- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4195
الدبلوماسية في زمن الحرب: أولويات إدارة ترامب
يُجري ثلاثة خبراء سياسيين أمريكيين سابقين، من ذوي الخبرة المكثفة في التفاوض مع إيران، نقاشاً حول نوع الاتفاق الممكن، وما قد يتطلّبه كل طرف لتحقيقه، وكيفية تعامل المسؤولين في واشنطن وإسرائيل ودول الخليج وأوروبا مع الخلافات الناشئة بشأن أهدافهم.
في الثاني من نيسان/أبريل، نظم معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً بحضور إيميلي هاردينغ، وريتشارد نيفيو، ومايكل سينغ، وأدرت الجلسة نانسي يوسف، الكاتبة في مجلة "ذا أتلانتيك". وتُدير هاردينغ برنامج الاستخبارات والأمن القومي والتكنولوجيا في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، وقد شغلت مناصب حكومية أمريكية متعددة. أما نيفيو، فهو زميل بيرنشتاين في معهد واشنطن، والمبعوث الأمريكي الخاص السابق بالإنابة لشؤون إيران. ويُعدّ سينغ المدير الإداري وزميل أقدم في زمالة "لين- سويغ" في معهد واشنطن، وقد شغل سابقاً منصب المدير الأول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي. وفيما يلي ملخص أعده المقررون لأبرز المداخلات.
إيميلي هاردين
تكمن في جوهر أي مفاوضات ضمن الحرب الحالية إشكالية تتمثل في التوتر بين المصالح المتباينة لإسرائيل والولايات المتحدة وإيران. فبينما تسعى إسرائيل إلى القضاء على التهديد الإيراني، ترغب واشنطن في تقليص انخراطها، في حين تشعر طهران بأنها مضطرة لتأمين اتفاق يعكس القوة أمام شعبها. تخلق هذه الاختلافات مساحة تفاوضية ضيقة جداً ستستلزم تنازلات كبيرة من كل طرف، مما يعقّد مسار الوصول إلى صفقة نهائية.
تعرف إيران جيداً كيف تُناور في مسار المفاوضات لتحقيق نتائج تخدم مصالحها، لذا من المرجح أن تستغرق العملية أسابيع عدة. وعلى عكسِ واشنطن، فإن الوقت حليف لطهران، وتستخدم هذا الأمر لاستخلاص تنازلات. وتُعدّ الانتخابات الأمريكية النصفية إحدى نقاط الضغط التي يمكن لإيران استغلالها عبر إطالة أمد المحادثات. حتى لو تم التوصل إلى اتفاق تفاوضي بسرعة، فإن الاضطرابات القائمة حالياً في إنتاج النفط وإمدادات الأسمدة ستحمل عواقب طويلة الأمد، لا سيما في "الجنوب العالمي"، حيث تُنظّم الدول عملياتها الزراعية في الخريف القادم.
مؤخراً، "دخلت الصين المشهد" كوسيط محتمل، رغم عدم وضوح قدرتها على أداء هذا الدور بفعالية. فهي تحاول أن تُصور نفسها كصانع للسلام، وأظهرت اهتماماً بالتدخل في الدبلوماسية الإيرانية، لكن يبدو أنها غير مستعدة لاتخاذ خطوات عملية ذات تأثير ملموس لتحقيق النتائج المرجوّة. وفي الوقت ذاته، قد يفتقر الوسطاء الأوروبيون إلى الموارد اللازمة لكسر سيطرة إيران على مضيق هرمز، مما قد يضطر السفن إلى دفع "رسوم عبور" للنظام الإيراني." على المدى الطويل، ستقرب الحرب دول الخليج والولايات المتحدة من بعضها البعض، وقد تُحسّن أيضاً التعاون الخليجي مع إسرائيل، وربما توسّع نطاق اتفاقيات إبراهام. ومع ذلك، فقد أضرّت الحرب بسمعة المنطقة. ففي سعيها لتكون مركزاً للابتكار التكنولوجي والاستثمار، حاولت دول الخليج إظهار صورة الحداثة أمام العالم، لكن الحرب أعاقت هذه الجهود. ومن الأمثلة على ذلك إلغاء سباقات كأس فورمولا 1 المخططة هذا العام في البحرين والمملكة العربية السعودية، وهو ما ألحق ضرراً بسمعة المنطقة كمكان للاستثمار المستقر.
بصرف النظر عما ستنتهي إليه الحرب، فإن الصدع بين دول الخليج وإيران سيترك أثره على المدى القصير والطويل. ومن ثم، يجب على قادة الخليج الآن تقييم مدى هشاشة النظام الإيراني قبل السعي للتقارب. وهم يفهمون كيفية إدارة العلاقات الخليجية–الإيرانية بشكل أفضل من الولايات المتحدة، لذا ينبغي على واشنطن التعاون معهم لفهم هذه الديناميكيات الإقليمية بعمق.
ريتشارد نيفيو
حالياً، لا تطرح الحرب مسارات سهلة للحلول التفاوضية. فكلا من واشنطن وطهران يعتقدان أن لديهما الأفضلية، ولكل منهما حوافز للاستمرار في القتال لتحسين موقعه التفاوضي. ومع استمرار التصعيد، تصبح مساحة التوافق المحتملة أكثر ضيقاً مع مرور الوقت. وإذا ما هاجمت الولايات المتحدة المنشآت النفطية ومحطات التحلية الإيرانية كما هدد الرئيس ترامب، فمن المرجح أن ترد طهران بمهاجمة منشآت مماثلة في دول الخليج.
في خضم هذا التصعيد، يُقيم الحلفاء في الخليج وأوروبا جدوى استمرار روابطهم العسكرية الوثيقة مع الولايات المتحدة. وستُحدد تبعات "عملية الغضب الملحمي" (Epic Fury) ما إذا كان الدعم الأمني الأمريكي يستحق مخاطرة التعامل مع سياسة أمريكية غير متوقعة.
بعد عودته الأخيرة إلى البيت الأبيض، أشار الرئيس ترامب في البداية إلى أنه سيواصل استراتيجية "الضغط الأقصى" التي استخدمها ضد إيران خلال ولايته الأولى. "بيد أن الإدارة اتجهت بدلاً من ذلك إلى تطبيق برنامج لتخفيف العقوبات النفطية، ويُعد الأبرز منذ الاتفاق النووي لعام 2015. ويشير هذا إلى استعداد واشنطن لتقديم تنازلات جوهرية لطهران، قد تمكّن النظام من إعادة التسلح، وإعادة بناء شبكات الوكلاء في الخارج، والحفاظ على أجهزة القمع الداخلية. ورغم التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة وأهدافها العسكرية الواسعة، إلا أنها تواجه قيوداً مفروضة بالإرادة السياسية؛ في المقابل، يبقى استعداد طهران لامتصاص التكاليف ومواصلة القتال مرتفعاً رغم تراجع قدراتها. وقد فشل مسؤولو إدارة ترامب في التخطيط لسيناريو عدم انهيار النظام أو استسلامه السريع، ولم يحددوا بعد مساراً عسكرياً أو دبلوماسياً بديلاً لتحقيق النصر.
فيما يخص مضيق هرمز، فقد فهم مخططو السياسات الأمريكية منذ فترة طويلة خطر احتمالية سيطرة إيران على هذه النقطة الحيوية في حال اندلاع حرب شاملة. حتى الآن، فشلت واشنطن في تعزيز الثقة الدولية بما يكفي لاستعادة حركة الملاحة غير المقيدة، مما يمنح مقترح طهران بفرض رسوم قيمتها مليوني دولار على كل ناقلة نفط تمر عبر المضيق مصداقية أكبر. وسيكون مثل هذا التطور مضراً جداً بالمصالح الأمريكية، جزئياً لأن هذه الرسوم ستغذي موارد "الحرس الثوري الإيراني". ومع ذلك، فإن نقص الطاقة الناجم عن الحرب سيخلق قلقاً كافياً لدرجة أن طهران قد تكون قادرة على إجبار العالم على القبول بذلك. حينها ستجد واشنطن نفسها أمام ثغرة كبيرة في منظومة عقوباتها، وسيتعين عليها أن تحسم أمرها: هل تسد هذه الثغرة، أم تترك المنظومة تتآكل وتفقد قيمتها مع الوقت.
كما غيرت إدارة ترامب خطابها بشأن الملف النووي. فقد تم تصوير كل من النزاع الحالي وحرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت العام الماضي كأفعال استباقية لمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي. وعلى الرغم من أن بيانات الإدارة الأخيرة تدّعي أن الرصد الخارجي سيكون كافياً لتحقيق هذا الهدف، فإن الواقع الميداني يبقى مقلقاً، إذ لا تزال إيران تحتفظ بمخزونات من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية تكفي لصنع عدة قنابل، إضافة إلى قدرتها وتحفزها لإنتاج مثل هذه الأسلحة في إطار زمني يُقاس بالأسابيع.
مايكل سينغ
أوضح الرئيس ترامب أنه يسعى إلى التوصل لاتفاق تفاوضي لإنهاء الحرب، وليس إلى انسحاب الولايات المتحدة ببساطة من الصراع. ورغم أن الأهداف العسكرية الأمريكية تحققت إلى حد كبير، فإن وقف إطلاق النار سيكون على الأرجح ضرورياً لتعزيز الأهداف السياسية الأوسع لإدارته، بما في ذلك معالجة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، والبرنامج النووي، ودعم الجماعات الموالية. ومن بين أشياء أخرى، لا تعتقد طهران أنها خسرت الحرب، وتحتفظ بقدرات تفاوضية عبر قدرتها على التحكم بمضيق هرمز. لذا، من غير المرجح التوصل إلى اتفاق شامل في المدى القريب؛ فحتى في أفضل الأحوال، يمكن أن يمهّد وقف إطلاق نار محدود الطريق لمرحلة ما بعد النزاع، رغم أن ذلك قد يظل صعب التحقيق. علاوة على ذلك، تبدو الاستراتيجية الأمريكية موجهة لرفع تكلفة رفض الاتفاق على إيران، بما في ذلك التهديد باستهداف محطات الطاقة والبنية التحتية النفطية. وفي هذا السياق، يواجه ترامب معضلة حقيقية: فالفشل في تأمين الصفقة قد يؤدي إما إلى انخراط عسكري أعمق، أو ترك السيطرة على "مضيق هرمز" بيد إيران.
قد تظل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية متقاربة، لكنها تختلف في الأولويات. فقد ركزت واشنطن على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، في حين تسعى إسرائيل إلى إضعاف النظام نفسه. وتثار داخل إيران شكوك كبيرة حول ما إذا كانت ستظهر اضطرابات داخلية بمجرد توقف القصف، أم سيستمر النظام في الحفاظ على السيطرة. ومن المرجح أن تعارض إسرائيل أي نتيجة تقوّي النظام، مثل استعادة الإيرادات النفطية أو تقديم ضمانات أمنية ضد أي غارات إسرائيلية مستقبلية.
أما دول مجلس التعاون الخليجي، فشاغلها الأساسي هو كيفية انسحاب واشنطن من الصراع، لا سيما فيما يتعلق بـ"مضيق هرمز". ورغم حذرها من التصعيد، فإنها لا تريد أن تنتهي الحرب بموقع قوة لإيران. ومن المتوقع أن تعمّق دول المجلس في المستقبل الروابط الأمنية مع واشنطن ومع بعضها البعض، بما يشمل مبيعات أسلحة موسعة وتنسيقاً أقرب. كما يدفع النزاع إلى حلول مبتكرة في الخليج، خصوصاً لحماية البنية التحتية للطاقة والتصدي للتهديدات الناجمة عن الطائرات المسيّرة والصواريخ. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية قد تفكر جدّياً في تطوير سلاح نووي ضمن استراتيجيتها للأمن الوطني.
حالياً، تبقى الولايات المتحدة هي القوة الأفضل، وربما الوحيدة، المؤهلة للدفاع عن المنطقة ضد إيران. ولم تدخل الصين بعد كضامن أمني، لكنها تتابع عن كثب الأداء العسكري الأمريكي وقد تحاول استغلال أي انقسامات بين واشنطن وشركائها. ويُعد اقتراح ترامب بأن الدول المعتمدة على طاقة الخليج يجب أن تضمن خطوطها البحرية بنفسها تحدياً ضمنياً للصين، رغم أن بكين على الأرجح لن ترحب بهذا الدور.
تتبلور ثلاث مسارات موازية لمعالجة السيطرة الفعلية لإيران على مضيق هرمز: الإكراه لإجبار طهران على إعادة فتح الممر الملاحي لجميع الحركة، والمفاوضات المرتبطة بتخفيف العقوبات، والإجراءات الدفاعية مثل عمليات المرافقة البحرية. وبشكل أوسع، يشكل هذا النزاع اختباراً لمصداقية الولايات المتحدة في الحفاظ على حرية الملاحة العالمية. فإذا بدا أن واشنطن غير راغبة أو عاجزة عن تأمين نقاط الاختناق البحرية الرئيسية، فقد يكون لذلك عواقب دائمة على أسواق الطاقة، وتمكين الخصوم من تهديد أو استغلال طرق مماثلة في مناطق أخرى.
وأكثر ما يثير القلق هو التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب، التي توحي بأن الولايات المتحدة لا ينبغي لها أن تلعب دوراً مركزياً في الشرق الأوسط. وقد يُعزز هذا الشعور نزاع طويل الأمد مع إيران، مما قد يؤدي بالإدارة إلى الابتعاد عن الاستثمار في دول إقليمية تظل المصالح الاستراتيجية الأمريكية فيها جوهرية.
أعد هذا الملخص سارة بوكيش، وكيت تشيسنوت، وجابرييل فاين. تم إعداد سلسلة منتدى السياسات بفضل سخاء مؤسسة "وينكلر لوي".