- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4241
الانتخابات الفلسطينية: تجديد أم تكريس للوضع القائم؟
يناقش مسؤولون ومستشارون سابقون الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أُعلن عنها مؤخراً في ضوء التغيير في قيادة حركة "حماس"، والمصالح السياسية الإسرائيلية، وتصاعد العنف في الضفة الغربية، وآفاق إعادة تنشيط خطة الانتقال المتعثرة التي وضعتها إدارة ترامب في غزة.
في 23 تموز/يوليو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً مع نيومي نيومان، وإبراهيم دلالشة، وغيث العمري. نيومان هي زميلة مشاركة في المعهد ورئيسة سابقة لوحدة الأبحاث في جهاز الأمن الإسرائيلي. دلالشة هو المدير المؤسس لمركز "هورايزون" للدراسات السياسية والتواصل الإعلامي، ومقره رام الله؛ وقد شغل سابقاً منصب المستشار السياسي الأول في القنصلية العامة الأمريكية في القدس. أما العمري فهو زميل أقدم في برنامج زمالة "مؤسسة "جيلبيرت"، ومستشار سابق للسلطة الفلسطينية. وفيما يلي ملخص أعده عده المقررون لملاحظاتهم.
نيومي نيومان
يمر النظام الفلسطيني بأسوأ مرحلة في تاريخه. فقطاع غزة والضفة الغربية يشهدان انقساماً عميقاً، كما أدى غياب الأفكار المبتكرة أو القيادات الجديدة في كلٍ من السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" إلى حالة من الشلل السياسي. وفي الوقت نفسه، تراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأولويات السياسية الدولية منذ وقف إطلاق النار في غزة العام الماضي، إذ أصبح الفاعلون الإقليميون والمسؤولون الأمريكيون أقل استعداداً لبذل الجهود اللازمة للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب الانتقالية. ومع ذلك، فإن المأساة الحقيقية تكمن في أن إسرائيل كانت المحرك الرئيسي وصانع التغيير في الساحة الفلسطينية منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، إن لم يكن قبل ذلك. وفي الضفة الغربية، تتبع الحكومة الإسرائيلية الحالية سياسةً أيديولوجية واضحة تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وتعزيز الضم الفعلي على أرض الواقع.
بعد تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب لغزة، حالت ثلاث عقبات رئيسية دون انتقال الأطراف إلى المرحلة الثانية. وتتمثل العقبة الأولى في حركة "حماس". فالحركة ترفض نزع سلاحها، ومن دون ذلك لن تنسحب إسرائيل من غزة، ولن تتمكن الهيئات الدولية من دخول القطاع، ولن تمول الدول المانحة جهود إعادة الإعمار. وتشكل هذه المسألة الأخيرة عقبة مستقلة بحد ذاتها – فالتمويل الدولي الحالي غير كاف، والدول المانحة تطالب بضمانات أمنية وآلية حكم مستقرة قبل ضخ المزيد من الأموال. أما العقبة الثالثة، فتتمثل في رفض إسرائيل السماح للسلطة الفلسطينية بالعودة إلى غزة، رغم أن الولايات المتحدة وشركاءها يرون أن السلطة يجب أن تتولى، في نهاية المطاف، مسؤولية إدارة القطاع. ويدرك قادة "حماس" أن واشنطن ليست مستعدة لترك العملية تنهار، ويعتقدون أن الوقت يعمل لصالحهم، لذا ينتظرون ما ستؤول إليه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، و"اتفاق الإطار" اللبناني، والانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر.
في 20 تموز/يوليو، هزم خليل الحية خالد مشعل ليصبح الرئيس الجديد للمكتب السياسي لحركة "حماس"، بعد فوزه بفارق ضئيل بلغ 35 صوتاً مقابل 34. ويرتبط الحية بالجناح المتشدد في الحركة، الأقرب إلى القائد الراحل يحيى السنوار، ويؤيد الحفاظ على العلاقات مع المحور الإيراني. أما مشعل، فهو متحالف مع جماعة "الإخوان المسلمين"، ويتمتع بعلاقات أوثق مع الدول العربية، كما يبدي استعداداً أكبر للاندماج سياسياً في النظام الفلسطيني بهدف الوصول إلى السلطة. ويعكس فوز الحية بهذا الفارق الضئيل المعضلة الاستراتيجية التي تواجه "حماس" منذ مقتل السنوار - والمتمثلة في الاختيار بين مواصلة النهج المؤيد لإيران أو العودة إلى الحضن العربي السني، كما يدعو مشعل. ولا يزال من المبكر التنبؤ بالمسار الذي ستتخذه الحركة، لكن من غير المرجح أن يُقدم الحية على تغييرات جذرية قبل اتضاح نتائج الحرب مع إيران، والانتخابات الإسرائيلية، وردود فعل الدول العربية على تلك التطورات.
وبمجرد تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ينبغي أن يكون في مقدمة أولوياتها تخفيف التوترات في الضفة الغربية عبر اتخاذ خطوات ملموسة، مثل تسهيل حركة السكان الفلسطينيين، والحد من عنف المستوطنين، ومساعدة السلطة الفلسطينية على تجاوز التداعيات الناجمة عن الإجراءات الاقتصادية الضارة، والحفاظ على الوضع الراهن في جبل الهيكل/الحرم الشريف. ومن شأن هذه الخطوات أيضاً أن تسهم في إعادة تأهيل صورة إسرائيل على الساحة الدولية، والحد من تراجع الدعم الذي تحظى به في الولايات المتحدة.
وقد فتحت الانتخابات بدورها نافذة تتيح لإسرائيل فرصة إعادة ضبط استراتيجي. ومن ثم، يتعين على واشنطن أن تغتنم هذه الفرصة وتؤكد للقدس أن إعادة الضبط هذه ضرورية لكي تظل إسرائيل دولةً يهوديةً وديمقراطيةً. إذ لا يمكن الحفاظ على أي من هاتين الهويتين إذا استمرت إسرائيل في حكم مليوني فلسطيني من دون أفق سياسي. ويبقى الأمل ألا يفرط الإسرائيليون في هذه الفرصة.
إبراهيم دلالشة
أي خطة جادة لغزة يجب أن تُفضي إلى إنشاء نظام حكم بديل قابل للحياة وقادر على فرض سيطرته فعلياً على الأرض. وأي شخص ملم بالسياسة الفلسطينية يدرك أن البديل الوحيد القابل للتطبيق لـ"حماس" هو السلطة الفلسطينية. وصحيح أن الاعتراضات التي تُطرح كلما ذُكرت السلطة الفلسطينية - مثل حاجتها إلى الإصلاح وافتقارها إلى الشرعية-هي اعتراضات وجيهة، لكنها لا تغير هذه الحقيقة الأساسية. فلم تتناول أي من الخطط العديدة المطروحة لإدارة غزة كيفية التعامل مع بقايا البنية غير الرسمية لحركة "حماس"، التي نجت من تدمير أجهزتها الإدارية الرسمية، ولا تزال قادرة على الحفاظ على سيطرتها إلى أجل غير مسمى. كما أن الخطط الرامية إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية منفصلة عن السلطة الفلسطينية لن يُكتب لها النجاح. وتخوض الحكومة الإسرائيلية الحالية استحقاقاً انتخابياً، وهي ليست في وضع يسمح لها بإبرام اتفاق تكون فيه "حماس " طرفاً معترفاً به. ولذلك، ينبغي لصانعي القرار العمل مع السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع تنفيذ الإصلاحات الداخلية الضرورية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الضفة الغربية سلسلةً من الأزمات المعقدة التي لم تحظَ بالتغطية أو المعالجة الكافيتين خلال حرب غزة. فالحرب امتدت، إلى حد ما، إلى الضفة الغربية أيضاً. وقد أدى الإغلاق الشامل لتلك المنطقة إلى تقييد ليس فقط وصول الفلسطينيين إلى إسرائيل، بل أيضاً تنقلهم بين المدن والبلدات، حيث وثقت المنظمات الدولية إقامة ما يقارب ألف حاجز طريق وبوابة حديدية منذ عام 2023. كما اتسم عنف المستوطنين الإسرائيليين بالمنهجية والتنظيم، إذ ألحقوا أضراراً بالممتلكات، وحاصروا السكان الفلسطينيين وروعوهم داخل تجمعاتهم السكنية، من دون أي مساءلة تُذكر، إلى حد دفع كبار قادة الأمن الإسرائيليين إلى إطلاق ناقوس الخطر.
علاوةً على ذلك، دفعت الإجراءات المالية العقابية السلطة الفلسطينية إلى حافة الانهيار، إن لم تكن قد وصلت إليها بالفعل - رغم أن الإعلان الرسمي عن هذا الانهيار سيترتب عليه تداعيات أمنية لا ترغب السلطة الفلسطينية في تحملها. فقد احتُجز نحو 6 مليارات دولار من عائدات الضرائب، ولم يتقاضَ ما يقرب من 200 ألف موظف رواتبهم كاملة منذ نحو ثلاث سنوات، في حين أدى رفض استلام النقد بالشيكل من البنوك الفلسطينية إلى حدوث أزمة حادة في الوقود. وقد أخفقت الجهود الرامية إلى الإفراج عن هذه الأموال مراراً بسبب مواقف وزير المالية الإسرائيلي بيزاليل سموتريتش المتشددة. ولم تعد الأضرار تقتصر على رواتب الموظفين، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية؛ فمرضى السرطان وغسيل الكلى، على سبيل المثال، باتوا يعانون من نقص الأدوية التي يحتاجونها، كما أصبحت المدارس والعيادات تفتح أبوابها يوماً واحداً فقط أسبوعياً بسبب نقص ميزانيات التشغيل. وفي ظل مشاهد إسرائيليين من اليمين المتطرف يؤدون شعائر دينية جماعية في المسجد الأقصى، وتصريحات وزراء في الحكومة بأن الوضع الراهن في الحرم الشريف قد تغيّر، لم يعد الأمر يقتصر على إطلاق ناقوس الخطر، بل بات يستدعي تحركاً عاجلاً لإيجاد حلول فورية.
ومن هذا المنطلق، يجب ألا يحول تصنيف "حماس" القانوني بوصفها منظمةً إرهابيةً دون فهم كيفية عملها فهماً دقيقاً. وكما سبق أن أشرنا، فرغم خسارتها لحكومتها ومعظم قدراتها العسكرية، فإنها احتفظت بالبنية التنظيمية غير الرسمية التي منحتها نفوذها قبل وصولها إلى السلطة للمرة الأولى عام 2006. كما أظهرت قدرتها على احتواء خلافاتها الداخلية بما يكفي للحفاظ على تماسك مؤسساتها، بخلاف حركة "فتح ". ولذلك، لم يكن اختيار الحية - الذي أشرف على غزة وقاد المفاوضات بعد وفاة السنوار- رئيساً جديداً للمكتب السياسي أمراً مفاجئاً، إذ يعكس نهج الاستمرارية داخل الحركة.
تكمن المشكلة الفلسطينية المزمنة في الإخفاق المستمر- الذي لم تنجح أي جهود إصلاحية منذ عام 1996 في معالجته - في الفصل بين "حركة التحرير الوطنية" وفصائلها وبين نظام الحكم الذي نشأ عن اتفاقيات أوسلو. فعلى سبيل المثال، لا تتخذ حكومة السلطة الفلسطينية القرارات المتعلقة بموعد إجراء الانتخابات، بل يعلم وزراؤها بها عبر وسائل الإعلام، شأنهم شأن عامة الناس. ولا شك أن الانتخابات التشريعية المعلن عنها في تشرين الثاني/نوفمبر ضرورية، وستمثل "خطوة صغيرة" أخرى نحو إعادة بناء مؤسسة غابت عن الساحة منذ ما يقرب من عقدين. لكنها لن تمثل تحولاً جذرياً.
أما التغيير الحقيقي الوحيد في الأفق، فيتمثل في تشكيل حكومة إسرائيلية مستعدة للعمل مع السلطة الفلسطينية. كما ينبغي على واشنطن وإسرائيل التركيز على بناء المؤسسات بدلاً من اختيار القادة الأفراد الذين يفضلانهم؛ إذ إن النهج الثاني لن يخدم المصالح طويلة الأمد لأي منهما.
غيث العمري
في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، قد يكون من السهل الافتراض أن الأوضاع في الساحة الفلسطينية مستقرة نسبياً. غير أن الضفة الغربية وقطاع غزة لا يزالان يشهدان تقلبات حادة.
ففي ذلك اليوم وحده، شنت حركة "حماس" هجومين ضد مدنيين إسرائيليين، في حين تواصلت الهجمات الإسرائيلية في الضفة الغربية. كما لا تزال السلطة الفلسطينية تواجه ضغوطاً مالية شديدة، إذ حذرت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً من أن الأوضاع قد تتدهور أكثر بعد أن قررت بعض المؤسسات المالية الإسرائيلية إنهاء خدمات المراسلة المصرفية للبنوك الفلسطينية. ولم تحرز السلطة الفلسطينية تقدماً ملموساً في مسار الإصلاح الداخلي أيضاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى قيودها المؤسسية وتناقص المساعدات الخارجية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال وقف إطلاق النار في غزة هشاً. فقد رفضت "حماس" نزع سلاحها، وتواصل ترسيخ سيطرتها، بينما تواصل إسرائيل شن عمليات عسكرية دورية ضد الحركة وتوسيع وجودها العسكري في القطاع. كما وصلت خطة إدارة ترامب بشأن غزة إلى مأزق استراتيجي؛ فما زال "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة عاجزاً عن ممارسة صلاحياته، ولم تدخل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة " (NCAG) حيز التنفيذ.
في ظل قيادة خليل الحية، من المرجح أن تواجه "حماس" صعوبات في تحسين علاقاتها مع الدول العربية. ففي أول خطاب علني له بصفته زعيماً للحركة - بُث على قناة الجزيرة - شكر إيران والحوثيين و"حزب الله" والميليشيات العراقية، فيما أغفل ذكر تركيا وقطر، اللتين طالما دعمتا الحركة. وقد أشار الخطاب إلى انحياز واضح لمحور طهران، وأثار استياء دول الخليج. وبالمثل، فإن زاهر جبارين - الذي سيتولى الآن قيادة فريق التفاوض التابع لـ"حماس "، إلى جانب إشرافه على أنشطة الحركة في الضفة الغربية - يتخذ من لبنان مقراً له، حيث ينسق بانتظام مع "حزب الله ".
أما بالنسبة لـ"فتح"، فقد أسفرت انتخاباتها التي جرت في أيار/مايو عن حصول نجل الرئيس محمود عباس على منصب قيادي، مما أثار مزاعم بالمحسوبية. كما حقق بعض منافسي عباس نتائج متقدمة في التصويت، مما زاد من تعقيد احتمالات انتقال السلطة بصورة مستقرة. وعندما دعا عباس إلى إجراء انتخابات وطنية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، اشترط على الأحزاب المشاركة الالتزام بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، الذي يحظر مشاركة "حماس". وقد يمثل ذلك خطوةً متواضعةً إلى الأمام - مع بقاء أسباب الشك قائمة، بالنظر إلى إلغائه الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها عام 2021 وسط مخاوف من خسارته أمام قوائم منافسة من داخل حركة "فتح ".
يمكن للولايات المتحدة، بل وينبغي لها، أن تلعب دوراً مهماً في الساحة الفلسطينية، التي أظهرت مرة أخرى تداعياتها المباشرة على إسرائيل، والاستقرار الإقليمي، والمصالح الأمريكية. أولاً، ينبغي على واشنطن تعيين مسؤول رفيع المستوى لقيادة الملف الإسرائيلي- الفلسطيني. ثانياً، عليها تجنب الانخراط المباشر مع "حماس "، لأن ذلك يمنحها شرعيةً سياسيةً. ثالثاً، عليها الضغط على الشركاء العرب للاضطلاع بدور أكثر نشاطاً. فدول الخليج والأردن ومصر كثيراً ما تعرب عن قلقها إزاء القضية الفلسطينية، لكنها أبدت استعداداً محدوداً للتحرك، غالباً بحجة أن القادة الفلسطينيين لا يستجيبون. لذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تضغط بقوة أكبر من أجل مشاركة عربية مستمرة ومنسقة على نحو أفضل، مع تمكين مصر و"مجلس السلام "، مع توخي الحذر من الاعتماد على تركيا وقطر بوصفهما وسيطين.
أعد هذا الملخص كلٌ من ويام حموشين، ومانويل دي لا بويرتا، وآري ناجل.