- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4252
إغلاق الباب الإماراتي الخلفي الذي يتيح لإيران الوصول إلى المصارف وسلاسل التوريد
مع إطلاق إدارة ترامب لعمليتها المعلنة حديثا "النبذ الاقتصادي"، ينبغي أن تكون الإمارات العربية المتحدة نقطة الارتكاز الأولى، فهي أظهرت تحولا في الاتجاه الصحيح لكنها ستحتاج إلى مساعدة أمريكية موجهة لقطع المعاملات الإيرانية غير المشروعة.
في 19 آب (أغسطس)، وبعد يومين من الإعلان عن عدم تمديد مذكرة التفاهم الأمريكية مع إيران، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن إدارته ستفرض عقوبات جديدة على الشبكات المالية الإيرانية وصفها بأنها بمثابة "يوم النزول الاقتصادي". وإيران أصلا من أكثر دول العالم خضوعا للعقوبات، ولذلك فإن التهديد بعقوبات "غير مسبوقة" قد يبدو جوفاء. ورغم أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هدد بدوره بنشر "كامل قوة" الحكومة الأمريكية ضد أي دولة تواصل التعامل مع إيران، فإن هذا النهج قد يضع الولايات المتحدة في خلاف أعمق مع دول عديدة أخرى، من بينها الصين.
غير أن دولة واحدة تؤدي دورا بالغ الأهمية في تسهيل الأنشطة الإيرانية الخاضعة للعقوبات، بحيث يمكن لضغط أمريكي إضافي (وتوجيه) أن يحدث فارقا حقيقيا: الإمارات العربية المتحدة. وقد أشار بيسنت ووزارته إلى هذه المشكلة اليوم، حين ذكرا الإمارات في تصريحات توضح ملامح "عملية النبذ الاقتصادي" المعلنة حديثا، وأصدرا تصنيفات جديدة بحق عدد من الكيانات الإماراتية. غير أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد عقوبات مباشرة، كما ألمح بيسنت حين أشار إلى أن الرئيس ترامب سيتصل شخصيا بقادة العالم بشأن قطع علاقاتهم المالية مع طهران.
لماذا الإمارات؟
لطالما كانت الإمارات مركزا محوريا لإعادة الشحن والتمويل غير المشروع لإيران. فعلى مر السنين، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 353 كيانا مرتبطا بالإمارات بسبب سلوك مالي غير مشروع متصل بإيران، أي ما يقارب ربع إجمالي التصنيفات الأمريكية المتعلقة بإيران في العالم. ولا تتفوق على الإمارات في هذا المجال سوى الصين، بواقع 469 كيانا خاضعا للعقوبات، وإن كان الرقمان مرتبطين ارتباطا وثيقا، إذ تقدم كيانات عديدة مرتبطة بالإمارات خدمات مصرفية خفية أو خدمات إعادة شحن لصالح كيانات صينية.
وفي العام الماضي وحده، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على ما لا يقل عن 154 كيانا مقره الإمارات لضلوعه في أنشطة من هذا النوع. وفي آذار (مارس)، عشية الحرب، قدر أن اعتماد إيران على هذا المركز غير المشروع بلغ حدا دفع الرئيس ترامب إلى القول إن الإمارات باتت أشبه بـ"مصرف إيران".
أما اليوم، وبعد أشهر من العمليات العسكرية وتداعياتها، فيبدو أن الإمارات باتت مستعدة للقيام بما عجزت عن تحقيقه كل الإجراءات العقابية والمساعي الدبلوماسية السابقة: قطع علاقاتها المالية مع إيران. فقد تعرضت الإمارات لهجمات خلال هذا النزاع أكثر من أي دولة أخرى، إذ استهدفت بما يزيد على 530 صاروخا باليستيا و26 صاروخا كروز و2200 طائرة مسيرة. كما استُهدفت قرابة عشرين سفينة تابعة لشركة أبوظبي الوطنية للبترول. وفي الأسبوع الماضي فقط، رصدت السلطات الإماراتية صاروخين أُطلقا باتجاه الإمارات استهدفا "حركة الملاحة البحرية"، في أول ضربات إيرانية تطال البلاد منذ هجوم 4 أيار (مايو) على ميناء الفجيرة. ومع ذلك، كان المستشار الإماراتي البارز أنور قرقاش قد أشار علنا منذ نيسان (أبريل) إلى أن الإمارات تواجه "إعادة تقييم مهمة" لعلاقتها بإيران، قائلا: "الجزء الأول هو أن هذا العدوان الوحشي والمخطط له مسبقا يشكل تهديدا جوهريا لعقود مقبلة. أما الجزء الثاني فهو أن سياسات الاحتواء التي اتبعناها قد فشلت أيضا."
تجميد التجارة وحده لا يكفي
وفي أعقاب الهجوم الصاروخي الأخير، وإعلان الرئيس ترامب عن "يوم النزول الاقتصادي"، ومكالمة جمعت وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بمستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، أعلنت الإمارات في 19 آب (أغسطس) أن "جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران قد أُوقفت حتى إشعار آخر". ويكتسب وقف التجارة أهمية بالنظر إلى مدى اعتماد إيران على الإمارات كنقطة لإعادة الشحن وإعادة التصدير للسلع المشروعة. وقد بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين، بحسب ما ذُكر، أكثر من 27 مليار دولار خلال عامي 2023 و2024.
غير أن الإجراءات المتعلقة بالتجارة وحدها لن تكفي، نظرا لتركيز النظام الإيراني الشديد على استخدام الإمارات مركزا لإعادة الشحن غير المشروع والصيرفة الخفية. ويؤكد هذه الحقيقة أنه في اليوم التالي لإعلان تجميد التجارة، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على شبكة تهريب نقدي كانت قد نقلت مئات ملايين الدولارات لصالح فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وحزب الله، عبر رحلات جوية تجارية بين لبنان وعدد من الدول الأخرى، من بينها الإمارات.
ومن الواضح أن الشركات الإيرانية الواجهة المملوكة أو المتخذة من الإمارات مقرا لها تؤدي دورا رئيسيا في شبكة الصيرفة الخفية للنظام ومبيعات النفط غير المشروعة. وقد خلص تحليل اتجاهات أعدته وزارة الخزانة إلى أن الإمارات ككل، ودبي على وجه الخصوص، سجلت في عام 2024 وحده أكبر حجم من "الأموال المحتملة للصيرفة الخفية" المرتبطة بإيران مقارنة بأي ولاية قضائية أخرى، إذ بلغت 6.4 مليارات دولار، أي 71 بالمئة من الإجمالي. كما تلقت الإمارات أكبر قدر من هذه الأموال مقارنة بأي ولاية قضائية أخرى، بما يقارب 5.6 مليارات دولار، أي 62 بالمئة من الإجمالي.
والجدير بالذكر أن الوزارة أفادت بأن 42 بالمئة من الأموال المنقولة عبر الإمارات مرت عبر المناطق التجارية الحرة في البلاد، في حين مر 40 بالمئة آخر عبر مركز دبي التجاري للسلع المتعددة (DMCC). كما تدفق 58 بالمئة من هذه الأموال عبر شركات برية مقرها دبي، سُجل 95 بالمئة منها كشركات ذات مسؤولية محدودة، فيما كان 86 بالمئة منها على الأرجح "شركات وهمية".
والواقع أن إيران تستخدم مجموعة من الشركات الواجهة، منها شركات نفط وشحن واستثمار، لتمويه معاملاتها المالية وتزويد سفنها بشحنات النفط غير المشروعة وتقديم أشكال أخرى من الدعم التشغيلي. وعادة ما تستخدم بيوت الصرافة الإيرانية لإدارة شركات واجهة وتجارة متعددة في الإمارات وأماكن أخرى، وهو ما دفع وزارة الخزانة إلى تصنيف الإمارات علنا، إلى جانب عمان والعراق، ضمن الدول "المعروفة بتمويه" منشأ الشحنات الإيرانية. كما سلطت الوزارة الضوء على دور وسطاء النفط والناقلات الذين يسهلون مبيعات النفط الخاضع للعقوبات، بصورة أساسية إلى الصين.
وتؤدي الكيانات الإماراتية دورا مماثلا في تسهيل استخدام طهران لعائدات مبيعات النفط لتمويل ميليشياتها الوكيلة وشركائها في المنطقة. ففي اليمن على سبيل المثال، ذكر بيان صادر عن وزارة الخزانة في كانون الثاني (يناير) أنه "في إطار عملية بيع النفط الحوثية، تبيع الحكومة الإيرانية النفط للحوثيين وتقدم لهم أيضا شحنة شهرية مجانية منه، عبر شركات مملوكة لإيران أو مرتبطة بها مقرها دبي في الإمارات"، وهو ما يمكّن الجماعة من تحقيق أكثر من ملياري دولار سنويا.
وفي سياق منفصل، أصدر مكتب سياسة التجارة والتصنيع بالبيت الأبيض تقريرا في وقت سابق من هذا الشهر بعنوان "خدعة إعادة الشحن الكبرى"، وصف فيه الإمارات بأنها النموذج الأمثل لـ"العقدة الفائقة للبوابة البحرية"، إذ يتيح ميناء جبل علي ومنطقته الحرة ومرافقه الجمركية ومنصاته لإعادة إصدار الفواتير نقل السلع ذات المنشأ الصيني بموجب مستندات تصدير جديدة.
التوصيات السياسية
تجري غالبية أنشطة إعادة الشحن والتهريب والصيرفة الخفية الإيرانية في دبي، ولذلك يتعين على واشنطن أن تبذل ما بوسعها لمساعدة القيادة الوطنية الإماراتية في أبوظبي على إقناع قادة دبي وحثهم على التعاون. وإذا كان الماضي مرشدا، فثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن أبوظبي قادرة على تحقيق ذلك.
ففي عام 2008، حين أدت الأزمة المالية العالمية إلى انهيار قيم العقارات في دبي، قدمت أبوظبي الغنية بالنفط خطة إنقاذ بمليارات الدولارات، ثم استخدمت هذه المساعدة للضغط على دبي كي تحد من بعض روابطها التجارية مع إيران. واستمرت التوترات بين الإمارتين بشأن استمرار الانكشاف على السلوك الإيراني غير المشروع، فيما وصفه المحلل «كريم سجادبور» عام 2011 بـ"معركة دبي". كما تعرضت الجالية الإيرانية المقيمة في دبي (التي يقدر عددها بنحو 600 ألف نسمة) لضغوط اقتصادية وسياسية من حين لآخر، كما حدث حين تصاعدت التوترات مع طهران وزادت العقوبات الأمريكية عام 2019. ومع ذلك، لا تزال أنشطة إعادة الشحن والتهريب والصيرفة الخفية الإيرانية غير المشروعة مستمرة في الإمارات اليوم، وتوفر شريان حياة أساسيا للنظام في طهران.
وتفكيك هذه الشبكات، التي تضم مجموعة واسعة من الشركات الواجهة التي تمكّن من التحايل على العقوبات وتسهل تمويل الميليشيات الوكيلة وتمتلك أو تستأجر أساطيل خفية لنقل النفط الخاضع للعقوبات وتفتح حسابات لتسهيل الصيرفة الخفية ومعالجة مدفوعات النفط غير المشروعة، ليس مهمة هينة. غير أنه إذا اتخذت الجهات التنظيمية وأجهزة إنفاذ القانون الإماراتية الإجراءات اللازمة لمعالجة هذه المشكلة، التي تهدد أيضا سلامة نظامها المالي، فلن تضطر الحكومة الأمريكية إلى ذلك. وبإغلاق الواجهات الإيرانية واتخاذ إجراءات بحق الأطراف المحلية الضالعة فيها، يمكن للإمارات أن تسبق حملة إنفاذ العقوبات الأمريكية التي بدأت فعليا مع تصنيفات اليوم.
وقد يكون البديل قاسيا؛ إذ يمكن لشبكة إنفاذ الجرائم المالية (FinCEN) التابعة لوزارة الخزانة أن تصعّد الأمر بتصنيف التحويلات الدولية التي تشمل شركات وهمية إماراتية مرتبطة بالصيرفة الخفية الإيرانية على أنها "مثار قلق أساسي لغسل الأموال"، بموجب المادة 311 من قانون باتريوت الأمريكي. ولتجنب هذه النتيجة، ينبغي أن يبقى المسؤولون الأمريكيون على استعداد لمساعدة الإمارات في التحقيق واتخاذ إجراءات بحق الجهات الفاعلة السيئة، على غرار ما فعلته وزارة الخزانة في الفترة 2008-2010، حين كان كبار المسؤولين والتقنوقراط ذوو الخبرة يزورون أبوظبي ودبي بانتظام.
صحيح أن هذه مشكلة عميقة الجذور سُمح لها بالتفاقم على مدى سنوات طويلة. غير أن الإمارات، في خضم الأزمة المستمرة هذا العام، باتت أمام مبررات أقوى من أي وقت مضى لإعادة تقييم سياساتها تجاه إيران، أي البدء في النظر إلى الجمهورية الإسلامية لا بوصفها جارا صعبا يمكن استمالته لتغيير سلوكه، بل بوصفها تهديدا استراتيجيا يجب إحباط نواياه الخبيثة. والخبر السار هو أن الإمارات في موقع فريد يتيح لها تقويض "اقتصاد المقاومة" الإيراني، الذي يعتمد على الإمارات أكثر من أي مكان آخر للوصول إلى سلاسل التوريد والنظام المالي الدولي. وقد تكون هذه الورقة الرابحة مفتاح حملة "يوم النزول الاقتصادي" التي يقودها الرئيس ترامب.