- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4172
الضمّ الممنهج: كيف تعيد سياسات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية تشكيل الصراع وتختبر الاستراتيجية الأمريكية
فضلاً عن إضعاف السلطة الفلسطينية، وتقليص جدوى حل الدولتين، وتصعيد مخاطر التصعيد، فإن الاستمرار في تطبيق آخر القرارات الإسرائيلية في الضفة الغربية قد يُقوّض مسار التطبيع مع المملكة العربية السعودية وسائر الأهداف الكبرى لإدارة "ترامب" الرامية إلى استقرار الشرق الأوسط.
في غضون الشهر الماضي، أقرّت الحكومة الإسرائيلية جملةً من القرارات المثيرة للجدل المتعلقة بإدارة الشؤون المدنية والأراضي في الضفة الغربية. وهذه القرارات لن تُسرّع وتيرة الضم الفعلي الإسرائيلي للأراضي فحسب - وهو مسار تسير فيه حكومة رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" منذ أكثر من ثلاث سنوات بأساليب شتى - بل ستُعجّل أيضاً بتوسيع نطاق تطبيق القانون الإسرائيلي على هذه الأراضي.
ويتمثّل أبرز هذه التغييرات في نقل الصلاحيات الإدارية من الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية - وهي هيئة عسكرية تتبع وزارة الدفاع - إلى سلطات مدنية كوزارة العدل التي رُفعت ميزانيتها لهذا الغرض. ففي المنطقة (ج) - وهي الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب اتفاقيات "أوسلو" - ستشمل هذه الصلاحيات تحديدَ الأراضي التي لا تثبت فيها ملكية فلسطينية وتسجيلها بوصفها أراضي دولة إسرائيلية.
وتشمل القرارات اللافتة الأخرى تجديدَ آلية حكومية لشراء الأراضي في الضفة الغربية، وإزالة العوائق القانونية أمام الإسرائيليين اليهود لاقتنائها. وتهدف هذه الإجراءات إلى خدمة الهدف المحوري المتمثل في تغيير الواقع الميداني بصورة تُعطّل أي إمكانية مستقبلية لتطبيق حل الدولتين. وينصبّ التركيز على توسيع السيطرة اليهودية على المناطق المفتوحة، ومعظمها في المنطقة (ج)، وإن كانت السياسة تمتد أيضاً إلى أطراف بعض القرى الفلسطينية في المنطقة (ب) - المنطقة المحددة في "أوسلو" ذات السيطرة الفلسطينية والإسرائيلية المشتركة. ولتحقيق هذا الغرض، لجأت الحكومة إلى أساليب متعددة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في هذه المناطق، أبرزها إنشاء "بؤر زراعية" - وهي نقاط استيطانية زراعية صغيرة تُقام في الغالب دون ترخيص وبحدٍّ أدنى من البنية التحتية، بهدف ترسيخ حضور يهودي متواصل على رقع واسعة من الأرض وتقييد وصول الفلسطينيين إليها.
وقد قدّمت الحكومة قراراتها باعتبارها ردّاً على مساعي السلطة الفلسطينية الأحادية لبسط سيطرتها على هذه المناطق. وفي هذا السياق، اتخذت قرارات إضافية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية - وهو هدف محوري آخر لحزب "الليكود" بزعامة "نتنياهو" وشركائه في الائتلاف اليميني المتطرف. ومن أبرز هذه القرارات:
- منح سلطات إنفاذ للجهات الإسرائيلية في الشؤون المدنية بالمنطقتين (أ) و(ب) - كالمياه والبيئة والآثار - على الرغم من أن اتفاقيات "أوسلو" منحت هذه الصلاحيات للسلطة الفلسطينية.
- نقل الصلاحيات البلدية من السلطات الفلسطينية إلى الإسرائيلية في بعض المناطق، بما فيها تراخيص البناء والأنظمة التشغيلية في "الخليل" و"الحرم الإبراهيمي" - خلافاً لاتفاقية "الخليل" عام 1997م (كانون الثاني/يناير) - وفي "قبر راحيل" الواقع ضمن حدود بلدية "بيت لحم".
ويحتجّ أنصار الضم بأنهم يسعون إلى تصحيح تمييز قانوني قديم بحق اليهود في الضفة الغربية، نشأ عن استمرار تطبيق القوانين الأردنية القديمة بما فيها القيود المفروضة على وصولهم إلى الأراضي. غير أن مقصودهم هو تحقيق المساواة بين يهود الضفة الغربية ويهود إسرائيل، لا بين اليهود والفلسطينيين في الضفة. ومساعيهم لـ"تصحيح التمييز" مآلها ترسيخ مساحة إقليمية واحدة لشعبين لا يتمتعان بمنظومة حقوق متكافئة، مما يُبعد الوضع خطوةً أخرى عن أي تسوية محتملة قائمة على حل الدولتين.
"سموتريتش" يُسرّع الاستراتيجية في أفق الانتخابات
تتضافر عوامل خارجية وداخلية في تمكين هذه السياسات. خارجياً، يستغل "نتنياهو" وشركاؤه اليمينيون المتطرفون انشغال الاهتمام الأمريكي والدولي بملفات إقليمية أخرى - كإيران ولبنان وقطاع غزة - لتمرير خطوات مثيرة للجدل في الضفة الغربية. وداخلياً، تُحرّك مساعيهم قناعات راسخة لدى سياسيين يتمتعون بصلاحيات تنفيذية واسعة، في مقدّمتهم "بتسلئيل سموتريتش". ومن خلال خطوات متدرجة ومحسوبة - كثير منها أُنجز بالفعل - يعتقد هؤلاء أنهم قادرون على تحقيق "حسم" للصراع مع الفلسطينيين وفق شروطهم، وهو ما يعكسه الاسم الرسمي للاستراتيجية التي صاغها "سموتريتش" عام 2017م: "الخطة الحاسمة".
وكعادته، وظّف "سموتريتش" منصبيه المزدوجين وزيراً للمالية ومسؤولاً عن ملف الإدارة المدنية في الضفة الغربية لدفع القرارات الأخيرة وتبنّيها، واصفاً إياها بأنها جزء من "ثورة الاستيطان والتوطيد الإقليمي" التي تقودها حركته "الصهيونية الدينية". وأشار إلى الانتخابات البرلمانية المرتقبة في تشرين الأول/أكتوبر، مُعلناً أن هدف حزبه في الحكومة القادمة سيكون استكمال هذه "الثورة"، أي "القضاء على فكرة الدولة العربية الإرهابية، وإلغاء اتفاقيات أوسلو، والسير نحو السيادة"، مع "تشجيع الهجرة الطوعية" في الضفة الغربية وغزة. وقال: "لا يوجد حل آخر". وقد أسبغ وزير الدفاع "يسرائيل كاتس" مزيداً من الشرعية على هذه الرؤية، مدّعياً أن القرارات الجديدة ستوفر "يقيناً عملياتياً وقانونياً" وستُعين قوات الأمن في مواجهة الإرهاب.
وفي الواقع، تحرص الأحزاب اليمينية المتطرفة على تقديم إنجازات ملموسة في الضفة الغربية مع اشتعال موسم الانتخابات، لا سيما حزب "سموتريتش" الأكثر ارتباطاً بحركة المستوطنين، والمتراجع حالياً في استطلاعات الرأي.
انتقادات إقليمية ودولية... دون رادع فعلي حتى الآن
رداً على الإعلانات الإسرائيلية، أكّد بيان البيت الأبيض معارضة الولايات المتحدة لأي إجراءات تُعزّز الضم في الضفة الغربية، وشدّد على أهمية الحفاظ على الاستقرار فيها شرطاً مسبقاً للأمن الإسرائيلي والمبادرات الإقليمية لإدارة "ترامب". غير أن تصريحات الرئيس ذاته كشفت عن رغبته في تجنب الملف كلياً ما أمكن، إذ قال: "لدينا ما يكفي من القضايا الآن. لا نحتاج للتعامل مع الضفة الغربية."
وعلى صعيد أوسع، أصدرت أكثر من مئة دولة - من بينها الاتحاد الأوروبي ودول صديقة لإسرائيل كقبرص وألمانيا واليونان - بياناً مشتركاً في 17 شباط/فبراير يدين مساعي توسيع الوجود الإسرائيلي غير المشروع في الضفة الغربية، ويؤكد معارضتها لأي شكل من أشكال الضم. وفي السياق ذاته، أصدرت الحكومات العربية والإسلامية الثماني المشاركة في "مجلس السلام" التابع لـ"ترامب" بياناً منفصلاً يرى أن السياسات الإسرائيلية الجديدة تنتهك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتُقوّض آفاق حل الدولتين، وتهدد الاستقرار الإقليمي.
بيد أن هذه الانتقادات التصريحية لم تُفضِ حتى الآن إلى أي تبعات ملموسة، ولا يبدو أن "القدس" تعدّها رادعاً حقيقياً. وفي ظل التراجع الحاد في مكانة إسرائيل الدولية، تُقدّر الحكومة الحالية أن الأثمان الدبلوماسية لمواصلة هذه الخطوات تبقى محدودة.
ويُسهم في تمكين هذه السياسات الإسرائيلية الإشكالية التدهورُ العميق في علاقات "تل أبيب" مع طرفين محوريين منذ الحرب على غزة وخلالها: الأردن - الفاعل الإقليمي الأوثق صلةً بالضفة الغربية - والاتحاد الأوروبي - الفاعل الدولي الأبرز في دعم السلطة الفلسطينية والمجتمعات الفلسطينية في المنطقة (ج). يُضاف إلى ذلك أن "عمّان" و"بروكسل" لا تبدوان منخرطتين بعمق في المبادرات الأخيرة لإدارة "ترامب" بشأن غزة والساحة الإقليمية الأوسع، مما يُخفّف من الأثمان السياسية التي تتحملها إسرائيل جراء خطواتها في الضفة الغربية المثيرة لاستياء هذين الطرفين.
مخاطر تصاعد العنف
يُشكّل العنف المتصاعد الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون - ولا سيما الشباب المنحدرون من "البؤر الزراعية" والمستوطنات غير المرخصة رسمياً - عاملاً مركزياً يُحدّد ملامح الواقع الميداني في الضفة الغربية. ويتخذ معظم هذا العنف - لا كله - شكلَ إضرام النيران وتدمير الممتلكات بهدف ترويع الفلسطينيين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم. وقد اتسمت استجابة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لهذه الموجة من "الإرهاب اليهودي" بتردد متزايد في اتخاذ إجراءات الملاحقة والوقاية.
وفي كانون الثاني/يناير الماضي، بلغ الرصد الشهري للعنف في الضفة الغربية مؤشراً بالغ الخطورة: ففي سابقة هي الأولى منذ عام 1967م، تجاوز عدد الفلسطينيين المتضررين من الإرهاب اليهودي نظيرَه من الإسرائيليين المتضررين من الإرهاب الفلسطيني. وتكشف بيانات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن سبعة إسرائيليين أُصيبوا واحتاجوا إلى إخلاء طبي جراء العنف الفلسطيني، في مقابل 22 فلسطينياً أُصيبوا واحتاجوا إلى إخلاء طبي جراء العنف اليهودي.
ولا مراء في أن القرارات الأخيرة في الضفة الغربية الصادرة عن حكومة "نتنياهو" - أياً كانت نواياها المُعلنة - ستُحفّز المتطرفين القائمين على هذا العنف. بل يبدو أن المسؤولين يُدركون جيداً التوتر المحلي الذي قد تُفضي إليه قراراتهم، لا سيما حين تتضافر مع عوامل الخطر الأخرى، وأبرزها: الضغط الاقتصادي الإسرائيلي المتواصل على السكان في الضفة الغربية - كوقف تحويل عائدات الضرائب إلى السلطة الفلسطينية وخفض تصاريح الدخول والعمل للفلسطينيين في إسرائيل وإبطاء الموافقة على المشاريع المحلية - فضلاً عن تصاعد حوادث الاحتكاك بين اليهود والفلسطينيين، واحتمال التصعيد ذي الطابع الديني خلال شهر رمضان المبارك.
غير أن هذه العوامل مجتمعةً لن تكون كافيةً على الأرجح لكبح الحكومة عن مواصلة سياساتها. وإن اندلع عنف واسع في الضفة الغربية، فقد يُتيح للحكومة ذريعةً لتسريع هذه السياسات تحت راية "ضرورات الأمن". وهذا المنحى قد يشتد مع اقتراب موعد الانتخابات، إذ تكتسب مظاهر الحزم الأمني قيمةً سياسية أعلى في مواسم الحملات الانتخابية، في ظل خشية شعبية عارمة من تفجّر أوضاع الضفة الغربية.
التداعيات على الصعيد السياسي
في ظل المعطيات الراهنة، يبدو أن إدارة "ترامب" هي الجهة الوحيدة القادرة على إقناع إسرائيل بوقف سياسات الضم الفعلي في الضفة الغربية. غير أن البيت الأبيض أبدى حتى الآن لامبالاةً نسبية حيال هذا الوضع، وذلك بفعل تحفظاته على السلطة الفلسطينية، وتقديره بأن أوضاع الضفة الغربية لا تُمثّل عائقاً أمام تنفيذ خططه قصيرة المدى في المنطقة. وتُدرك الإدارة أنها ستضطر في نهاية المطاف إلى معالجة هذه الملفات لبلوغ أهدافها بعيدة المدى، كالتطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل. إلا أنها لا تُدرك تمام الإدراك حجم الخطر المتنامي المتمثل في أن تُصبح القضايا الإقليمية في الضفة الغربية أمراً واقعاً لا رجعة فيه، إن أُتيح للنهج الإسرائيلي الراهن أن يمضي دون رقابة.
ولعل أنجع الأدوات لحمل إدارة "ترامب" على التحرك في هذه القضية هو الضغط المنسق للحكومات العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فبحكم عضويتهما الفاعلة في "مجلس السلام" ومساهمتهما الواسعة في مشاريعه الأمنية والإعمارية والتنموية المرتقبة، تستطيعان - أكثر من غيرهما - إيصال رسالة واضحة مفادها أن مزيداً من خطوات الضم في الضفة الغربية سيُلقي بظلاله على منجزات الرئيس الأخيرة في غزة، ويُعيق أجندته المستقبلية هناك. وعند الاقتضاء، يمكن لهما وسائر أعضاء "المجلس" ربط الاستمرار في تنفيذ خطة "ترامب" العشرين نقطة بشأن غزة بمعالجة الإشكاليات الناجمة عن السياسات الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية.
والحقيقة أن الترابط بين مجريات الضفة الغربية وغزة سيزداد وضوحاً مع ترسّخ واقع السيطرة الإسرائيلية المباشرة على القطاع بعد الحرب، مهما كانت هذه السيطرة محدودةً ومؤقتة. والموقف الإسرائيلي الرسمي يُؤكد عدم وجود أطماع إقليمية في غزة، لكن بعض التيارات قد تدفع الحكومة نحو استنساخ النماذج المعمول بها في الضفة الغربية وتطبيقها على القطاع - كإنشاء بؤر "لضرورات أمنية" قد تتحول لاحقاً إلى مستوطنات مدنية. وهذا القلق ليس مجرد تكهن نظري؛ فقد اقترح وزير الدفاع "كاتس" خطوةً من هذا القبيل في كانون الأول/ديسمبر، وهي فكرة يتبناها المستوطنون الذين يعدّون السيطرة على غزة جزءاً من رؤيتهم لـ"أرض إسرائيل الكبرى". وهذه المسألة تستوجب متابعةً دقيقة، إذ إن تطبيق نماذج الضفة الغربية أو غيرها على غزة من شأنه تأجيج التوترات الدولية مع إسرائيل، وتعطيل الدبلوماسية الأمريكية، وترسيخ التصور بأن الإقليمين يسيران نحو واقع دولة واحدة غير قابلة للحياة لشعبين.