- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4189
أداة إيران لمضاعفة قوتها: تتبع الآثار البحرية والطاقية للحرب
إذا أرادت واشنطن تهدئة الأسواق وتحقيق أهدافها في قطاع الطاقة بوتيرة أسرع، فسيتعين عليها إيجاد آلية فعالة لتخفيف أزمة النقل البحري التي تستغلها طهران بوضوح في مضيق هرمز وما وراءه.
منذ بدء الحرب، فرضت إيران نفسها سريعاً كجهة مهيمنة على حركة الملاحة في مضيق هرمز الضيق، مما أجبر العديد من السفن على البقاء عالقة في الخليج العربي، ودفع أخرى إلى التردد في دخول المنطقة، إلى جانب استهداف السفن التجارية والبنية التحتية للطاقة الساحلية لتأكيد سيطرتها. ويُعد الحفاظ على هذا الوضع أحد أقوى أدوات الضغط لدى طهران، وكانت تداعياته العالمية المتسارعة متوقعة وقابلة للقياس.
فبين كانون الثاني/يناير وبداية الحرب، بلغ متوسط شحن النفط في منطقة الخليج حوالي 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام غير الإيراني والمكثفات والمنتجات النفطية، استناداً إلى بيانات شركة كيبلر. ورغم إعادة توجيه بعض شحنات النفط الخام، فإن الجزء الأكبر منها بات خاضعاً فعلياً لتأثير طهران. وينطبق الأمر نفسه على صادرات المنطقة من الغاز الطبيعي المسال (LNG)، التي تمثل حوالي 20 في المئة من الإمدادات العالمية.
سعت إدارة ترامب إلى احتواء الأزمة من خلال إصدار ترخيص مؤقت يسمح بشراء النفط الإيراني على متن ناقلات موجودة بالفعل في البحر. ومع ذلك، فإن مثل هذه الحلول المؤقتة لا يمكن أن تعوض التدفقات الضخمة للطاقة القادمة من دول الخليج. كما ضغطت واشنطن من أجل توفير مرافقة بحرية متعددة الجنسيات في المضيق لطمأنة شركات الشحن وتهدئة الأسواق. لكن، وبينما وافقت بعض الدول مبدئياً على المساعدة، اختارت دول أخرى التواصل مع طهران مباشرةً لضمان المرور الآمن لسفنها، بما في ذلك الهند واليابان - الحليفان الأمريكيان اللذان يعتمدان على الخليج في نحو 90 في المئة من وارداته النفطية. ومن خلال دفع هذه الحكومات إلى التفاوض، تضع طهران نفسها في موقع القوة التي لا يُستهان بها حتى بعد الحرب.
ما الذي تسمح إيران بمروره عبر المضيق؟
اعتباراً من 20 آذار/مارس، كانت الناقلات المرتبطة بإيران هي الأكثر نشاطاً في نقل النفط الخام عبر المضيق، في حين شهدت حركة بقية السفن تباطؤاً ملحوظاً. وتُظهر بيانات شركة كيبلر (Kpler) أنه بين 5 آذار/مارس (مع تصاعد المخاطر على الملاحة البحرية) و20 آذار/مارس، عَبَرَت ما لا يقل عن 28 ناقلة نفط مرتبطة بإيران مضيق هرمز في الاتجاهين (محملةً وفارغةً)، منها ثماني ناقلات على الأقل خلال الأسبوع الأخير. وتشمل هذه الناقلات سفناً لها سجل في الإبحار إلى نقاط خارجية قبالة ماليزيا قرب مضيق سنغافورة، وهي مراكز لنقل النفط من سفينة إلى أخرى، حيث يتم تحويل الشحنات النفطية لإعادة تصديرها – غالباً إلى الصين.
ومن بينها ناقلة النفط "نورا" (IMO 9237539)، التي يُعتقد أنها حملت حوالي 2 مليون برميل في جزيرة "خارج" في 7 آذار/مارس، مع إبقاء نظام التعريف الآلي (AIS) مغلقاً، كما تفعل ناقلات النفط غالباً أثناء التحميل في إيران. ثم عبرت السفينة المضيق في 15 آذار/مارس مع تشغيل نظام التعريف الآلي ولوحظ أنها أبحرت بمحاذاة قريبة جداً من الساحل الإيراني حتى وصلت إلى تشابهار قبل أن تتجه نحو بحر العرب.
ولا يزال السبب وراء هذا السلوك الملاحي غير المعتاد غير واضح، سواء كان مرتبطاً بمخاوف من الاستهداف أو الاحتجاز. وتشير بعض التقارير إلى احتمال أن تكون إيران قد زرعت ألغاماً في أجزاء من المضيق، غير أنَّه لا توجد أدلة ملموسة على ذلك حتى الآن، كما نفى مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية هذه المزاعم. وفي جميع الأحوال، تُظهر بيانات منصة MarineTraffic أن السفينة "نورا" حددت الصين كوجهة لها، وهو ما يشير إلى أن صادرات النفط الإيرانية إلى أحد أهم عملائها لم تتأثر بشكل كبير بالحرب.
بالإضافة إلى ذلك، عبرت المضيق بين 5 و20 آذار/مارس ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط غير مرتبطة بإيران (ست محملة واثنتان فارغتان). ومن بينها الناقلة "كاراشي " (IMO 9903413) التي ترفع علم باكستان، والتي عبرت المضيق في 15 آذار/مارس محمّلة بالنفط الخام من جزيرة داس في الإمارات العربية المتحدة ومتجهة إلى باكستان.
والجدير بالذكر أنه لوحظت الناقلة "كاراشي" وبعض السفن الأخرى وهي تسلك مساراً يلتف حول جزيرة لاراك الإيرانية قبل مغادرتها المضيق – وهو مسار غير معتاد للسفن التجارية المغادرة من الخليج العربي. ولا يزال سبب فرض هذا المسار من قبل إيران غير واضح. وفي الوقت نفسه، أفادت التقارير أن السلطات الإيرانية طالبت بعض السفن بدفع رسوم عبور. لكن المؤكد هو أن طهران تسعى إلى ترسيخ دورها كجهة تتحكم في توقيت وآلية استئناف الملاحة عبر المضيق.
وفيما يتعلق بشحنة طاقة رئيسية أخرى – غاز البترول المسال – فقد عبرت المضيق منذ منتصف آذار/مارس ما لا يقل عن أربع ناقلات مرتبطة بالهند (اثنتان منها في وقت سابق اليوم، مع توقع وصول المزيد). وتُعد الهند من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات اضطراب إمدادات غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز، إذ تستورد نحو 80 في المئة من احتياجاتها، وتأتي الغالبية العظمى من هذه الإمدادات من دول الخليج، لا سيما الإمارات وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية. وبحسب التقارير، تقوم الهند وباكستان بتوفير مرافقة بحرية للسفن التي ترفع أعلامهما فور خروجها من المضيق، ومن المتوقع أن تحذو دول أخرى حذوهما.
ومن المرجح أيضاً أن تواصل إيران استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط ليس فقط على مستوردي الطاقة، بل أيضاً على المنتجين في الخليج. فعلى سبيل المثال، يُعد العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، ويعتمد نحو 90 في المئة من ميزانيته الوطنية على عائدات النفط الخام المصدَّر من موانئه الجنوبية في الخليج. وفي هذا السياق، طلبت بغداد بالفعل من طهران إعفاءً يسمح بمرور صادراتها النفطية عبر المضيق، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران قد وافقت على ذلك. في غضون ذلك، أعلن العراق حالة القوة القاهرة على جميع حقول النفط التي تديرها شركات أجنبية بسبب الاضطرابات.
وفي أماكن أخرى، تشير بيانات شركة كيبلر (Kpler) إلى غياب ناقلات الغاز الطبيعي المسال عن المضيق منذ 28 شباط/فبراير، بما في ذلك تلك التابعة لقطر، أحد أبرز المصدّرين العالميين. كما تعرّض مجمع رأس لفان الضخم للغاز الطبيعي المسال في الدوحة لأضراراً جسيمة ، بعد أن استهدفته إيران بضربة صاروخية باليستية في 18 آذار/مارس، وذلك رداً على ضربة إسرائيلية استهدفت منشآت الغاز الإيرانية.
وبالإضافة إلى ناقلات النفط والغاز، رُصدت ما لا يقل عن تسع سفن بضائع جافة وهي تدخل وتغادر الخليج العربي منذ 15 آذار/مارس. ومن بينها السفينة "Giacometti" (IMO 9615377)، المملوكة لشركة "Oceanbulk Shipping" اليونانية، التي عبرت مضيق هرمز في 20 آذار/مارس عبر مسارٍ التفافيٍ غير معتادٍ حول جزيرة لاراك.. كما شملت حركة العبور سفن بضائع جافة أخرى، بعضها مرتبط بإيران، والتي كانت متواجدة في ميناء بندر الإمام الخميني عند اندلاع الحرب.
هرمز كأداة مضاعفة للقوة بالنسبة لطهران
من خلال تعطيل كل هذه الأنشطة البحرية في الخليج، تمارس إيران ضغوطاً متزامنة على أنظمة إقليمية وعالمية متعددة. وعندما تعجز الناقلات عن دخول الخليج والتحميل، يضطر المنتجون إلى كبح أنشطة الإنتاج والتكرير وسط قيود التخزين (انظر: العراق). كما تتأثر بقية سلسلة قيمة النفط والغاز العالمية، من المنبع (الاستكشاف والإنتاج) إلى الوسط (النقل والتخزين) وصولاً إلى المصب (البتروكيماويات والتكرير).
ولا شك أن طهران تسعى إلى إطالة أمد هذه التداعيات إلى حين تحقيق اختراق دبلوماسي محتمل في مسار الحرب. ويُعد الهجوم الصاروخي على مجمع رأس لفان مثالاً بارزاً على ذلك، حيث تعمل شركة إكسون موبيل (ExxonMobil) الأمريكية كشريك في المشروع. ووفقاً لـ سعد الكعبي - وزير الدولة لشؤون الطاقة في قطر والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة - فقد أدى الهجوم إلى تدمير 17 في المئة من القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال في البلاد، مما يهدد إمدادات الغاز للأسواق الآسيوية والأوروبية، وربما لفترة تمتد إلى خمس سنوات.
ومن المرجح أن تؤدي أي ضربات إضافية تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية إلى تصعيد خطير في مستوى التهديد. فإذا استهدفت الولايات المتحدة المنشآت النفطية الرئيسية للنظام في جزيرة "خارج"، فمن المتوقع أن ترد طهران بتوسيع نطاق هجماتها على منشآت تصدير الطاقة في المنطقة، وقد يشمل ذلك:
- خط أنابيب شرق – غرب السعودي المؤدي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي تبلغ طاقته نحو 7 ملايين برميل يومياً. وقد استخدمته المملكة لتحويل جزء من صادراتها بعيداً عن مضيق هرمز خلال الحرب. رغم أن التدفقات الحالية عبره لا تزال أقل من 5 ملايين برميل يومياً، ستكون ثمة حاجة إلى بعض الكميات المحولة لتلبية احتياجات السوق المحلية.
- خط أنابيب النفط الخام في أبو ظبي، الذي تبلغ طاقته 1.5 مليون برميل يومياً وينقل النفط الخام من حقول حبشان مباشرة إلى الفجيرة على طول خليج عمان.
- البنية التحتية للطاقة في شمال العراق، التي تعاني بالفعل من قيود شديدة بسبب هجمات الميليشيات الموالية لإيران.
إذا تعرضت طهران لمزيد من التهديدات، فقد تطلب أيضاً من الحوثيين في اليمن تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق باب المندب في البحر الأحمر. وقد يؤثر ذلك على كميات النفط الخام المحولة التي تصدرها المملكة العربية السعودية إلى الأسواق الآسيوية عبر ميناء ينبع. ومع ذلك، يظل من غير الواضح ما إذا كان الحوثيون مستعدين لاتخاذ مثل هذا الإجراء بالنظر إلى مصالحهم الخاصة في المنطقة ومع الرياض.
خاتمة
إذا أرادت إدارة ترامب تحقيق أهدافها المعلنة في مجال الطاقة بسرعة – على حد تعبير وزير الخزانة سكوت بيسنت، "تعظيم تدفق الطاقة إلى العالم، وتعزيز الإمدادات العالمية، والسعي لضمان استقرار السوق" – فسيتعين عليها إيجاد طريقة لتهدئة الأزمة البحرية التي تستغلها طهران بوضوح، ثم تمهيد الطريق نحو حل دبلوماسي. وسيتطلب ذلك تعاوناً متضافراً من شركاء أمريكا في الخليج لمعالجة مجموعة واضحة من التحديات الأمنية البحرية في مضيق هرمز وما وراءه. وقد أكدت أربعة أسابيع من الحرب أن هذا الموضوع سيكون محور الاهتمام في المنطقة لسنوات قادمة، خاصة بعد أزمة البحر الأحمر السابقة مع الحوثيين.
علاوة على ذلك، تعتمد العديد من الدول – خاصة في آسيا – بشكل كبير على منطقة الخليج في أمنها الطاقوي. والآن بعد أن أظهرت إيران بوضوح قدرتها على التحكم في حركة السفن عبر هرمز، تبدي بعض هذه الدول ميلاً للتفاوض مع طهران بشأن المرور الآمن بدلاً من إرسال سفن حربية إلى المنطقة. ويكمن الخطر في أنه كلما طالت مدة الحرب، سعت إيران إلى ممارسة هذا النفوذ على القطاعين البحري والطاقوي، مما يدفع المزيد من الدول إلى إبرام اتفاقات جانبية معها.