما أُشير إليه آنفاً، تمتلك طهران وسائل شتى لمضايقة حركة الملاحة التجارية في الخليج حتى من دون مهاجمة السفن الحربية.
لذا، لا بد من أن يكون إضعاف القدرات الإيرانية في محيط الخليج جزءاً أصيلاً من المعادلة. وفي ظل الظروف الراهنة، يُعدُّ خيار الهجوم أجدى من الناحية الاقتصادية مقارنةً بخيار الدفاع، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الذخائر الهجومية أقل كلفةً من الاعتراضات الدفاعية. كما يتعين على الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين بذل مزيد من الجهد لحماية البنية التحتية للطاقة البرية، فقد أبدت إيران استعداداً راسخاً لضرب هذه المنشآت، وقد تصعِّد هجماتها عليها ذريعةً موازية لتعطيل الاقتصاد العالمي، أو رداً على الضربات الموجَّهة إلى بنيتها التحتية.
خلاصة القول، وإن كانت عمليات القوافل والضربات المكثَّفة للقدرات العسكرية الإيرانية قد تُخفف مؤقتاً بعض الضغوط عن أسواق النفط العالمية، فإنها قد تنطوي على تكاليف باهظة وتستغرق وقتاً طويلاً، دون أن تضمن سلامة الملاحة، نظراً لأن الهجمات المتبقية قد تظل كافيةً لتثبيط أصحاب السفن والتجار وشركات التأمين عن المجازفة. وتحقيق نجاح أكثر ديمومة يستلزم اعتماد مقاربة تكاملية تتضمن تصعيد الضغط على الاقتصاد الإيراني.
تحويل استراتيجية العدو إلى سلاح ضده
فضلاً عن هزيمة إيران تكتيكياً عبر العمل الدفاعي والهجومي، تحتاج الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحويل استراتيجية النظام ضده. ولردع طهران عن توظيف قدراتها العسكرية المتبقية في تهديد عمليات القوافل الأمريكية، أو الملاحة الأوسع في الخليج، أو البنية التحتية البرية للطاقة، ينبغي للقوات الأمريكية والإسرائيلية وسائر قوات التحالف أن تُوجِّه ضغطاً مضاداً على قدرة إيران في استخدام مضيق هرمز، موضحةً أنه إذا تعذَّر على الدول الأخرى المرور عبر المضيق، فليس بمقدور إيران ذلك أيضاً. والتدابير الآتية كفيلة بالمضيّ نحو هذا الهدف:
حصار جزيرة خارك؟ تُصدِّر طهران تسعين بالمئة من نفطها عبر محطات التحميل في جزيرة خارك، مما يجعلها كعب أخيل الاقتصاد الإيراني. وقد لمَّح بعضهم إلى احتمال تكليف قوات مشاة البحرية بالاستيلاء على الجزيرة، غير أن أي عناصر برية أمريكية تنخرط في ذلك ستكون عرضةً للقصف المتواصل من البر الرئيسي. وثمة من يرى أن الخيار الأكثر متانةً، والأقل إشكالاً من الناحية السياسية، يتمثل في زرع الألغام في المياه الإقليمية الإيرانية على طرق الوصول إلى خارك، مع التلويح بالتصدي لأي سفن إيرانية تحاول إزالتها، حتى لا تتمكن الناقلات الإيرانية من تحميل المنتجات النفطية هناك. بيد أن هذا الخيار يستوجب دراسة متأنية، إذ قد تتذرع به طهران لتسويغ زيادة نشر الألغام في المياه الدولية. وبإمكان واشنطن أن تعرض إزالة هذه الألغام حين تُتيح طهران حرية الملاحة عبر هرمز وتُزيل ألغامها بدورها، مما يُفسح المجال لدبلوماسية ختام الحرب.
حصار بعيد المدى على صادرات النفط. واصلت إيران شحن نفطها إلى الصين طوال فترة الحرب، لذا ينبغي للبحرية الأمريكية أن تردَّ بتحويل مسار «الناقلات الشبح» الإيرانية بين مضيق هرمز ومضيق ملقا، ثم مصادرة حمولاتها وبيعها على غرار ما جرى سابقاً مع ناقلات «الأسطول الشبح» الفنزويلية. وينبغي أن تستمر هذه عمليات التحويل إلى أن ترفع إيران قيودها على حركة الملاحة عبر هرمز. وعلى واشنطن أن تنظر أيضاً في مصادرة ناقلات «الأسطول الشبح» الإيرانية المتمركزة إلى حد بعيد في آسيا والمستخدَمة كـمستودعات نفطية عائمة، التي تحمل ما يقارب 140 مليون برميل من النفط، وإن كانت عقبات قانونية ولوجستية ومالية قد تُعقِّد هذه المساعي. وعوضاً عن ذلك، أقرَّت إدارة ترامب مؤخراً رخصةً عامة قصيرة الأمد أصدرتها وزارة الخزانة تُجيز البيع المؤقت للنفط الإيراني الموجود في عرض البحر بهدف الإبقاء على الأسعار عند مستويات منخفضة، مما يعكس اهتماماً إدارياً أكبر بمستويات الأسعار من الاهتمام بخنق عائدات إيران.
حصار مُحكَم على الواردات غير النفطية. يمر نحو ثمانين بالمئة من واردات إيران عبر مضيق هرمز، مما يمنح الولايات المتحدة رافعة اقتصادية ضخمة. وأحد الخيارات المطروحة فرض حصار انتقائي، يُتيح مرور السفن المحملة أساساً بالمواد الغذائية المتجهة إلى إيران، مع تحويل مسار تلك التي تنقل المواد الخام والمعدات والسلع الصناعية.
التهديدات والعقاب والتعلم الميداني. كرَّر الرئيس ترامب التهديد بتدمير البنية التحتية للطاقة في جزيرة خارك إن واصلت طهران إعاقة حركة الملاحة في هرمز. وفي الثامن عشر من آذار/مارس، ضربت إسرائيل حقل بارس الجنوبي للغاز، مُعلنةً استعدادها لاستهداف البنية التحتية الإيرانية للطاقة. فردَّت طهران بسرعة بمهاجمة منشآت الغاز في إسرائيل والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية، وكان من بين أهدافها أكبر محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم قرب الدوحة، مما دفع الرئيس ترامب إلى التحذير من أن القوات الأمريكية ستدمِّر بارس الجنوبي بالكامل إذا تكرَّرت الضربات على منشآت الغاز الطبيعي المسال القطرية. غير أن التحذيرات المشؤومة والضربات العسكرية المدوِّية لم تفلح حتى الآن في تعديل سلوك إيران. وبالتوازي مع هذه التهديدات القسرية، ينبغي للولايات المتحدة وشركائها الانتقاء الدقيق في توظيف الأساليب غير المدمِّرة والمقاربات غير المباشرة المبيَّنة أعلاه للضغط على طهران، لا سيما أن النظام سيخسر الكثير إذا استُهدف قطاعه الطاقوي بضربات عسكرية.
للعدو صوت في المعادلة — والوقت في صفه
يميل النظام الإيراني إلى اللعب على المدى البعيد، وفي مواجهة التهديد الوجودي الذي باتت تواجهه، ضاعف رهانه على خيار «المقاومة» سعياً للإطالة والاستنزاف. وقد أفضى استهداف منشآت طاقته إلى ضربات انتقامية متبادلة في مواقع الطاقة الخليجية؛ كما قد تدفعه مصادرة ناقلات «الشبح» إلى احتجاز سفن دول أخرى بالمقابل، وهو ما يظل قادراً عليه رغم الضربات الحليفة الضخمة التي نالت من قواته البحرية. ومهما تكن أساليبه التكتيكية، فمن المرجح أن تسعى طهران إلى كسب الوقت مع السعي في آن واحد إلى الانتقام من جيرانها. وتحت وطأة القصف المتواصل، قد تبدو الضربات الحليفة الإضافية أقل وطأةً مما كانت عليه، وقد تُصبح أكثر استعداداً لإلحاق أضرار جسيمة بدول الخليج. يُضاف إلى ذلك أن إيران تمتلك وسائل شتى للإبقاء على تقييد حركة المرور في مضيق هرمز حتى بعد إعلان الولايات المتحدة انتهاء حملتها، مما يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية: إما الرضوخ لمطالب طهران وتسليمها انتصاراً، وإما خوض مسعى مطوَّل للإبقاء على المضيق مفتوحاً على حساب أولويات عالمية أخرى.
لا حلَّ سحرياً لهذه المعضلة، وجميع الخيارات العسكرية الرامية إلى إعادة فتح المضيق والإبقاء عليه مفتوحاً تنطوي على مخاطر جسيمة وتستلزم موارد ضخمة ووقتاً طويلاً، مع تداعيات سياسية واقتصادية قد تكون بعيدة المدى. بيد أن طهران هدَّدت أمن الطاقة العالمي واحتجزت الاقتصاد العالمي رهينةً، مما جعل هذه المسألة المحكَّ الفاصل للحرب. ومن غير المقبول أن تظل التهديدات الإيرانية قائمة إلى أجل غير مسمى، سواء استهدفت السفن العابرة للمضيق، أم المواقع الخليجية المُصدِّرة للنفط والغاز، أم كليهما معاً. وعليه، سيتعين على واشنطن وشركائها الجمع بين المقاربات المباشرة وغير المباشرة، بالتصدي لهجمات إيران من جهة وإفشال استراتيجيتها من جهة أخرى، من أجل ردع التهديدات الدائمة وفتح آفاق للدبلوماسية عبر الاعتماد جزئياً على التدابير غير المدمِّرة وغير المباشرة. وفي الوقت ذاته، لا بد من الاستعداد لاحتمال استمرار الاضطرابات في الشحن العالمي وتدفقات الطاقة والأسواق، والتخطيط لحملة متابعة محتملة لضمان حرية الملاحة في المضيق في مواجهة نظام مثخَن بالجراح لكنه لا يزال خطِراً ومحتقِناً بالمظالم.